قبر المسيح الضائع

20 01 2008

قالت أرملة عالم آثار إسرائيلي، الذي توفي قبل 28 عاما، بان زوجها كان يعلم بوجود ما أسمته قبر السيد المسيح، في منطقة تلبيوت، وهو الاسم الإسرائيلي لحي البقعة، أحد أحياء مدينة المقدس، ولكنه تخوف من أن يكشف عنه، خشية من “موجة عداء للسامية”، بسبب ما يبدو في الأمر من تحدي للمعتقدات المسيحية الكلاسيكية.

والحديث عن القبر الذي،

 أنجز فيلم عنه قبل نحو عام بعنوان (قبر المسيح الضائع) وهو من إنتاج جيمس كاميرون مخرج فيلم (تايتانيك), وإخراج الإسرائيلي الكندي سمحا جاكوبوفيسي.

واثار الفيلم ضجة عالمية، وافترض صانعوه، من دراسة توابيت عثر عليها داخل القبر عام 1980، بأنها للمسيح عليه السلام، وامه مريم، وثالث لمريم المجدلية، وتابوت لمن زعم انه شقيق للمسيح، واخر قدم بأنه لابن المسيح اسمه يهوذا، ووجد أيضا داخل القبر أربعة توابيت لم ينقش عليها أسماء.
وقوبل الفيلم بمعارضة وضجة خصوصا من المؤسسات الدينية المسيحية، وهدأت الضجة التي سبقت ورافقت عرض الفيلم التسجيلي الان خصوصا في العالم العربي، ولكن النقاش حوله عاد من جديد، بعد أن أعلنت روت جات، أرملة عالم الآثار الإسرائيلي يوسف جات، بان زوجها كان يعلم بأمر القبر، وبانه للمسيح.
وجاء إعلان جات، خلال تسلمها جائزة إنجاز العمر التي منحت لزوجها الراحل يوسف جات من سلطة الآثار الإسرائيلية، في ختام مؤتمر أكاديمي عقد في القدس واستمر أربعة أيام، وناقش مواضيع أثرية وتوراتية، وتم تخصيص احدى ندواته حول ما اصبح يعرف بقبر تلبيوت، شارك فيها علماء آثار من إسرائيل ومن مختلف أنحاء العالم.
وأبلغت روث غات المشاركين في المؤتمر، بان زوجها علم بموضوع القبر، ولكنه انتابه القلق والخوف من الكشف عن ذلك.
وقالت بان زوجها عاش طفولته في بولندا عندما كانت محتلة من قبل النازيين، وكانت ذكريات الطفولة المريرة ما زالت عالقة في ذهنه، وانه ابلغها خشيته من “موجة عداء للسامية” قد تنفجر إذا كشف عن القبر وقال انه للمسيح، رغم انه كان يشعر بالارتياح لان العالم قد “تغير نحو الأفضل”.
وأشارت، بان زوجها ناقش معها الأمر في المنزل، بعد فترة وجيزة من اكتشافه للقبر، عام 1980، وقالت انه كتب تقريرا عن القبر لعالم الآثار عاموس كلونر، المدير السابق للآثار في منطقة القدس، اشار فيه الى انه للمسيح، ولكن كلونر، الذي شارك ايضا في الكشف عن القبر، استبعد ما قالته أرملة عالم الآثار الإسرائيلي الراحل، وقال أن فكرة أن جات كان يعتقد بأنه اكتشف قبر المسيح ليس صحيحة على الإطلاق.
واعتمد فيلم كاميرون- جاكوبوفيسي، على دراسة هذا القبر الذي أعلنت اكتشافه سلطة الآثار الإسرائيلية عام 1980، وشارك في الكشف عنه يوسف جات، وعاموس كلونر، ولكنه لم يقدم وقتها كقبر له علاقة بالمسيح، حتى إنتاج الفيلم المثير.
وفي الجلسة الختامية للمؤتمر، وبعد تعقيبات روث جات، قال اثنان من المتحدثين وهما: الدكتور شمعون جيبسون، الذي كان اثريا شابا عام 1980 وشارك في الحفريات التي أجريت في القبر، واريك ميرز، أستاذ الدراسات اليهودية في جامعة ديوك، انهما لا يعتقدان أن القبر في شرق تل بيوت، له علاقة بالمسيح.
وقال جيبسون، بان جات، الذي عمل تحت إدارته، لم يقل له أبدا انه يعتقد بان القبر المكتشف هو للمسيح، لذا فهو يستغرب من أقوال أرملته.
وشارك في النقاش اثنان من العلماء وهما إسرائيل كوهل، أستاذ الكتاب المقدس في الجامعة العبرية، وجيمس تابور، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية، وقالا انه من الممكن جدا أن يكون القبر مدار الحديث هو فعلا قبر السيد المسيح.
 أما جيمس جارليسورث، أستاذ العهد الجديد في جامعة برنستون اللاهوتيه، فقد رفض فكرة أن المسيح قد دفن في القبر، ولكنه قال “علينا أن نكون منفتحين إزاء احتمالية أن يكون القبر مرتبطا بعشيرة يسوع”.
وقال انه يشعر بعد أن سمع آراء المتحدثين في المؤتمر، أن القبر يحتاج إلى مزيد من الدارسة، وكذلك البحث في أماكن مجاورة له للحصول على مزيد من المعلومات.
ووصف بعض المتحدثين مخرج فليم (قبر يسوع الضائع)، بأنه كذاب ويخلط بين الواقع والخيال، وقال عاموس كلونر، الذي كشف عن القبر مع يوسف جات، بان المخرج جاكوبوفيسي مصاب بارتباك في الدماغ، وانه صنع فيلمه على طريقة هوليود.
واضاف بأنه “لا يوجد أي دليل علمي يثبت أن القبر هو ليسوع وعائلته” بل انه “مجرد قبر يهودي يعود إلى القرن الأول بعد المسيح”.
واضاف أن “الأسماء الظاهرة على التوابيت مهمة جدا لأنها تذكر بأسماء شخصيات رئيسية في العهد الجديد. لكن من يقول أن مريم هي مريم المجدلية وان يهوذا هو ابن يسوع؟ هذا لا يمكن إثباته بشكل قاطع”.
وقال انه تم اكتشاف نحو 900 قبر حول مدينة القدس ويعود تاريخها إلى الحقبة نفسها يتكرر فيها اسم يسوع 71 مرة كما عثر على اسم “يسوع بن يوسف”.
وحسب الرواية التقليدية، فان المكان الذي يفترض انه دفن فيه المسيح، هو كنيسة القيامة في البلدة القديمة من القدس، والتي بنيت بعد نحو أربعة قرون من حادثة الصلب، عندما جاءت هيلانة (القديسة فيما بعد) والدة الإمبراطور البيزنطي قسطنطين وبحثت بنفسها عن مكان الصلب في مكان كان يستخدم كمكب نفايات، ونظفت المكان وبنيت الكنيسة التي كانت تعرف باسم (كنيسة القمامة)، وبقيت تعرف بهذا الاسم حتى عصر متأخر، حيث أصبحت (كنيسة القيامة) في العهد العثماني المتأخر.
ويوجد في مدخل الكنيسة الرئيس قبر رخامي احمر، يفترض وفقا للتقليد الكنسي، انه دفن المسيح فيه، قبل قيامته، وصعوده للسماء.
وكلتا الحادثتين، الصلب والقيامة، أساس العقيدة المسيحية. فالصلب حدث فداء لاخطاء البشر الذي لا يكون إلا بالدم، والقيامة، وهي كناية عن قبول الله للكفارة. ويفترض أن القبر كما حددته هيلانة يقع في موضع الجلجلة التي يعتقد أنها كانت مكانا لإعدام المجرمين في العهد الروماني.
ويعرف هذا القبر باسم (القبر المقدس) وبدعوى حمايته، اندلعت ملحمة الحروب الصليبية التي شكلت احتكاكا دمويا بين الشرق والغرب استمر نحو 200 عاما، وما زالت اثاره تسكن العقول الجمعية لشعوب المنطقة.
وكان في المكان هيكل أقامه الإمبراطور الروماني ادريانوس لفينوس. وخلال عقد المجمع المسكوني الأول في نيقيا عام 325، دعا أسقف القدس مكاريوس الإمبراطور قسطنطين إلى تدمير هذا الهيكل للبحث عن قبر المسيح، ومن هنا جاء دور هيلانة التي كشفت عن القبر المفترض، ونظفته وبنت عليه كنيسة صغيرة، وبعد أربعة قرون أضيف إليها كنيسة أخرى باسم كنيسة الجلجلة. وتعتبر كنيسة القيامة الان، مجمعا لكنائس عديدة، ومغر وقبور ودهاليز، جميعها تم ربطه بقصص الكتاب المقدس.
وفي عام 1009 أمر الحاكم بأمر الله الفاطمي بتدمير كنيسة القيامة، وعندما احتل الصليبيون القدس في 15 يوليو (تموز) قرروا إعادة بناء الكنيسة، وإنشاء مبنى ضخم يحوي داخله جميع الأبنية الأساسية ومنها القبر المقدس.
وفي حين أن المؤمنين من مختلف العالم يقصدون كنيسة القيامة، فان هناك مكانا خارج السور يحظى بالاهتمام باعتباره المكان المفترض للقبر. يسمى (بستان قبر المسيح) وتشرف عليه جمعية خيرية بريطانية مستقلة تعرف بجمعية بستان قبر المسيح. وفي داخل المكان يوجد قبر حجري اكتشفه عام 1867م، ضابط بريطاني، ومعصرة قديمة وبئر مياه ومكتبة حديثة وكل ذلك وسط حديقة بالغة الجمال، ويقصد المكان الكثير من المؤمنين الأجانب، وتقوم بالعناية به متطوعات بريطانيات، يقصدن الأرض المقدسة تبركا وتدينا.
الجمعية التي تشرف على المكان تعرفه “كان هذا الموقع جزءا من مقلع قديم للحجارة، وبحسب التقليد فقد كان اليهود يستخدمون هذا المقلع للرجم بالحجارة، والرومان استخدموه لإنزال عقوبة الإعدام عن طريق الصلب. وكان ذلك يتم بالقرب من الطرق الآهلة بالمارين كي تكون سببا للردع، وهذا البستان يطل على شوارع رئيسة ومحطة حافلات، وكانت الطرق إلى دمشق وأريحا تتفرع من هنا، ولهذا السبب يعتقد أن يكون هذا المكان هو الذي تمت فيه عملية صلب المسيح، والكتاب المقدس يتحدث عن صلب المسيح خارج المدينة”. وحول اختلاف ذلك مع الرواية السائدة التي تقول إن حادثة الصلب وقعت في مكان كنيسة القيامة تقول الجمعية “كنيسة القيامة تقع داخل أسوار البلدة القديمة، واثار ذلك الشكوك حول ما إذا كان الموقع الذي تقوم عليه هو مكان الصلب. وهناك احتمال أن يكون هذا البستان هو الموقع الحقيقي الذي تم فيه صلب المسيح، لان الصلب، كما يقول الكتاب المقدس كان يتم خارج أسوار المدينة، ومع هذا لا يمكن الجزم في ذلك”.
وفي عام 1970 درست هذا القبر عالمة الآثار الشهيرة كاثرين كينيون، وتوصلت إلى انه يعود للقرن الأول الميلادي، مما اثلج صدور أصحاب الرأي الذين يرون انه المكان الحقيقي الذي شهد حادثة الصلب.
والنقاش ما زال مستمرا.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/1/297437.htm

الإعلانات