هجمة «سامية» إسرائيلية على العرب

30 01 2008

قررت إسرائيل شن هجمة «سامية» ثقافية على العالم العربي، وهو ما تخطط له منذ زمن. وفي الوقت الحالي، يتم إطلاق موقع باللغة العربية على الإنترنت لمتحف «ياد فاشيم» المخصص لضحايا المحرقة النازية (الهولوكوست)، الذي يضم نصبا لتخليد ضحايا النازية من اليهود.

وتجري استعدادات حثيثة، لإطلاق الموقع الأسبوع المقبل، لتوعية العرب بما تراه إسرائيل مخاطر تنامي الاتجاهات اللاسامية في أوساطهم، متناسية أن العرب يعتبرون أنفسهم ساميين، وتوجد اتجاهات قوية بينهم تنكر سامية اليهود أنفسهم.

ووفقا لما يقوله أفينر شليف، رئيس مجلس إدارة متحف «ياد فاشيم»، فإن مستشرقين ومتخصصين باللغة العربية والثقافتين الإسلامية والعربية سيشرفون على الموقع، الذي ستنشر عليه مقالات وأخبار وتقارير ودراسات حول الهلوكوست، تناسب المرجعيات الثقافية العربية.

اللاسامية وتعريفاتها الخبيثة

ويهدف الموقع إلى محاربة ما يطلق عليها «أية اتجاهات لا سامية وسط الناطقين بالعربية». ولكن ما هي اللاسامية كما يفهمها الإسرائيليون؟

التيار الغالب في إسرائيل يتبنى تحديد مصطلح «اللاسامية» حسب مكتب عصبة مكافحة التشهير في إسرائيل الذي يعرفه كما يلي «إنّ اللاسامية هي التعبير عن كراهية اليهود أو الحقد عليهم، أو ممارسة التمييز (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي) ضدهم وضد مؤسساتهم المجتمعية والدينية. واللاسامية قد تأخذ أشكالاً مختلفة منها العلنية أو أعمال عنف ومنها مظاهر تنعكس في إبداء مواقف متحيّزة تقول إنّ لليهود عامّة بعض الصفات غير المرغوبة والمزعجة وبوجه الخصوص ـ أنهم طمّاعون وخدّاعون ومتآمرون ومتعصّبون، يسعون إلى تولّي السيطرة ـ أي ما ينطوي على عناصر هدامة وحتى شيطانية».

ولهذا التعريف جوانب سياسية وثقافية ومصلحية واضحة، من قبل متبنيه، ويعتبر مكتب عصبة مكافحة التشهير في إسرائيل أن مظاهر اللاسامية تشمل الآن:

• الدعوة إلى قتل اليهود أو المساعدة في عمليات قتل اليهود أو تبريرها باسم أيديولوجيا راديكالية أو فكر ديني متطرف.

• نشر ادّعاءات كاذبة ومتحيّزة تُجرد اليهود من الإنسانية وتنعتهم بصفات شيطانية، وتتحدث عن اليهود عامة أو عن قدرتهم الجماعية. ويعطي المكتب مثلا على ذلك «الخرافة التي تقول إن هناك مؤامرة يهودية عالمية للاستيلاء على وسائل الإعلام والاقتصاد وعلى مؤسسات اجتماعية أخرى».

• اتهام اليهود كشعب، بأنهم يقفون وراء عمل آثم مختلق أو حقيقي ارتكبه فرد يهودي أو مجموعة يهودية، بل واتهام اليهود بالمسؤولية عن أعمال آثمة ارتكبها غير اليهود.

• إنكار ما يسميها المكتب «حقائق الكارثة التي حلت بالشعب اليهودي ونطاقها والوسائل التي استُخدمت في إبادة الشعب اليهودي ( أي غرف الغاز) على أيدي النازيين في ألمانيا وأنصارهم وشركائهم خلال الحرب العالمية الثانية» أي الهولوكوست.

• اتهام اليهود كشعب أو إسرائيل كدولة بابتداع أو المبالغة في حجم الكارثة النازية، ونشر أنباء عنها مبالغ فيها.

• اتهام مواطنين يهود بأنهم أكثر ولاءً لإسرائيل أو لسلم أوليات اليهود في مختلف أنحاء العالم من ولائهم لمصالح دولهم.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بالنسبة للتعريف الإسرائيلي للاسامية وأشكالها، فمكتب عصبة مكافحة التشهير في إسرائيل يتطرق إلى ما يسميها الأشكال التي تنعكس بها مواقف لا سامية بالنسبة لدولة إسرائيل، وهي مثلا:

• إنكار ما يسميه المكتب «حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره من خلال الادّعاء بان دولة إسرائيل هي كيان عنصري».

• ازدواجية المعايير التي «يتم من خلالها توجيه مطالب لإسرائيل تخص تصّرفها، وعدم توجيه مثل هذه المطالب لأي دولة ديمقراطية أخرى».

• استخدام الرموز والصور ذات الصلة بأشكال لاسامية قديمة. وهي كما يذكرها المكتب «الادّعاءات بأن اليهود قتلوا السيد المسيح أو فرية الدم التي كانت تُلفّق ضد اليهود» لوصف إسرائيل أو الإسرائيليين.

• المقارنة بين سياسة إسرائيل الراهنة وسياسة النازيين.

• تحميل اليهود جماعيًا المسؤولية عن أعمال دولة إسرائيل. وسيجد مناهضو دولة إسرائيل وسياستها، في هذه الأشكال الكثير من انعكاسات سياسية، الهدف منها دعم ليس فقط وجود إسرائيل، كدولة احتلال، ولكن أيضا الدفاع عن ممارساتها.

متحف «ياد فاشيم» الأيقونة المقدسة

ولو تم اخذ التعريف الذي حدده مكتب عصبة مكافحة التشهير في إسرائيل للاسامية وأشكالها الراهنة، لربما تم إتهام غالبية العرب، الذين سيتوجه لهم الموقع الجديد لمتحف «ياد فاشيم»، باللاسامية.

ويعتبر متحف «ياد فاشيم» الآن، أحد الأيقونات المقدسة في إسرائيل، والذي يتوجب على كل مسؤول سياسي كبير أو شخصيات عامة تزور إسرائيل أن يعرج عليه، وخلال السنوات الماضية زارته رموز عالمية مشهورة من المغنية مادونا إلى الممثلة شارون ستون، إلى الرياضي ماردونا، والبابا السابق، وغيرهم العشرات.

وخلال الأسابيع الماضية فقط زاره كل من الرئيس الأميركي جورج بوش، ووزير الخارجية الصربي، والرئيس الأوكراني، ووزير الخارجية القبرصي، ووزير الخارجية الكوري الجنوبي، ووزير خارجية فنلندا، ووزير المالية الألماني، والرئيس الليبيري، وغيرهم كثر.

وهذا المتحف يخلد ما تسميه إسرائيل ذكرى «الكارثة والبطولة» أي الهولوكوست. تأسس المتحف عام 1953، بموجب قانون صادر عن البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الذي حدد وظيفته بجمع كل ما يتعلق باليهود الذين سقطوا أو عانوا من النازية، وإقامة نصب تذكاري لهم، لإنعاش ذاكرة العالم بما حل باليهود في سنوات تاريخية فارقة. واستند الكنيست إلى نص في العهد القديم لتسويغ إقامة المتحف والنصب التذكاري وهو «إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري نصبا واسما أفضل من البنين والبنات، أعطيهم اسما أبديا لا ينقطع» (اشعياء: 56-5). ويضم المتحف شهادات ويوميات، ووثائق، واعمالاً فنية حول الهولوكوست، تحدث في الغالب تأثيرا على كل من يزور المكان. ويقول أفينر شليف رئيس مجلس إدارة المتحف «مضى جيلان، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونعيش الآن في عصر المعلومات، والاتصالات الفورية المتقدمة تكنولوجيا، ويجب الاستفادة من الفوائد التي توفرها هذه الوسائل، لنشر ما يتعلق بالهولوكوست».

ولهذا السبب يتم الإعداد للموقع الإلكتروني للمتحف باللغة العربية، ولن تقتصر جهود القائمين على المتحف على دعم وتطوير الموقع باستمرار، ولكنهم سيعملون، كما يقول شليف من اجل إجراء دورات لمجموعات من العرب للتعريف بالهولوكوست، والتوعية به، كما حدث مؤخرا مع مجموعة من الأردن.

ويضيف شليف «في مواجهة ثقافة عالمية مميزة لاقتصاديات السوق المفتوح، والاستهلاك المفرط، وثورة الاتصالات في العالم، تنبع أهمية إنعاش الثقافات المحلية التي تكافح من اجل المحافظة على الخصائص الفريدة التي تميزها. ومن هنا تبرز أهمية توثيق ما يتعلق بما تبقى من الجيل الذي عاش المحرقة، وكانوا شهوداً عليها، لان غيابهم سيخلق فراغا أدبيا وثقافيا وتعليميا».

وتساءل «ماذا سيكون مصير إحياء ذكرى المحرقة التي حدثت بين أفراد الجيل الرابع، من اليهود، وغير اليهود؟ كيف ينبغي لنا أن نعد أنفسنا في هذا المنعطف التاريخي؟ هذه أسئلة تواجهنا ونحن نخطط استراتيجيتنا لمواجهة تحديات الألفية الثالثة».

ومن بين هذه الخطط الاستراتيجية، تعليم الأجيال الشابة عن الهولوكوست، وإذا كان ذلك في السابق مقصورا على الإسرائيليين، وعلى آخرين في العالم، فانه اليوم سيتم استهداف الأجيال العربية الجديدة، من خلال الموقع المرتقب لمتحف ياد فاشيم على الإنترنت، ونشاطات أخرى يحضّر لها.

«أدب لاسامي ذو جذور إسلامية»

وفي إسرائيل يوجد من يراقب ويتابع ما يتعلق بما يطلق عليه مظاهر اللاسامية في العالم. وتبدي وسائل الإعلام الإسرائيلية اهتماما كبيراً، بأي حدث يصنف ضمن معاداة السامية.

وهناك من يراقب ما يعتبر مظاهر غير سامية في العالم العربي ومن بينها، مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب، ورغم انه كما يدل اسمه يهتم بالقضايا الأمنية، إلا انه يهتم أيضا بالقضايا الثقافية، ونشر مؤخراً دراسة بقلم رِيؤفين إيرْلِيخ حول ما اسماه «الأدب اللاسامي ذو الجذور الإسلامية»، رصد فيها ما وصفه بتكاثر «المؤلفات الأدبية اللاسامية والمناوئة لليهود في العالم العربي».

ويقول بأن وجود هذه المؤلفات ليس أمراً جديداً وجذوره تمتد إلى فترة سيطرة النازيين على السلطة، ولكن «طابع هذا الأدب والنقاط التي يبرزها والصور والمصطلحات التي يستعملها مؤلّفوه قد تغيرت ولا تزال تتغير مع مرور الزمن».

ويتوقف إيرْلِيخ عند ما يسميه «الصبغة الإسلامية للاسامية»، وهي لديه خليط من كتب كلاسيكية مناوئة لليهود لمؤلفين أوروبيين، ومؤلفات يسميها «إسلامية أصيلة» يقول بأنها تزدهر « بين جاليات إسلامية في الدول الغربية، بما في ذلك بريطانيا والولايات المتحدة، ودول إسلامية تقع خارج الدائرة القريبة من النزاع الإسرائيلي ـ العربي».

ويتساءل «ما هي أهداف الأنظمة العربية الإسلامية والعلماء الأكاديميين ورجال الدين ورجال السياسة الذين يقفون وراء «صناعة الكراهية» التي ينتجها الأدب اللاسامي والمناوئ لليهود، فيتم توظيف كمية هائلة من الطاقات في أبحاث علمية كاذبة، تقوم على افتراءات وآراء منحازة وسخافات أعيد تدويرها وهي عارية عن الصحة تمامًا؟».

ويجيب «كما كان الأمر عليه في الماضي، تشكّل هذه الصناعة اليوم أداة فعالة لحشد تأييد شعبي لأنظمة ديكتاتورية، تسعى إلى صرف مشاعر التذمّر والإحباط لدى مواطنيها بسبب الفقر والضائقة في بُلدانهم إلى الشعب اليهودي. وتستغلّ هذه «الصناعة» كذلك أداة قيّمة، هي أداة واحدة من بين أدوات عديدة في الصراعين الإسرائيلي ـ العربي والإسرائيلي ـ الفلسطيني وتُعبّر عن عدم الاستعداد الأساسي للقبول بقيام دولة إسرائيل، وما تضعه هذه الحقيقة من تحديات بصفة دولة إسرائيل دولة صهيونية ويهودية في عرض العالم العربي والإسلامي».

مرصد للإصدارات العربية

ويزعم إيرْلِيخ بأنه «تتم تربية أجيال من الشبان العرب، بما في ذلك أطفال رُضع على أساس هذا الأدب اللاسامي والمناوئ لليهود والذي يجد له تعابير سامّة في وسائل الإعلام العربية بشكل يومي. ويتم استيعاب الآراء المنحازة ومشاعر الكراهية ضد إسرائيل والحركة الصهيونية والديانة اليهودية في أذهانهم اعتبارًا من سنهم المبكّر. وتحفظ هذه الكراهية العداوة بين إسرائيل والفلسطينيين وبين إسرائيل والعالم العربي وتهدّد بالانتشار إلى العالم الإسلامي بأسره وإلى الدول الغربية. وتشكّل هذه الكراهية والآراء المنحازة تجاه اليهود عقبة كأداء أمام تطبيع العلاقات الحقيقي بين دولة إسرائيل والدول العربية، بما فيها الدول التي وقّعت معها اتفاقيات سلام».

ويرصد إيرْلِيخ بدأب الإصدارات التي يصنفها ضمن «الأدب اللاسامي» في العالم العربي وتواريخ طبعاتها في عواصم عربية كالقاهرة وبيروت، منذ صدور كتاب «البروتوكولات»، بطبعته العربية الأولى في مصر عام 1951، والذي صدر بمقدمة بقلم عباس محمود العقاد.

ويغيب عن الدراسة، أن معظم ما ذكره إيرْلِيخ من أسماء كتب وصفها باللاسامية، تعتبر من قبل فئات في العالم العربي بأنها كتب صفراء، تزدهر غالبا، على أرصفة الشوارع، وان ما يغذي الصراع العربي الاسرائيلي هو شيء آخر ليس له علاقة بالكتب وانما بالعنف والسفك.

http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&issue=10655&article=456232

الإعلانات