نقاش إسرائيلي لمحاصرة محمية فلسطينية

31 12 2007

ليست فقط القرارات الكبيرة والمعلنة، هي التي تحدد مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن التفاصيل التي تبدو صغيرة، هي التي قد تكون لعبت الدور الأكبر، في مخططات الاحتلال الإسرائيلي المعلنة والمضمرة، في تهويد الأراضي الفلسطينية. وبينما تهتم وسائل الإعلام عادة بأخبار المفاوضات التي لا تنتهي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو أعمال العنف والقتل اليومية، فان السلطات الإسرائيلية تنفذ على الأرض خططا وضعها خبراء الأمن والاستراتيجية، بمعزل عن أية تطورات أو اخفاقات سياسية.

وخلافا لما تعلنه أو تنفيه المصادر الإسرائيلية، عن وقف أو تجميد الاستيطان أو الجدار، فإنها مستمرة في تنفيذ الخطط الموضوعة، لإحداث وقائع على الأرض يكون عادة من المستحيل التراجع عنها. وهو ما يحدث الان في إحدى أهم المواقع الفلسطينية البيئية والأثرية، والمعروفة باسم وادي القلط، الذي يقع في البرية بين مدينتي القدس واريحا، ويمتد بطول 45 كيلو مترا. وتسيطر إسرائيل بشكل كامل على الوادي، وأعلنته محمية طبيعية، وتنظم دخول الإسرائيليين والسياح إلى المنطقة التي يتجنب الفلسطينيون الوصول إليها، بسبب الإجراءات الإسرائيلية الأمنية في المكان.

ولكن السيطرة الإسرائيلية العسكرية المطلقة في المنطقة، يبدو انها غير كافية بالنسبة لإسرائيل، التي تريد إقامة ما تسميه سياج أمني حولها، لاحكام السيطرة عليها، ومنع أي فلسطيني ليس من الوصول الى المنطقة، ولكن ايضا من التفكير بالذهاب إليها، ولكنها وهي تفعل ذلك، فإنها قد تمنع وصول الحيوانات وربما الطيور، التي تعتبر منطقة الوادي موئلا مهما لها، وهو ما أثار نقاشا داخليا إسرائيليا، من اجل تحقيق معادلة حصار المنطقة وفي الوقت ذاته السماح للحيوانات البرية الدخول إليها.

ولم تأت الاعتراضات على مخطط السياج حول وادي القلط من المفاوضين الفلسطينيين، المتهمين من قبل مواطنيهم بأنهم غير مؤهلين لطرح القضايا الخاصة بهؤلاء المواطنين، ولكن من جمعية حماية الطبيعة الإسرائيلية، التي تحالفت مع اللوبي من اجل البيئة في الكنيست، من اجل تغيير مخطط الحصار الإسرائيلي لوادي القلط.

وتمكن هذا التحالف بين الجمعية واللوبي البيئي في البرلمان الإسرائيلي، من تجميد أعمال بناء السياج الأمني حول وادي القلط، ويؤكد خبراء جمعية حماية الطبيعة الإسرائيلية انه من الممكن نصب ما أسموها “أجهزة ردع إلكترونية” في المنطقة، مؤكدين انه ليست هناك أية ضرورة لاقامة عوائق قد تلحق أضرارا جسيمة بالبيئة. وأثمرت جهود التحالف، في إعلان الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنها ستدرس خطتين لحصار منطقة وادي القلط، بديلتين للخطة الأصلية.

والخطة الأولى قدمها المختصون في الجيش الإسرائيلي، وتقترح أن يمر مسار السياج العازل قرب وادي القلط، أما الخطة الثانية التي قدمتها جهة رسمية هي سلطة المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية فتقترح إقامة عوائق في منطقة تبعد عن المنحدرات الصخرية في الوادي، وذلك لتمكين الحيوانات من التجوال في منطقة أوسع.

ولكن الخطتين لم تروقا لجمعية حياة الطبيعة الإسرائيلية، التي لا ترى في أي من الخطتين حلا ناجعا لما اصبح يعرف بقضية الحيوانات البرية، فالخطة التي قدمها الجيش الإسرائيلي، لا تختلف عن الخطة الأصلية لحصار الوادي بالآسيجة والأسلاك، أما خطة سلطة المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية التي تشرف الان على محمية وادي القلط، فإنها لا تحل أيضا مشكلة الحيوانات، وانما تحصر نطاق تحركها ومعيشتها في مساحة محددة، وتؤكد الجمعية على مقترحاتها بوضع أجهزة ردع إلكترونية، وتقول بان هذه الاجهزة ستقوم بالعمل المطلوب أمنيا، وفي الوقت ذاته فإنها تسمح بحرية الحركة للحيوانات البرية، ولا تقيدها أبدا، وتجعلها تبقى حرة في الدخول أو الخروج إلى ومن الوادي في أي وقت تريد، وبدون أية عوائق، وبدون أن تشكل أية مخاطر على أمن إسرائيل.

ومن المتوقع أن يستمر النقاش ويحتدم، رغم انه يتوقع أن يكون الرأي الغالب هو رأي الجيش الإسرائيلي، الذي له الكلمة الأولى والأخيرة في إسرائيل فيما يخص ليس فقط الشؤون الأمنية، ولكن أيضا شؤون أخرى.

ولا يميز الجيش الاسرائيلي بين الفلسطينيين الذي يرى وجودهم في الوادي خطرا امنيا، وبين الحيوانات، ولا يهمه وهو يمنع الفلسطينيين من الوصول الى الوادي، ان يمنع ايضا وصول الحيوانات اليه ايضا، وهو ما يثير غيظ جمعية حماية البيئة في اسرائيل، من هذا الجيش الذي لا يميز بين الفلسطينيين والحيوانات. ويتميز الوادي بجماله والوان منحدراته الصفراء، والحمراء، والبركانية، وتحيط به جدران صخرية عالية ترتفع في بعض المناطق إلى أكثر من 100 متر.

وفي أوكار ما يمكن أن نطلق عليه اسم جدران، تعشش النسور والصقور والعصافير وتجد الطيور المهاجرة فيه ملاذا لها، حتى تقرر عودتها إلى مواطنها في أوروبا الباردة. وتوجد في الوادي ثلاث عيون تحيل البرية القاحلة إلى نهر، وتتجمع فيه المياه الآتية من جبال القدس ورام الله وتسير فيه حتى تصب في نهر الأردن والبحر الميت.

ويقصد الوادي لممارسة رياضة تسلق الجبال والمشي، وتحيط به معسكرات للجيش الإسرائيلي، وكذلك مستوطنات يهودية، ومارست سلطات الاحتلال ما وصف بأنه تطهير عرقي بحق العشائر البدوية التي تعيش في المنطقة، وطردت أفرادها الذين يعيشون في المكان منذ مئات السنين، من اجل تنفيذ مخططات عسكرية أو استيطانية.

ومن معالم الوادي البارزة، والذي يشكل مقصدا سياحيا هاما، هو الدير الأرثوذكسي القديم، الذي يبدو وكأنه حفر في جدران الوادي.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2007/12/292149.htm

الإعلانات




خربة جدور عين على السهل الساحلي الفلسطيني

30 12 2007

تقع بلدة بيت أمر، شمال مدينة الخليل، على بعد 11 كلم، وبالقرب من طريق القدس- الخليل، وتتميز هذه البلدة بوجود العديد من المواقع الأثرية فيها، ومن بينها الخرب الأثرية. وإحدى أهم هذه الخرب تلك التي يطلق عليها اسم (خربة جدور) والتي تضم مغائر وكهوف، وما يسميه السكان البد، وحسب ابن البلدة أحمد أبو عياش فإن البد هو عبارة عن تجويف في الجبل الذي تقع عليه الخربة يمتد لمسافة طويلة، ويدخل إليه من فتحة صغيرة طولها عدة أمتار، ثم بإمكان المرء السير فيه بشكل اعتيادي، وهذا يعني بأن هذا المدخل صمم بهذا الشكل لدواع أمنية. ويضم البد، ما يعتقد أنه سوقا قديما، بسبب وجود فجوات في هذا النفق تشير إلى أنها استخدمت كمتاجر أو ما شابه، ومدخل هذا البد، كما عاينه مراسلنا، لا يكاد يظهر الآن، والفتحة الصغيرة التي تفضي إليه مغطية بالأتربة، نتيجة التنقيب غير المشروع عن الآثار في الخربة. وتتميز هذه الخربة، بموقع استراتيجي، مهم، فهي تسيطر على الطريق المؤدية من بيت أمر إلى السهل الساحلي الفلسطيني، ويرتفع الجبل المستدير الذي تقع عليه 922م عن سطح البحر، ومن هذا المكان يمكن رؤية البحر المتوسط غربا، ويطل أيضا على قرى فلسطينية دمرت عام النكبة مثل: بيت نتيف، والمسمية الكبيرة، والمسمية الصغيرة، وزكريا، وعجور، لذا فإنه ليس من المبالغة القول بأن خربة جدور تشكل بموقعها عين على السهل الساحلي الفلسطيني. وتم العثور في قبور هذه الخربة، على كميات كبيرة من العاديات الأثرية التي تعود إلى العصر البرونزي المتأخر والحديدي الثاني، وعرفت باسم جادورا أيام الرومان، ولكنهم ليسوا وحدهم من سكنوها، ففيها أيضا بقايا آثار عربية وإسلامية. ويوجد في هذه الخربة ينبوعي ماء، الأول يحمل اسم (عين جدور) والثاني (عين الكسيح)، وتنبع العين الأولى من باطن الجبل، أما عين الكسيح فهي تقع في مكان مرتفع عن العين الأولى، وتنبع أيضا من الجبل. وكلا العينين، تعودان لعصور قديمة، وتدل بعض البقايا أنهما عمرتا في عصور الرومان، والعربية الإسلامية المختلفة.

http://www.thaqafa.org/Main/default.aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx%2fVDUOFohr3i6B6aXlupBzl%2bgPb2jfAZn2icE9tb%2fNdF4IbTLlVbLFlTHoJj1J3G7r1Jei%2b3p6uGKOb8J0%2faYjyTXnz8MqC3hO4ii%2b4S%2fZKoL8kmPRM%3d





العروبية المسيحية كتعبير عن الهوية

27 12 2007

يولي الباحث إبراهيم نيروز أهمية كبيرة، لتأصيل تاريخ المسيحيين العرب، ويبث في طلابه الروح العروبية المسيحية، كأحد أشكال التعبير عن الهوية المهددة، خصوصا في فلسطين، حيث شكلت الغزوة الصهيونية، وفيما بعد إنشاء إسرائيل واحتلالها كامل فلسطين، تهديدا للوجود العربي فيها. وعرف نيروز كباحث في الآثار واصدر عدة كتب، واصبح محاضرا جامعيا، وقبل فترة وجيزة رسم كاهنا، في الكنيسة الأسقفية العربية. ويحمل نيروز نظريات تعلي من شأن العرب في تاريخ المسيحية، وفي محاضرة أخيرة له حول بدايات المسيحية العربية، تحدث عن تلك البدايات والتي من شانها أن تثير جدلا لدى الباحثين التقليديين في هذا المجال.وقال نيروز، بان أول ذكر للعرب في فلسطين كان لدى المؤرخ اليوناني هيرودوت الملقب بابي التاريخ، وتعود نصوص كتبه إلى القرن السادس قبل الميلاد.وأضاف نيروز “ذكر هيرودوت العربان، والتي تعني سكان الصحراء الذين يرعون الأغنام، ومن الملفت انه لم يذكر شيئا عن اليهود في فلسطين، وهذا أمر آخر، وسؤال آخر برسم الباحثين”.

وحسب نيروز، فان النصوص القديمة، ومن بينها الكتاب المقدس، لم تذكر العرب كقومية، ولكنها كانت تذكر أسماء القبائل العربية بشكل منفرد، وبرأيه فان مصطلح العرب اخذ مدلولاته القومية لدى ظهور الإسلام، وبروز الحاجة للتمييز بين المسلم العربي، والمسلم غير العربي. ولدى نيروز الكثير ليقوله عن ورود الكثير من اللمحات عن العرب في الكتاب المقدس، مثل ما يتعلق بزيارة ملكة سبأ إلى القدس، وكما هو معروف فان هذه الملكة يمنية، وبالنسبة لنيروز، فان اليمن احدى معاقل العرب القديمة جدا، وكذلك يشير الى ورود أسماء لقبائل عربية كثيرة في العهد القديم مثل: شعب قطبان، والنبط، وشونم والإشارة هنا إلى ذكر المرأة الشونمية في الكتاب المقدس، التي ساعدت اليشع.

ويقول نيروز “لم تكن هناك حاجة لذكر كلمة العرب آنذاك، لوصف هذه القبائل العربية، التي ذكرت بأسمائها”.ويشير نيروز، واستنادا إلى الكتاب المقدس أيضا، إلى زواج النبي موسى من المرأة المديانية، والتي تنسب برأيه إلى قبيلة عربية، ويقول بان المديانيين هم من سكنوا المناطق التي تقع فيها مدينة تبوك السعودية حاليا. وعلق نيروز “هذا يعني بان النبي موسى كان نسيبا للعرب”، وبحسب علماء الكتاب المقدس فان قصة النبي موسى حدثت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

واورد نيروز أسماء قبائل وشعوب أخرى عربية ورد ذكرها في الكتاب المقدس والنصوص القديمة مثل الكنعانيين، واليبوسيين، وهذا بالنسبة له يؤكد قدم الوجود العربي في هذه المنطقة من العالم. وردا على سؤال حول اللغات التي كانت هذه القبائل والشعوب تتحدث بها، ومدى علاقتها باللغة العربية قال نيروز “كان هناك عدة لغات ولهجات عربية تحدث العلماء عن سبعة منها، ولكن لم يبق منها إلا اللغة التي نتحدث بها الان، وهي اللغة العربية القرشية”.
وأشار إلى ما تركته لنا الشواهد الأثرية من نصوص عربية للغات أخرى غير اللغة العربية السائدة حاليا مثل النبطية، حيث توجد نصوصا منها في البتراء وأماكن نبطية أخرى.

ويذهب نيروز بعيدا في الغوص في التاريخ، مستندا إلى الكتاب المقدس، لتدعيم وجهة نظره، ويشير إلى سفر أيوب في العهد القديم، قائلا بأنه يتضمن إشارة إلى ارض عوص، التي ينتمي إليها النبي أيوب، وهذه المنطقة وفقا للباحثين في علوم الكتاب المقدس هي منطقة عربية.

ووفقا للباحث كارل راسموس فانه يذكر في كتابه (أطلس الكتاب المقدس)- الترجمة العربية الصادرة عن دار الثقافة في القاهرة عام 2001، بان موقع عوص الأرض التي عاش فيها أيوب، غير معروف على وجه التحديد ولكنه يرجح أن تكون في “شرق ادوم على حافة صحراء العرب، وربما في منطقة وادي سرحان التي تبعد حوالي 50 ميلا جنوب شرق عمان”.

ويذكر راسموس أسماء قبائل عربية وردت في العهد القديم، لم يتطرق لها نيروز مثل قيدار، والتي ذكرت 10 مرات في العهد القديم.أما نيروز فيؤكد بان “الإشارات كثيرة في سفر أيوب التي تدل على أن روحه عربية، وهناك كثير من الملامح الثقافية العربية فيه، وكذلك التقاليد والعادات مثل العزومة الجماعية وهي تعبير عن فكرة الأرحام العربية”.

ويقول نيروز “الأبحاث متواصلة بخصوص عروبة سفر أيوب، فإذا تأكد ذلك فانه سيكون اقدم نص عربي، لانه يعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد”.
وردا على سؤال لمراسلنا، حول الأبحاث المتعلقة بسفر أيوب ومن يقوم بها، قال نيروز “جميع علماء اللاهوت الكتابي، وهو العلم الذي يدرس الكتاب المقدس، توقفوا عند مسألة عروبة سفر أيوب، وتجرى دراسات كثيرة الان حول ذلك، أما بالنسبة لي فإنني أؤكد أن روح هذا السفر هي عربية، وهو ما ستؤكده الأبحاث المتواصلة حول هذا الأمر”.

وانتقل نيروز إلى الحديث عن الجذور المسيحية العربية في العهد الجديد، مشيرا إلى سفر أعمال الرسل، الذي يعدد 15 اثنية من بينها العربية، وهي برأي نيروز لم تكن تدل على قومية، ولكن على سكان الصحراء.

ويعطي نيروز لحادثة معروفة في التاريخ المسيحي، ليضفي عليها أبعادا تؤكد نظريته حول الجذور القديمة للمسيحيين العرب، والمقصود حادثة مقتل اسطفانيوس، أحد أفراد الجماعة المسيحية التي كانت تسكن القدس والتي وقعت في أواسط خمسينات القرن الأول الميلادي، أي في فترة مبكرة جدا من ظهور المسيحية، حيث يحدد علماء الإنجيل مولد المسيح عام 33م.

وبعد مقتل اسطفانيوس على يد مناهضي المسيحية، شعر مسيحيو القدس آنذاك بالخطر، فقرروا اللجوء إلى دمشق، حيث وجدوا حماية ورعاية في هذه المدينة. ويقول نيروز “مدينة دمشق مدينة عربية منذ القدم، وعندما تشعر جماعة بالخطر تفكر باللجوء إلى مكان آمن، واعتقد ان لجوء الجماعة المسيحية المقدسية إلى سكان دمشق العرب، يمكن أن يعطينا ملامح أكيدة حول وشائج القربى بينهم وبين الدمشقيين، ويرجح علاقة جماعة القدس المسيحية آنذاك بالعرب”.

واكثر من ذلك يستخلص نيروز من عناصر أخرى في القصة لدعم فرضيته، عندما يشير إلى أيفاد يهود القدس، واحد منهم وهو شاؤول إلى دمشق ليؤدب الهاربين إليها، ولكن ووفقا للقصة الإنجيلية التقليدية، فان المسيح يظهر له في الطريق، ليشكل ذلك منعطفا في تاريخ المسيحية، حيث يتحول شاؤول، إلى القديس بولس الذي يصبح الصخرة التي بنيت عليها المسيحية كما نعرفها الان، بل أن كثيرا من الباحثين يعتبرونه المؤسس الحقيقي للمسيحية.

ويصل بولس إلى دمشق، حيث توجد جالية يهودية تحاول الانتقام منه لردته، فيهربه الدمشقيون إلى المنطقة العربية، والتي يمكن أن تكون الجزيرة العربية، حيث عاش هناك ثلاث سنوات. ويقول نيروز “عندما يهرب الدمشقيون المسيحيون بولس إلى العرب، فهذا يعني وجود وشائج وتواصل بين الجهتين، بل من انهم أقارب الدمشقيين”.

ويبقى بولس عند العرب ثلاث سنوات يدرس ويثقف ويتعلم، ويتساءل نيروز “هل كان العرب في البادية الذين لجا إليهم بولس مسيحيون؟ هذا محتمل جدا، هل اصبحوا مسيحيين، نتيجة لتبشير بولس بينهم؟ هو احتمال أخر أيضا، وفي كل الأحوال هذا يشير إلى انتشار مبكر للمسيحية بينهم”.
ويتساءل نيروز أيضا “هل كان بولس يتكلم العربية؟ هذا محتمل جدا على الأقل لقضائه ثلاث سنوات بين العرب، ولكن لماذا لم يكتب أية رسالة من رسائله للعرب، هذا سؤال آخر”.

ويجيب ساخرا “توجد نكتة تقول بان بولس لم يكتب للعرب، لانهم لا يقرؤون، ولكنها نكتة وضعت بأثر رجعي” في إشارة إلى وضع العرب حاليا وضعف القراءة بينهم. وردا على سؤال لمراسلنا حول إلى أي مدى يمكن التعامل مع الكتب الدينية، باعتبارها كتبا تاريخية، قال نيروز “الكتب المقدسة هي كتبا روحانية بالأساس، ولكن فيها بعض الشواهد التاريخية التي يمكن الاستدلال بها”، وهو ما يفعله للتدليل على ما توصل إليه بشان بدايات المسيحية العربية.

ويعتمد نيروز على مصادر تاريخية غير العهد الجديد، ويشير إلى كتابات الأسقف نيسابيوس، أسقف مدينة قيسارية، وهو الذي يطلق عليه وصف (أبو التاريخ الكنسي)، وعاش في القرن الرابع الميلادي. وربطت هذا الأسقف، علاقة وثيقة بالإمبراطور البيزنطي قسطنطين، الذي تبنى المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية، وكان الأسقف ممثلا عنه في تدشين كنيسة القيامة بالقدس عام 329م، حيث ألقى كلمة الإمبراطور، الذي غير تبنيه للمسيحية وجه التاريخ.

وحسب نيروز، فان الأسقف نيسابيوس، يذكر زيارته لادوسا، وهي الرها حاليا، ويؤكد الأسقف انه رأى رسالة من ملكها ابجر للمسيح، وان الأخير رد عليه. ومن المعروف بان سلالة الاباجرة العرب حكموا الرها التي تقع الان في الحدود السورية، واعتنقوا المسيحية، ويوجد في المتحف البريطاني تاج للملك ابجر الثاني، يحمل نقشا للصليب ويعود إلى عام 185م.

ويقول نيروز “توجد مصادر تاريخية تتحدث عن طوفان حدث عام 201م ودمر كنيسة في الرها، لقد احتضن الشرق التاريخ المسيحي العربي العريق، وملاه حضارة ومكانة”. ووفقا لمعلومات معاصرة عن الرها، فانه يوجد فيها بقايا نحو 200 كنيسة، مما يشير إلى تاريخ المسيحيين العرب العريق والمبكر فيها. وبالنسبة لبعض الباحثين فان الاباجرة ظهروا على المسرح السياسي، قبل الدولتين المسيحيتين العربيتين الأبرز، وهما دولة الغساسنة، والمناذرة التي حكمها اللخميون العرب.

وارتبط اللخميون بمعركة ذي قار الشهيرة، التي شنوها، بالتعاون مع القبائل العربية ضد الفرس، وهزموها، اثر اختطاف كسرى إمبراطور الفرس للنعمان ابن المنذر، والتنكيل به، بطريقة بشعة تحدثت عنها المراجع التاريخية، عندما تم تمديد النعمان على الأرض وجعل الفيلة تسير على جسده، مما أثار المناذرة وبرز دور ابنته هند، والشاعر النابغة، اللذين جمعا القبائل لخوض المعركة ضد الفرس، وبعد الانتصار العربي البدوي على إمبراطورية الكياسرة الفرس، أوفت هند بنذر قطعته على نفسها واختارت حياة الرهبنة، وبنت أديرة أصبحت شهيرة في العراق.

وحسب الباحث نيروز، فان جوانب من التاريخ المسيحي العربي لم يكشف عنه بما فيه الكفاية، مثل ما يتعلق بدولة تدمر، ودولة الأنباط في البتراء، وقرطاجة. ويقول “في عام 272م أرسلت روما قائدا عسكريا قويا اسمه اوروليان لمعاقبة هذه الدول، فدمر قرطاجة، ووصل إلى البتراء وتمكن بعد عناء شديد، وبخطة قطع المياه عن أهلها من التغلب عليهم، ثم واصل إلى تدمر وتمكن من ملكها أذينة، فتسلمت زوجته زينب أو زنوبيا مكانه، واسرها وقادها إلى روما، ولكنها انتحرت قبل أن يدخلها إلى العاصمة الرومانية كإحدى غنائمه”.

ويضيف “الان نتساءل لماذا أراد اورليان تدمير هذه الدويلات العربية؟ الرومان يقولون بأنها عصت أوامر روما، ولكننا يمكننا أن نجد أجوبة أخرى، من خلال آثار الكاتدرائيات والكنائس الكثيرة جدا التي ما زالت بقاياها موجودة في قرطاجة، والبتراء، وتدمر، وهذا يعني أنها كانت حاضنة للمسيحيين الذين اضطهدهم الرومان، وكل مسيحي كان يشعر بالاضطهاد يهرب إلى شرقنا، وتم ذلك خلال القرون الميلادية الثلاثة الأولى، لقد كان الاضطهاد هناك في الغرب، وليس هنا في الشرق”.

ويظهر نيروز انحيازا لمواقف المسيحيين العرب أبان الغزوات الغربية التي عرفت باسم الحروب الصليبية، قائلا بأنه من ضمن الفيالق الأربعة في جيش صلاح الدين الأيوبي، مثلا كان هناك فيلقا بقيادة عيسى العوام، يضم مسيحيين عربا، معظمهم من السريان، وله مساهمة بارزة في مقارعة الفرنجة. ويؤكد نيروز “موقف المسيحيين العرب من حروب الفرنجة كان واضحا، ولتأكيد المسلمين والمسيحيين سكان فلسطين على عروبتهم خلال هذه الحروب، فانهم عززوا من استخدام اللغة العربية بينهم، في مواجهة الاستعمار الإفرنجي وسياساته، رغم أن اللغة التي كانت سائدة بينهم آنذاك هي الآرامية، ولكن فيما يشكل تحديا للاستعمار الغربي، توسعوا في استخدام اللغة العربية حتى أصبحت اللغة الرئيسية حتى الان”.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2007/12/291189.htm





ساحة المغامرة والأساطير ودرب من مروا الى السماء

24 12 2007

تحتضن ساحة المهد في مدينة بيت لحم الزاخرة بالرموز، احتفالات أعياد الميلاد هذا العام، التي تبدو فيها المدينة مختلفة عن الأعوام السابقة، بسبب رغبات محلية ودولية لإبراز هذه الأعياد. وتقع الساحة بين كنيسة المهد، التي ولد السيد المسيح، في أحد مغارها، وفي المقابل يقع مسجد عمر بن الخطاب، وهو أحد المساجد الكثيرة الموجودة في فلسطين ويطلق عليها المساجد العمرية، نسبة إلى الخليفة الإسلامي الراشدي الثاني الذي تسلم مفاتيح مدينة القدس سلما لدى فتحها من قبل العرب، ورفض أن يصلي في كنيسة القيامة، وصلى خارجها في المكان الذي يعرف باسم مسجد عمر.وتنتشر المساجد العمرية في فلسطين بالقرب من الكنائس، كرمز على ما يطلق عليه الفلسطينيون الإخاء الإسلامي-المسيحي، الذي تجسد كما يقولون في العهدة العمرية، التي منحها عمر بن الخطاب لمسيحيي فلسطين.ويعلق مسلمون ومسيحيون نسخا من هذه الوثيقة في منازلهم ومحلاتهم وكنائسهم ومساجدهم، وبالنسبة إلى زائري بيت لحم فإن وجود كنيسة المهد ومسجد عمر المقابل لها، يثير بعض المشاعر الرمزية والعاطفية.

وفي بداية تأسيس السلطة الفلسطينية، أقام رئيسها الراحل ياسر عرفات، في القسم المخصص للروم الأرثوذكس في كنيسة المهد، وكان يقطع الساحة ليؤدي الصلاة في مسجد عمر، ويؤدي رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس (أبو مازن) الصلاة في مسجد عمر، قبل أن يتوجه إلى كنيسة المهد لحضور قداس منتصف الليل الذي ينقل في بث مباشر لأنحاء العالم.

وتعتبر الساحة هي مركز البلدة القديمة في بيت لحم، الزاخرة بالتاريخ، وهي مقامة على ارث هائل من الآثار التي تركتها الحضارات والشعوب المختلفة التي مرت على فلسطين، وكانت تظهر بقاياها لدى أعمال ترميم الساحة الذي تم مرارا وتكرارا.

واخر ترميم لها، كان عشية الألفية الثانية لميلاد المسيح، حيث دعمت الدول المانحة بسخاء مشروعا لإعادة تأهيل ساحة المهد، التي تزيد مساحتها عن خمسة دونمات (الدونم 100 متر مربع)، تحضيرا لاحتفالات الألفية، ولكن بدلا من الاحتفال اندلعت موجة عنف دموية أطلق عليها انتفاضة الأقصى، وسقط في الساحة العديد من الفلسطينيين ومن ضمنهم عدد من الأطفال، وفي مرحلة لاحقة احتل الإسرائيليون الساحة وحاصروا كنيسة المهد اكثر من أربعين يوما.

والترميم الأخير للساحة، من تصميم مهندس سويدي فاز في مسابقة عالمية لهذه الغاية، ونفذها مقاولون محليون.وبموجب التصميم تم تبليط الساحة بحجر اصفر مستخرج من محاجر في صحراء النقب، جنوب فلسطين التاريخية.وتم تشكيل الحجر على يد مهنيين معروفين باسم (الدقاقون) حيث شكلوا النقشة المعروفة باسم (دقة نقر) على الحجر، و هي دقة مشهورة في فلسطين وتستعمل خصوصا في نابلس، ولأنها “دقة قديمة”، تمت الاستعانة بمهنيين قدامى دربوا آخرين وتم في النهاية وضع التشكيل على الحجر.

وتم اختيار المواد المستعملة في الساحة لكي تعمر طويلا طويلا جدا، مثل حديد السكب لحماية الأشجار المزروعة في الساحة، وكذلك خشب (التيك) للمقاعد في الساحة فهو خشب مشهور ومكفول لمدة مئة عام، واستورد هذا الخشب خصيصا من تايلند وتم تنفيذ المقاعد في فلسطين على يد نجارين محليين وفق تصميمات خاصة روعي فيها مثلا عدم بروز أي برغي خشية العبث، وثبتت المقاعد بالأرض حتى لا يتم تحريكها.

أما اللمبات الكهربائية على الأعمدة فاستوردت من السويد وتنبعث منها إضاءة “رومانتيكية”، وتختلف عن نظام إضاءة الساحة أثناء الاحتفالات.
ولسبب ما اختار المصمم السويدي شجر الجميز ليزرع في الساحة، وليس الزيتون وهو رمز فلسطيني شهير، وتمت زراعة هذه الأشجار خصيصا في إسرائيل للمشروع وتم جلبها للساحة.

ويعتقد البعض أن المهندس السويدي اختار شجر الجميز لانه دائم الخضرة، ولانه يكبر ويرتفع، وكي تحجب هذه الأشجار منظر العمارات المجاورة عن الساحة، ولارتباط الجميز بقصص بعض الأنبياء في الكتاب المقدس ولكن بعد سبع سنوات لم تكبر هذه الأشجار وليست دائمة الاخضرار. وتم وضع تشكيلات من الحجارة الكبيرة والمنفذة بعناية في أرجاء الساحة بينما يقطر منها الماء، ورغم المنظر الجمالي لها إلا أن أحدا لا يعرف الغاية التي جعلت المصمم السويدي يدرجها في التصميم.

وتم إغلاق الطرق المؤدية إلى الساحة بأعمدة متحركة، وهناك طريق جانبي يحيط بالساحة تنتصب على جانبيه الأعمدة الصغيرة وهو مخصص لمرور المواكب الرسمية، واستخدم خلال الفترة الماضية لغايات تتعلق بالاحتفالات الدينية وحضور عرفات وأبو مازن احتفالات أعياد الميلاد الأخيرة. وبجانب الساحة ارتفع مبنى كبير هو مركز السلام الذي بني مكان مركز الشرطة القديم والذي كان يشوه الساحة، وان كان مبنى السلام ذو تصميم جميل إلا أن عدم وجوده كان سيوسع الساحة ويجعلها تشرف على فضاءات مفتوحة تمتد إلى الجبال المحيطة.

يقول المهندس سلام هلال الذي شارك في تنفيذ مشروع الساحة “قيمة الساحة مثل أية ساحة في العالم في مراكز المدن، حيث تنتشر المقاهي و المطاعم، بالإضافة إلى القيمة الدينية، وذلك باستيعابها لاحتفالات الميلاد”.

و يلاحظ سلام، في حديثه لايلاف أن نقطة ضعف المشروع هو عدم وجود خطة أو إجراءات لإحياء الساحة، فالمحلات الموجودة تغلق أبوابها مبكرا، وهو ما يؤثر بالتأكيد في حركة النشاط في الساحة، ويقارن مثلا مع ساحة شهيرة هي ساحة روما، حيث يمنع أي محل من أن يغلق قبل الحادية عشرة ليلا وإذا لم يلتزم تسحب رخصته.

ولم يهنأ الفلسطينيون كثيرا بساحتهم بعد إعادة تأهيلها، بسبب الانتفاضة وإجراءات الاحتلال، ولكنهم يحاولون هذا العام إعادة مجدها الغابر كما يقولون، لانهم يعتبرونها اشهر ساحة في العالم كونها تقع في ما يسمونها عاصمة المسيحيين لارتباط المدينة بحادثة ميلاد طفل المغارة، الذي حملت رسالته إلهاما لمليارات من البشر على مدى القرون الماضية.

في هذه الساحة، ثار الفلسطينيون ضد الرومان، وولد المسيح وجاب المدن مدافعا عن المظلومين والفقراء، وهنا أريقت دماء الفاتحين والغزاة، وهنا توج ملوك وانهزم ملوك وقادة، وهنا صلى عمر بن الخطاب، في مغامرة العرب الكبرى خارج الجزيرة، ومن هنا مر الأبطال والغزاة والأفاقون والرحالة والغرباء.

ومن هنا مر النبي العربي-ص- ليحيي مهد المسيح عليه السلام، في طريقه إلى القدس، في رحلة الصعود إلى السماء. كانت هذه الساحة ساحة البطولة والمغامرة والأساطير، ودرب من مروا إلى السماء، ويحتاج الفلسطينيون إلى وقت ليس بالقليل لإعادة الاعتبار إليها.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2007/12/290443.htm





بانكسي في شباك الفلسطينيين

24 12 2007

كيف ينظر الفلسطينيون إلى بعض أنواع الفنون؟، مثل الجداريات، سؤال أعيد طرحه، بعد إقدام مجهولين على طمس جداريات لرسام عالمي مشهور، أنجزها في فلسطين، خصوصا على الجدار الاستيطاني العازل الذي تبنيه حكومة الاحتلال في الأراضي المحتلة عام 1967.

وعمد هؤلاء، على طمس جداريات للفنان الغرافيتي العالمي المؤيد للحقوق الفلسطينية روبرت بانكسي، رأوا أنها مسيئة لهم.
ومن الجداريات التي تم تغطيتها جدارية تمثل جنديا صهيونيا يدقق في بطاقة هوية لحمار، ولوحة تمثل فأرا يحمل مقلاعا ويستعد لقذف الحجارة.

ورأى بعض الفلسطينيين في لوحة الجندي والحمار، بأنها تمثل إهانة للإنسان الفلسطيني، بتصويره حمارا، ولكن بعض المثقفين، رأوا أنها تشير إلى فداحة الوضع الذي وصل إليه الفلسطينيون، وان الجدارية غير مسيئة أبدا للفلسطينيين.

أما بالنسبة للفأر الحامل للمقلاع، فان بانكسي يعتمد الفأر والقرد في رسوماته الجدارية كتعبير عن الشعوب المقهورة والمضطهدة وهو ما قصده على الأرجح باللوحة التي رسمها على الجدار العازل في فلسطين.

ورغم أن جداريات بانكسي تعتبر مستفزة ونارية، وهو ما يميز الفن الغرافيتي بشكل عام، إلا انه لم يتصور أحد أن يقدم مجهولون على تشويه لوحاته بتغطيتها بطبقات من الدهانات لإخفاء معالمها تماما.
وأثار هذا العمل ردود فعل لدى محبي بانكسي من الفلسطينيين، وكذلك لدى وسائل الإعلام العالمية، ولم تعلن أية جهة فلسطينية مسؤوليتها عن إزالة جداريات بانكسي، رغم أن ما حدث يعتبر مخططا له، وليس عملا انفعاليا، كما يرجح المتابعون هنا.

وقال عدنان صبح، الذي يرتبط بصداقات مع فناني جداريات مشهورين عالميا، أن ما حدث لرسومات بانكسي، يسيء للفلسطينيين.

وأشار إلى الاهتمام العالمي برسومات بانكسي المؤيدة للفلسطينيين، والمنددة بجدار الفصل الصهيوني، قائلا “لا يوجد ما يبرر ما حدث، خصوصا وان بانكسي لم يفكر مجرد التفكير بالإساءة للشعب الفلسطيني”.
وضاف “لو عرف الذين اقدموا على تشويه اللوحات مكانة بانكسي العالمية، وتأثير لوحاته المؤيدة لنا، لما اقدموا على فعلتهم”.

أما يوسف الشرقاوي، المتحمس لرسومات بانكسي، فندد بما حدث، ودعا إلى بذل كل الجهود للمحافظة على ما تبقى من جداريات بانكسي، وقال “بدلا من تقديم الشكر والدعم لفنان يقف بجانبنا نفاجأ بجهات مجهولة تسيء لنا، بإقدامها على هذا العمل الأحمق”.

ويعتبر بانكسي، أحد اشهر فناني الجداريات الاحتجاجية في العالم، والذي يتخذ مواقف ضد العولمة، والسياسة الخارجية لدولته بريطانيا وللولايات المتحدة الأميركية.
ويتمتع بانكسي بشهرة عالمة، بسبب موهبته وآرائه وشخصيته التي تعتبر غامضة إلى حد كبير، حيث لا توجد له سيرة ذاتية معروفة، ولا يعطي مقابلات للصحافة، بل أن الصحافيين يطاردونه، وهو دائم الهرب منهم، ولا توجد له صور فوتوغرافية.
وكان بانكسي رسم جداريات منددة بالجدار الفاصل، على مقاطع من هذا الجدار، في عام 2005، وفي الشهر الماضي، عاد مجددا إلى فلسطين، ليفاجئ العالم بجدارياته الجديدة، ومنها ما يصور الجندي الصهيوني بالمرتزق الذي يعمل من اجل الدولارات، ورسم فتاة فلسطينية صغيرة، وهي تجبر جندي صهيوني على الوقوف ووجه إلى الحائط لتفتيشه، ورسم جدارية كبيرة تمثل ثورين ضخمين، واحدا أسود، وآخر ابيض، يسيران كل في اتجاه، محملين برموز لا تخفي على أحد، فالثور الأبيض محملا برموز فلسطينية مثل الجوامع والكنائس، بينما الثور الأسود فيحمل رموزا يهودية، في حين أن ذنبيهما متشابكين، وهو ما رأى فيها بعض الفلسطينيين تعبيرا عن الإسرائيليين والفلسطينيين، ومساواة بينهما في التسبب بعدم إنهاء الصراع، ومن الجداريات المميزة تلك التي تمثل جملا ضخما اسود اللون، يسير حاملا جملين صغيرين، بينما يحاول الجنود الذين يظهرون صغارا جدا، تسلق قدميه للوصول إلى الجملين الصغيرين المحمولين على سنامه، ولكن الجمل يواصل المسير.
 وبمناسبة أعياد الميلاد، رسم بانكسي جدارية تمثل جدرانا صهيونية دائرية مغلقة، خارجها بقايا أشجار تم اقتلاعها لبناء هذه الجدران، وداخلها بقيت شجرة نمت لتصبح شجرة عيد ميلاد كبيرة، وتحمل في قمتها نجمة الميلاد، ولتصبح أطول من الجدران الصهيونية التي يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار، والإشارة إلى هزيمة الجدار وبث الأمل واضحة وجلية.

وتمكن بانكسي من تثبيت دمية، على الجدار، تمثل رجل مواطن فلسطيني، وهي تخترق الجدار، وكذلك أنجز رسومات منددة بالسياسة الأميركية الداعمة للكيان الصهيوني، وبالرئيس الأميركي بوش، الذي صور رأسه على شكل جمجمة.

وتشير المعلومات القليلة المتوفرة عن بانكسي، انه من مواليد بلدة قريبة من مدينة ببريستول البريطانية عام 1974، وظهرت رسومه الاحتجاجية لأول مرة في عام 2003، على جدران مسقط رأسه، والعاصمة البريطانية لندن.

ويعرف بانكسي بعدة ألقاب، مثل “الفنان المراوغ”، و”فنان حرب العصابات” و”الفنان الغامض”، الذي يطارده الجمهور والصحافيون، والآن يطارده بعض من الذين يتضامن معهم، ويؤيد حقوقهم.





خربة المزار تواجه هار حوما

22 12 2007

لا تتوفر معلومات كثيرة عن خربة المزار، وتكاد تكون مجهولة حتى للساكنين بالقرب منها من المواطنين الفلسطينيين. وتواجه هذه الخربة الان، التي تعرضت للنهب من قبل المنقبين غير الشرعيين عن الآثار، خطرا اكبر، يأتي من الجهة الشمالية، حيث تقع مستوطنة هار حوما اليهودية، المقامة على جبل أبو غنيم. وتحتوي الخربة التي تقع على تلة مميزة، تطل على وادي الجمل، على بقايا تركتها الحضارات التي مرت عليها، مثل المغر، والأنفاق، والآبار، ومعاصر الزيتون، ويوجد فيها صهريج مياه كبير جدا محفور في الصخر، يمكن يعطي فكرة على حجم سكانها. وقبل سنوات كان فيها بقايا مسجد، ولكنه الان لا اثر له، بسبب هجوم العابثين في الآثار، ومن بقايا الحضارة الإسلامية ما زالت تتناثر في الخربة قطع من الفخار الملون. ومن حضارة الفلاح الفلسطيني القريبة، تقف منتصبة فيها بعض المناطير التي كان يستخدمها الفلاحون للإقامة فيها طوال اشهر الربيع والصيف بجانب مزروعاتهم. والان وبعد أن قررت حكومة الكيان الصهيوني بناء 307 وحدة سكنية في مستوطنة هار حوما، التي تتحول إلى مدينة استيطانية كبيرة ذات بنى تحتية متطورة، فان عيون الاحتلال الصهيوني تتجه نحو خربة المزار، لمصادرة أرضها لحساب المستوطنة اليهودية. وعلى الخربة الآن أن تواجه مصيرها لوحدها، في ظل حالة مؤلمة من الانقسام الفلسطيني، تجعل أسنان الجرافات الصهيونية تعمل بدون حتى أية نشاطات احتجاجية تنفذ في مواجهتها.

http://www.thaqafa.org/Main/default.aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx%2fVDUOFosl2XDWhLvx5ldjNHvOVUF16evG3gb6T1wJVUR%2fh0SGbsEZeScLEPubJrHiC5jcuarnG8tW9KfbunX3Nd7mrz8yP5u%2fhxQFETFaRSS3T3flM%3d





بانكسي في فلسطين

19 12 2007

فوجئ صاحب محل للتذكارات الدينية، يقع على مدخل للقدس، عندما فتح متجره صباحا، بوجود لوحة كبيرة مرسومة على حائط دكانه، تمثل حمامة ترتدي سترة واقية من الرصاص، يستعد قناص لقتلها.

ورغم أن المتجر يقع قبالة برج مراقبة إسرائيلي، عادة ما يطلق جنوده النار على السائرين دون رحمة، إلا أن الفنان تمكن من رسم جداريته تحت جنح الظلام، وفي مكان حساس أمنياً.

لم يكن ذلك الزائر الليلي سوى فنان الجداريات العالمي روبرت بانكسي، الذي ظهر في فلسطين برسومات جدارية عديدة تركها على جدار الفصل الاستيطاني الذي تبينه إسرائيل، وجدران منازل اللاجئين في المخيمات، وبعض المحال التجارية.

ويعتبر بانكسي الآن ابرز فنان جرافيتي عالمي. و«الجرافيتي» فن احتجاجي خادش ومعترض على السائد، ينفذ على الجدران وفي الأماكن العامة، من دون إذن مسبق. وغالبا ما يعرض الفنان نفسه، نتيجة لذلك، إلى ملاحقات قانونية في معظم الدول.

وأحاط روبرت بانكسي نفسه ببروباجاندا، أو ربما اسبغها عليه محبوه، جعلته رغم شهرته، من دون سيرة ذاتية معروفة. ويرجح أن يكون بانكسي من مواليد بريستول أو بلدة قريبة منها، عام 1974. ظهرت رسومه الاحتجاجية لاول مرة عام 2003، على جدران مسقط رأسه، والعاصمة البريطانية، وجعلت المتابعين يطرحون أسئلة لا تنتهي عن هوية هذا الفنان المعادي للحروب والهيمنة الرأسمالية، خاصة بعد أن صور الموناليزا على جدران لندن وهي تحمل قنبلة.

وتمكن بانكسي، بموهبته الطاغية أن يعيد الاعتبار لفن الجداريات. ولا يقتصر احتجاجه على السياسات الخارجية للدول الغربية، ولكن على ما يجري داخلها أيضاً.

وحافظ بانكسي على شروط فن الجرافيتي، بمفاجأته لمتابعيه، وتعريض نفسه لمخاطر العقاب بوضع رسومه في أماكن ممنوعة، وهروبه من الصحافة، وقدرته السريعة على الاختفاء. وهكذا تمكن من الرسم في الحدائق ومحطات القطارات دون إلقاء القبض عليه.

وفي عام 2005، ظهرت رسوم بانكسي على مقاطع من الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل، وكان ذلك مناسبة لكشف المزيد عن آرائه، وهو ما كان عبر عنه خصوصا في دول يعارض سياستها مثل بريطانيا والولايات المتحدة. وتمكن من التسلل إلى متاحف وأماكن مرموقة في هذه الدول، والخروج دون أن يلحظه أحد تاركا بصماته الاحتجاجية، والطريفة. وعندما اكتشفت إدارة المتحف البريطاني أن المتسلل الذي ترك لوحاته هو بانكسي، ضمتها إلى مقتنياته، ومنحته قناة «أي تي في» البريطانية، في مايو الماضي، جائزة أعظم فنان يعيش في بريطانيا. لكن بانكسي لم يحضر لتسلم جائزته.

واغدق عليه محبوه، ومعظمهم من الشبان المتململين من الأمركة والعولمة عدة صفات مثل «الفنان المراوغ»، و«فنان حرب العصابات» و«الفنان الغامض». ومن اجل المحافظة على هذه الصفات، يستخدم أساليب تجعله يضع رسومه على الجدار ويترك المكان بسرعة، وهو ما فعله في فلسطين في شهر ديسمبر الجاري، في عودة جديدة مفاجئة إليها، ولكن هذه المرة بدا مصرا ان تكون اكثر لفتا للانتباه، وزخما.

وفي عمله الجديد في فلسطين، الذي يثير اهتمام متابعيه، اشتغل بانكسي بمساعدة اثنين، أحدهما فنان محلي، وشخص آخر مهمته التقاط الصور له، التي يوزعها بانكسي لنفسه ولا يظهر فيها وجهه أبدا.

وبعد تحقيق قامت به «الشرق الأوسط» تبين أن الخطوة الأولى في رسم الجدارية بالنسبة لبانكسي، هي تحضير الأرضية بلون معين، ويتم ذلك سريعا جداً تفادياً لضبطه، ثم يضع على الحائط كرتونة وضع عليها رسمته مسبقاً وفرغها، ويبدأ برش الألوان عليها، وبعد أن ينتهي، يكمل وضع الألوان بعد أن يزيل الكرتونة المفرغة عن الجدار، ويتوارى عن الأنظار.

ويتلقى محبو بانكسي في أنحاء العالم أخبار جدارياته، من خلال مدونات الإنترنت، في حين يواصل الرجل هروبه من الصحافيين ومطاردتهم له. وتظهر الرسوم الضخمة التي تركها على جدران الفصل العنصري، موهبة فريدة، وتؤكد بأن خلف لوحاته البسيطة، عملاً تخطيطياً كبيراً.

ومن الجداريات التي وضعها في اكثر من مكان صورة تلميذة فلسطينية، توقف جندياً إسرائيلياً ووجهه على الحائط، ثم تأخذ بتفتيشه.

أثارت هذه نقاشا بين الفلسطينيين، واعتبرها البعض مسيئة، مثل أبو عزيز، تاجر الخضار الذي رسم بانكسي اللوحة على جدار محله، وهو يقول: «تظهر هذه اللوحة ان تلاميذنا إرهابيون». وليست هذه الجدارية الوحيدة التي أغضبت الفلسطينيين، ففي أخرى يظهر جندي إسرائيلي وهو يدقق في هوية حمار ضخم اسود، مما اعتبرها البعض توصيفا للفلسطينيين بأنهم يهانون كالحمير على يد الجيش الإسرائيلي. وهو أمر واقعي، لكن المدهش أن الجدارية نكأت جروحا نائمة.

ربما تزعج هذه التفسيرات المراوغ بانكسي، وقد يكون قاصدا الاستفزاز وإثارة النقاش. فإحدى اكبر الجداريات التي رسمها في فلسطين، وتمثل ثورين كبيرين، احدهما اسود، وآخر ابيض، يسيران كل في اتجاه، وذنبيهما متشابكان، رأى فيها بعض الفلسطينيين تعبيرا عن مساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في التسبب بعدم إنهاء الصراع. لكن ليست جميع أعمال الفنان مراوغة، فعلى بوابة الجدار جنوب القدس، رسم جدارية كبيرة تصور الجندي الإسرائيلي كمرتزق يعمل لاجل الدولارات.

وتثير اللوحة فضلا عن مغزاها المريح بالنسبة للفلسطينيين، أسئلة أخرى حول جرأة بانكسي وخفة يده، التي مكنته من الوصول إلى البوابة، وترك رسمته، وكأنه أحد المقاومين الفلسطينيين، الذين ينفذون عمليات ضد أهداف عسكرية إسرائيلية شديدة التحصين.

وتمكن بانكسي أن يجد ثقوبا في الجدار، لكي يثبت فيها ما يرمز لقدم فتى فلسطيني ممدودة، تبدو وكأنها تخترق الجدار. وبدا موقفه واضحا اكثر من السياسة الأميركية حين رسم بوش في اكثر من موقع على جدار الفصل، برأس يشبه الجمجمة، وقبعة مهرج متطاولة، وهو يحمل سلاحا للقتل.

هذه اللوحة جزء من أعمال أخرى تسخر من السياسة الأميركية، تظهر أطفالا، يبدون اشمئزازهم من رموز أميركية، مثل الصواريخ، التي يحولونها إلى دمى ويطلقون بدلا منها حمامات السلام.

ورسم أطفالا فلسطينيين، يحدثون فجوة في الجدار، مبشرا بتدميره، وفتاة فلسطينية جميلة، تخرج حمامات السلام من عينيها، ووضع سلما على الجدار كأنه يدعو الفلسطينيين إلى تسلقه وعدم الاستكانة إلى هذا الأسمنت المرتفع الذي يحاول صانعوه منع الشمس والهواء عنهم.

واستخدم بانكسي أحد رموزه الشهيرة وهو الفأر كرمز للمستضعفين، ليعلن تعاطفه مع الأولاد الفلسطينيين. فرسم لوحة لفأر يحمل مقلاعا ويستعد للمواجهة. وهي لوحة أغضبت الفلسطينيين ايضا لدلالات الفأر غير المريحة في الثقافة العربية.

وعشية الميلاد، رسم بانكسي جدرانا إسرائيلية دائرية مغلقة، خارجها بقايا أشجار تم اقتلاعها، وداخلها نمت شجرة عيد ميلاد كبيرة، تحمل في قمتها نجمة، لتصبح أطول من الجدران الإسرائيلية التي يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار. إشارة إلى هزيمة الجدار وبث الأمل.

وبينما ينشغل المتابعون لبانكسي، بجدارياته الجديدة، ينتظرون بفارغ الصبر مكان ظهوره المستقبلي المفاجىء.

http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&issue=10613&article=450323