ليس لدى الاسبانيات أحذية وإنما أغان للحرية

26 12 2008

216

لو أراد العرب دليلا حيا على وجودهم لعدة قرون في أسبانيا، غير القصور الحجرية الفخمة، لما وجدوا أفضل من الفنانة (كريستينا دي فالي)، ذات الملامح الشرقية السمراء والتقاطيع الاندلسية.

و(فالي) مغنية معروفة في بلادها وللنطاقين باللغة الأسبانية وفي أنحاء مختلفة من العام، وبسبب مكانتها الفنية وشهرتها اختارتها الأمم المتحدة لتكون سفيرة للنوايا الحسنة لديها.

ولفالي، أيضا نشاط سياسي واجتماعي، فهي رئيسة مؤسسة الفنانات المناهضات للعنف في أسبانيا، وترأس الان وفدا مكون من نحو200 من الفنانين والكتاب والرسامين المعروفين في أسبانيا، وصل إلى فلسطين، في مهمة ثقافية-تضامنية مع الشعب الفلسطيني، بمناسبة عيد الميلاد المجيد وفقا للتقويم الغربي.

وقدمت كريستينا، على مسرح ساحة المهد عددا من أغانيها، التي قوبلت بتشجيع جمهور محلي وأجنبي انتظر وسط البرد القارس، صعودها على المسرح.

وكانت فقرة كريستينا الأبرز من الفقرات التي قدمتها المجموعة الاسبانية لجمهور عيد الميلاد، الذي استقبل المجموعة بحفاوة كبيرة.

وقدمت ممثلات اسبانيات، مقاطع من شعر محمود درويش خصوصا من قصيدته (أرى ما أريد)، مصحوبة بالنص العربي.

وعزفت فتيات من المجموعة على القرب، وهن يرتدن اللباس التقليدي لبلادهن، وكن عزفن ولأول مرة خلف البطريرك فؤاد الطوال، لدى دخوله إلى ساحة المهد، وعزفن يوم الثلاثاء أمام حاجز عسكري في البلدة القديمة بمدينة الخليل، تضامنا مع أهلها الذين يعانون من إجراءات الاحتلال والمستوطنين.

وتخلل العرض، بيان تلي بالعربية، يعبر عن موقف المجموعة من القضية الفلسطينية، ومن معاناة الشعب الفلسطيني خصوصا النساء.

وأعلنت المجموعة وقوفها مع شعبنا ضد الاحتلال، وفي إشارة إلى الحذاء الذي رشقه الصحافي العراقي منتظر الزيدي للرئيس الأميركي جورج بوش، أعلنت المجموعة في بيانها “ليس لدينا قنابل أو أسلحة أو أحذية إنما نملك صوتنا نرفعه عاليا تضامنا مع الشعب الفلسطيني”.

وهذه المرة الثانية التي تقدم فيها المجموعة عرضا فنيا كبيرا في ساحة المهد، ففي يوم 24-12-2006، قدمت المجموعة (سيمفونية النساء من اجل السلام في فلسطين)، شاركت فيه مغنيات شهيرات مثل كارمن باريس، وميرسيدس فيرر، ومارينا روسيل، وممثلات مثل بيس كالديرون، وماريا سان، وروت جابريلل وغيرهن، بالإضافة إلى كاتبات ورسامات، ومخرجين وفني إضاءة وآخرين، وتم التحضير لذلك العمل مدة 3 أشهر متواصلة.

ويكاد الوضع الفلسطيني لا يختلف كثيرا بين العرض الذي قدمته المجموعة عام 2006 وهذا العام، ففي المرة الأولى، كانت الأجواء ملبدة باقتتال بين حركتي فتح وحماس، وحينها قالت لي كريستينا “ما حدث في قطاع غزة من اقتتال آلم أعضاء الوفد، لأننا نعتبر أنفسنا جزءا من الشعب الفلسطيني، ولكنه لم يؤثر على قرار القدوم إلى فلسطين وتقديم العمل الفني الثقافي”.

 أما الان، فالاقتتال توسع، وأصبح انفصالا وانقطاعا، ولكنه لم يؤثر على بوصلة كريستينا ورفيقاتها ورفاقها الذين هتفوا من اجل “الشعب الفلسطيني ودعما لحقه في العودة إلى دياره التي هجر منها وإقامة دولته المستقلة”.

وقبل عامين حملت كريستينا ومجموعتها وثيقة سياسية أسمتها (خارطة الطريق النسائية من اجل السلام)، في مشاكسة لخارطة الطريق الأميركية، فالخارطة “الكريستينية” تدعو لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود حزيران (يونيو) 1967، وإزالة المستوطنات وعودة اللاجئين، أما في هذا العام ففضلت المجموعة التعبير عن موقفها من خلال بيان مقتضب مليء بالدلالات ووضوح الموقف.

وكما حدث قبل عامين، اصعدت كريستينا ووفدها، إلى المسرح لترفع صوتها عاليا في سماء بيت لحم، منتصرة للحرية والجمال والعدل، في يوم مولد رسول المحبة والسلام.

Advertisements




فردتان في وجه الامبراطور

18 12 2008

214

انتمي لشعب، وطات أقدام الفاتحين والمحتلين رقابه، على الأقل منذ اكثر من سبعة آلاف عام..

قريتي (عزيقة) تغير اسمها مرات لا اعرف عددها، هذه المدينة الحصينة في السهل الساحلي الفلسطيني، أصبحت في فترة ما من العصر البيزنطي بيت زكريا، ولدى العرب، الذين خاضوا بقربها معركة اجنادين الحاسمة، زكريا البطيخ، ثم زكريا، وفي العصر الإسرائيلي الجديد من أسمائها زخاريا.

رمسيس الرابع وقبله وبعده من فراعنة قادوا حملات تأديبية ضدها، وسنحاريب دمر أسوارها وأبراجها “الممتدة نحو السماء”، بشكل لا يمكن تصوره إلا من خلال البقايا الأثرية في الموقع، وسبى ناسها، وتظهر المكتشفات الأثرية (التي كشف عنها أولا عالم الآثار يارد) في العراق، هؤلاء مع أسرى لاخيش (تل الدوير) مدينة السهل الساحلي البهية، يمرون في حالة ذل أمام الإمبراطور العظيم.

في كل هذه الغزوات حاول اليهوذيون سكان عزيقة ومرتفعات السهل الساحلي المقاومة، وليس ابرز من ذلك ما اكتشف في لخيش من إشارة يبدو أنها الأخيرة تم تبادلها بين غرفتي عمليات المقاومة في عزيقة ولاخيش قبل الدمار الأخير.

تشي الرقاقة التي يبدو أنها موجهة لقائد المقاومة في لاخيش من برج مراقبة متقدم، بالإحساس المقبل بالدمار النهائي “قل لسيدي بأننا نترقب إشارات لاخيش، طبقا لكل الإشارات التي أعطاها سيدي، لأننا لا نرى عزيقة”

كانت عزيقة تحرق هذه المرة على يد البابليين، ولتكون مع لاخيش أخر مدينتين في السهل الساحلي تصمدان في وجه الدمار البابلي النهائي.

هؤلاء الذين اكتشفوا التوحيد، ضمن عملية طويلة ومعقدة (ففي عزيقة عثر على أحد النصوص المثيرة التي تربط الإله يهوذا بالآلهة عشتار العارية)، قدر لهم أن يخطوا فيما بعد الكتاب الأكثر تأثيرا في تشكيل وجدان العالم القديم والحديث.

الثورات لم تتوقف في العصر الروماني، وقاد أباطرة روما بأنفسهم عمليات تأديب كبيرة، اشهرها هدم مدينة القدس، وبناء ايليا كابتلوينا، التي وصلها العرب في العصر البيزنطي وهم يسمونها (ايلياء).

وفي العهد الجديد دفعت عزيقة ثمنا لا يمكن أبدا معرفة مدى فداحته، الا من خلال البقايا الفسيفسائية البيزنطية الباقية من كنيسة زكريا، بالغة الاهمية، كما تظهر في خارطة مادبا الفسيفسائية، والتي اقيم عليها مقام ومسجد النبي زكريا.

يمكن تقدير ان التحول الذي حدث، من الديانة المسيحية الى الاسلام القوي الجديد، لم يكن ان يتم بـ “سلاسة”، مع سيطرة الارستقراطية القرشية، و”اختفاء” سكان عزيقة، ليظهر فيها اناس “جدد”.

لم يرفع الحذاء ابدا عن رقاب شعبي: الامويون، الذين حولوا القدس غرفة عمليات لمؤامرتهم على الخليفة الشرعي ارتكبوا المجارز، وقمعوا التمردات، والعباسيون ذبحوا الامويين، ولو كانت مياه نهر العوجا تنطق لتحدثت عما جرى، وكرت السبحة، سقطت القدس، في يد الصليبيين، من الحامية الفاطمية المتهالكة، وذبحوا 100 الف فلسطيني (وفقا للمصادر الصليبية)، ولا اعرف اذا مارسوا طقس اكل لحوم البشر، كما فعلوا في المعرة مثلا، او حتى فيما بينهم اما لا.

ولا اعرف كم واحد من عائلتي، حشر مع المحاصرين في القدس، وسالت دمائه، هذه المرة باسم الصليب، واستمرت انهر الدماء مع كل غاز وفاتح ومحتل وعميل اقليمي يحكم من مصر او دمشق لقوى كبرى.

ولا اعرف كم مرة كان على سكان عزيقة ان يغيروا دينهم، وسيكون من الصعب معرفة عدد الالهة التي عبدوها، او فرضت عليهم، ولكن كل ذلك لم يساعد ابدا على نهوضهم وتطورهم، فما ان دخل الجنرال اللنبي القدس قائلا “الان انتهت الان الحروب الصليبية”، حتى كان الناس منهكين مذلين اميين ينوئون بثقل تاريخهم الطويل الدموي: من حصار وغزو وسبي وقتل وحرق وتدمير واغتصاب نساء.

بعد كل ذلك هل تستكثرون علينا ان يرشق واحد منا، من هذا الشعب المذل المهان طول قرون، الامبراطور الاميركي بفرديتي حذائه.

وعندما حملنا السلاح، وصفنا بالارهابيين، وعندما فجرنا انفسنا، اصبحنا انتحاريين..

فردتان  في وجه الوالي، والعشار، والاغا، والباشا، والبيك، والرئيس، ومنظمات “الحرير”، والبصاص، ورئيس البلدية، والناطق الاعلامي، وعضو المكتب السياسي، والامين العام، والزعيم الملهم، والزعيم الرمز..

فردتان في وجه الزمن المائل..





الحذاء والعملاء

16 12 2008

212

المعارضون والمؤيدون لحذاء منتظر الزيدي، يستطيعون كتابة مواضيع ممتازة حوله، وقد فعل بالفعل كثيرون ذلك.

ولا اعتقد أنني أستطيع إضافة أي شيء جديد للموضوع، سوى ملاحظة عامة، وهي أن أي عمل يقدم عليه المحتلون (الواقع عليهم الاحتلال) مهما كان، ضد المحتلين (الذين يمارسون الاحتلال)، هو امر اخلاقي، بما لايقاس بما يفعله الاحتلال.

الاحتلال، أي احتلال، وكل احتلال، هو قمة الارهاب واللاخلاقية، ولم يات بوش لبغداد، كضيف، او مدعو، وانما ممثلا للاحتلال، وكمجرم حرب.

ومناقشة الامر، من قبل بعض المثقفين المقرفين العرب، ضمن مسالة قوانين وتقاليد الصحافة، والمؤتمرات الصحافية، والتصرفات الحضارية، هو امر مخجل.

ولا استطيع ان اصدق حتى الان، كيف يجرؤ مثقفون عرب ومن العراق، على اعلان تاييدهم للاحتلال الاميركي، ويعتبرون ذلك وجهة نظر، ويستمرون في تولي مناصب في وسائل الاعلام العربية، وهو ما يشير الى مدى تردي الواقع لذي وصل اليه العرب، فيرفع الزيدي رؤوسهم بحذائه.

من وجهة نظري ان أي مثقف او كاتب عربي يؤيد الاحتلال، أي احتلال، هو مجرد جاسوس وعميل.

اين هو الكاتب الفرنسي، والبريطاني، والروسي، الذين ايد الالمان مثلا، بل انه الى وقت ليس ببعيد، اصطفت كل الصحف البريطانية، خلف تاتشر في حربها ضد الارجنتين بخصوص جزر الفوكلاند، رغم ان المسالة كان فيها نظر كبير.





نكتة عمر عبد الرازق الاخيرة

16 12 2008

13 211

الدكتور عمر عبد الرازق، هو وزير المالية في حكومة حماس، حسب وسائل الاعلام، والحكومة العاشرة حسب تعبيره

يوم امس الاثنين، التقيت عبد الرازق، امام سجن عوفر، جاء حاملا اغراضه ليسلم نفسه، بعد ان تلقى اشعارا بان عليه قضاء خمسة اشهر اضافية في السجن بعد ان خرج بكفالة خلال العيد.

المشهد امام سجن عوفر بالغ العجائبية، حضرت حشود عديدة لاستقبال نحو 200 اسير، وافقت اسرائيل على الافراج عنهم، كبادرة حسن نية تجاه ابو مازن، رغم الاجواء الفرحة الا ان المؤسف ان حفل الاستقبال هذا تحول الى ما يشبه العرس الفئوي، فجميع المفرج عنهم هم من تنظيم معين، اما الاهازيج والاغاني التي رددها الحضور فكانت فئوية، وتحط من قدر حركة حماس، في موقف عادة ما كان يستدعي الشعارات الوحدوية.

انتظر عبد الرازق لساعات حتى تتم ترتيبات الافراج عن الاسرى، ليتمكن من الدخول الى معتقل عوفر، وحرص على الاتصال بمحاميه ليؤكد لادارة السجن انه وصل على الموعد.

في ظروف يعيش فيها المسؤولون الفلسطينيون،وطاة اجراءات الاحتلال، يتحولون الى اشخاص اخرين، غير ما كانوا عليه تحت اضواء السلطة الوهمية، وهذه الصفة الاخيرة من تعبيرهم، دردشت مع عبد الرازق واصر على ان يسجل دعوته لابي مازن ولـ “الاخوة في حماس” على اطلاق جميع المعتقلين السياسيين في سجون الطرفين، وقال “لا يعقل ان يطلق الاحتلال سراح اسرى ونقوم نحن باعتقالات، انه امر مشين”.

قبل دخوله الى السجن، وفي لحظات التوتر، تحضر عادة النكات وكان الموضوع هو الحدث الابرز رشق مجرم الحرب بوش بالحذاء، من قبل منتظر الزيدي..

قال عبد الرازق:

بالامس كنا نغير من محطة الى اخرى لنتابع حكاية الحذاء، ولنرى لعله اصاب بوش، اذا لم يحدث في المحطة التي نراها، فربما يكون الحذاء وصل في المحطة التالية.

قبلها كان حسام عز الدين، اراني جملة رسائل على هاتفه الخلوي وجميعها نكات على الحذاء، وقال بانه عمل منها قطعة اخبارية للفرنسية.

دخل عبد الرازق امامي ليخضع للتفتيش، ودخلت بعده، لاحضر جلسة محكمة لابني باسل استغرقت (5) دقائق فقط.

وصلت رام الله وكان الظلام قد حل، ورايت بان الحذاء سبقني اليها، وتم طبعه على التي شيرتات للتسويق، وجدت  علي خلف في رصيف مقهاه المفضل، تناولت القهوة معه، حدثني عن موضوع رياضي كتبته واعجبه كثيرا قال لي:

-احب ان اجلس خارج المقهى، كان عيد عمرو يقول لنجلس خارجا لنرى وجوه الناس..

قلت له:

-ستكون كارثة اذا عاش هؤلاء الناس ليلة اخرى تحت الاحتلال، هذا الاحتلال الذي لا تبدو له نهاية..!