مصير مقبرة بيت لحم الرومانية

23 05 2009

انتهت اعمال الحفريات في مقبرة بيت لحم الرومانية، التي كشف عنها في وقت سابق بالصدفة، وتبين ان للمقبرة ساحة امامية جميلة، الان بعد الانتهاء من العمل يبرز سؤال ما هو مصير هذه المقبرة التي لاقت اهتماما اعلاميا واسعا؟ هنا تقرير خاص بهندة عن المقبرة:

2

المعلومات حول مدينة بيت لحم الرومانية، متوفرة أكثر، من خلال الرواية غير الموثقة، حيث درجت العادة على أن الآثار التي يعثر عليها السكان، عندما يشرعون ببناء منازل جديدة، يخفونها أو يدمرونها، نتيجة سنوات طويلة من عدم الثقة مع الجهات المسؤولة وما أكثرها التي تتابعت على هذه المنطقة (منذ عام 1948: سلطة مصرية مؤقتة، العهد الاردني، الاحتلال الاسرائيلي، السلطة الفلسطينية)، والآن فان العثور على أي آثار سيكلف صاحب العقار مبالغ مالية، فدائرة الآثار تعمل وفقا للقانون الأردني الذي كان معمولا به في ستينات القرن الماضي، وبموجبه يتولى المالك دفع أجرة العمال، الذي يعملون باشراف دائرة الآثار في حفريات انقاذية، وغالبا ما يفضل الكثيرون عدم الابلاغ عن ما عثروا عليه، ويشيدون منازلهم على الطبقات الأثرية وما أكثرها في مدينة المهد.
وفي الأسبوع الماضي، كما يروي نبيل الخطيب، مدير دائرة الآثار في بيت لحم، حدث انهيار في ساحة أمام منزل يتم العمل به بالقرب من جامعة بيت لحم، دون الحصول على تصريح مسبق من دائرة الآثار، وكشف هذا الانهيار عن مقبرة تعود للعصر الروماني.
ويعمل الآن طاقم من دائرة الآثار في الموقع، للكشف عن المقبرة، التي يعتقد أنها ستقدم الكثير من المعلومات، بعد انتهاء الحفريات فيها، عن بيت لحم الرومانية، التي غطى الاهتمام بكنسية المهد التي شهدت ميلاد المسيح، على مواقع أثرية أخرى فيها ومحيطة بها وبمدينة القدس، وهي مواقع بالغة الأهمية.
والمكان الذي عثر فيه على المقبرة، يعطي فكرة عن تضاريس بيت لحم الرومانية خارج البلدة القديمة، التي تتميز بوجود المغارة التي عرفت باسم مغارة الميلاد، والتي خصصت لعبادة (ادونيس) من قبل الامبراطور الروماني ادريانوس، ووفقا للرواية المسيحية التقليدية، فان ادريانوس، ببنائه هياكل وثنية للعبادة في الأماكن التي قدسها المسيحيون الأوائل، قدم خدمة كبيرة لأتباع الديانة المسيحية، عندما حافظ على وجود هذه المواقع، ما سهل بناء الكنائس البيزنطية لاحقا عليها، بعد تبني المسيحية كديانة رسمية للامبراطورية.
الاثاري وائل حمامرة، مدير دائرة الآثار في أريحا والذي يشارك في الحفريات في المقبرة المكتشفة حديثا، تحدث لمراسلنا وهو يعمل داخلها “هذه مقبرة رومانية، تعرفنا عليها من خلال المعاظم التي عثرنا عليها فيها، وهي أربعة صناديق، اثنان منها تحمل زخارف نموذجية رومانية، تعود للقرنين الأول والثاني الميلاديين، وهذه الزخارف عبارة عن أشكال هندسية، ونباتية، والنباتية تتخذ أشكال ورود ذات ست بتلات، والأشكال الهندسية عبارة عن أفاريز وعليها زخارف متعددة، وتستخدم هذه المعاظم في عادات الدفن، فبعد تحلل جثة الشخص الميت بفترة معينة، تتم ازالة العظام المتحللة ووضعها في داخل المعاظم، لفتح المجال لدفن شخص جديد في حجرات الدفن”.
والمعاظم هي توابيت صغيرة الحجم، مصنوعة بعناية، والتي عثر عليها في هذه المقبرة مصنوعة من الحجر الكلسي اللين، وعثر على هذا النوع من المعاظم في مناطق أخرى من فلسطين، ومنها ما وصل الى تجار الآثار غير الشرعيين الذين يعرضونها للبيع، في ظل واقع امني معقد.
وربما تشير النقوش الزخرفية النموذجية، على اثنين من المعاظم التي عثر عليها، وخلو الاثنين الآخرين، منها، على مهمتها العملية، والى هوية أصحاب المقبرة الطبقية، الذين ربما كانوا من الطبقة الوسطى الرومانية، فهذه المعاظم تخلو من الرموز والنقوش المبهرة، التي ميزت بعض التوابيت التي عثر عليها في مناطق فلسطينية مختلفة وتعود للعصر الروماني، مثل مقبرة نابلس الغربية، ومقبرة عسكر على سفوح جبل عيبال في نابلس، وكذلك التوابيت الموجودة في المتحف الفلسطيني بالقدس، الذي يخضع لسيطرة اسرائيل وتطلق عليه اسم (متحف روكفلر) وتتميز بعض هذه التوابيت، بضخامتها، وبوجود نقوش عليها، تمثل قصصا حربية، وبعض الأساطير اليونانية والرومانية، بشكل بالغ الحرفية من قبل النحاتين.
ويشرح حمامرة طبيعة المقبرة المكتشفة قائلا انها “تتكون من مدخل يقع في الجهة الشمالية، وحجرة مركزية مساحتها 320سم *320سم، مدخلها ما زال مغلقا، وهذا يعني انه لم يدخلها احد من قبل، كالعابثين أو لصوص الآثار، وعلى الجهات الأخرى، حفرت حجرات الدفن، في كل جهة حفرتين، وطول كل حجرة نحو مترين وعرضها نحو 60سم، وارتفاعها ما بين 60-70سم، مجموع حجرات الدفن ست، ونظام الدفن هذا اشتهر في الفترة الرومانية، وقبل ذلك في الفترة الهلنستية”.
وأضاف حمامرة “نحن في مقبرة عائلية، دفن فيها رجال ونساء، حيث لم يكن هناك تمييز على أساس جنسي في مسألة الدفن في الفترة التي تعود لها المقبرة”.
ويرجح حمامرة أن المنطقة التي عثر فيها على المقبرة كانت “بشكل عام منطقة تضم مقابر في أثناء الفترة الرومانية، وعادة ما كانت هذه المقابر خارج مناطق السكن، هذا اكتشاف مهم، فالمعلومات عن بيت لحم تعود للفترة البيزنطية والفترات الاسلامية، ونأمل أن تعطينا هذه المقبرة معلومات عن طقوس الدفن وممارسات العادات الجنائزية خلال الفترة الرومانية”.
وأضاف حمامرة “بالنسبة لعلم الآثار، فان كل دليل مهما صغر مهم للاثاريين، اننا ننظر للآثار من جانب شمولي، علم الآثار يعطينا دلائل للمستوى المعيشي للناس، نحن نحتاج لمعلومات عن جميع طبقات الشعب، كل قبر روماني جديد نكتشفه نتوقع العثور فيه على دلائل أكثر عن الفترة الرومانية”.
وعن ابرز ما كشف في المقبرة بخلاف المعاظم، قال حمامرة وهو يمسح التراب بفرشاة عن ابريق فخاري عثر عليه وهو يتحدث لمراسلنا “نحن في بداية العمل، ومع ذلك عثرنا على أوان فخارية، واسرجة، وأباريق، والتي كانت تستخدم في الطقوس الجنائزية التي سادت في معظم الفترات التي سبقت الفترة الاسلامية”.
الاثاري محمد غياظة، مدير اثار الخليل الذي يشارك في الحفرية قال “أهمية هذا المدفن، هو اعطائنا دلائل جديدة عن طريقة الدفن، وجود المعاظم، وشكل المدفن، هو نمط موجود في منطقة القدس، وتحوي هذه المنطقة، قبور متصلة مع بعضها البعض”.
وأضاف “وجود المعاظم يشير الى ما نطلق عليه عملية الدفن الثنائي، التي استخدمت، في الفترة الرومانية، حين يتم تجميع العظام في المعاظم، بعد تحلل الجثث، وبالنسبة لحفرة الوسط أو الحجرة المركزية، فقد تكون أعمق من بقية القبور لعدة أسباب، أولا للمساعدة في عملية حفر حجرات الدفن، واعطاء الحفارين المجال للتحرك على الجوانب، وثانيا لمنع الماء من الدخول لحجرات الدفن، فاذا تسرب الماء فانه يتجمع في الحفرة الوسطى، وثالثا وضع المرفقات الجنائزية، وهذه المرفقات مختلفة حسب طبيعة العصر، فقد تكون مواد فخارية وأدوات زجاجية، وأدوات من العظم، وأيضا حسب طبيعة المدفن فاذا كان لعائلة، أو لاناث فيتم وضع أدوات التجميل والأساور، وفي مقابر الفترة البيزنطية، يتم وضع صلبان”.
وعن وظيفة بعض المواد التي عثر عليها مثل الأباريق قال غياظة “هذه الأباريق استخدمت للعطور والمراهم، التي كانت توضع في القبر للتغلب على الرائحة، أو كانوا يستخدمون العطر في داخلها لرشه على الجثث، أما بالنسبة للقدور فكانت تستخدم للطهي، أو جزء من المرفقات الخاصة بالميت، لاستخدامها، وفقا للاعتقاد في تناول أكله، في عالمه الجديد، واذا كانت الساحة كبيرة فانه تمارس فيها، بعض الطقوس الاحتفالية، كمرور أربعين يوما أو مرور عام على الوفاة ويمكن صنع ولائم داخل القبور”.
وحول الأشخاص الذين كانوا يبنون القبور يقول غياظة الذي يعد رسالة دكتوراه عن القبور القديمة في فلسطين “كان هناك أناس يمتهنون حرفة صناعة القبور، يعملون وفقا لتوجيهات مهندس يضع مخططا حسب طلب العائلة، ويأخذ بعين الاعتبار عدد أفرادها، وأمور أخرى تراها العائلة مهمة في مستقرها الأخير”.
وعن ما يتردد من وجود علامات تدل على القبور القديمة، تركها صانعوها قال غياظة “هناك علامات من هذا النوع، وكثيرا ما يعتمد ذلك على طبيعة القبر، ومدى أهميته لأناس تلك الفترة، وتحمل هذا العلامات مدلولات دينية، كالصلبان في العصر البيزنطي”.
وليس بعيدا عن هذه المقبرة، كان عثر في خريف 2006، بمحض الصدفة، عن مقطع من القناة الرومانية القديمة، التي كانت تنقل المياه عبرها الى القدس، وهو من أقدم المقاطع التي كشفت من القنوات المتعددة، والمتداخلة، والتي تعود لعهود مختلفة، التي نقلت المياه عبرها الى القدس، من ينابيع تقع جنوب بيت لحم، وفق نظام استمر العمل فيه نحو الفي عام وانتهى عام 1948 بسبب النكبة.
وتم الكشف، عندما بدأ أحد المواطنين العمل لتشيد بناء على أرضه، فنفذت دائرة الآثار، حفرية انقاذية في المكان، وتم خلالها الكشف عن 25 مترا من القناة، تعطي فكرة عن طبيعة النظام المائي الذي استخدم لنقل المياه الى القدس عبر مسافة طويلة.
وجزء من هذا القناة، مبني ومقصور، وجزء آخر محفور في الصخور، ويتضمن المقطع فتحات للتهوية، وحوض صغير، وجميعها ضمن أسلوب مائي يعتمد على مقاييس الارتفاع والضغط المحسوب بدقة، لضمان سيلان المياه.
وكشفت الحفرية عن قبور يعتقد أنها تعود للعصر البيزنطي، ويرجح، أن البيزنطيين، حفروا القبور في تلك المنطقة، دون أن تكون لديهم فكرة عن موقع القناة، فاصطدموا بها، في أثناء حفرهم، فلم يكملوا بناء المقبرة.
والكشف عن المقبرة الرومانية الجديدة، بالاضافة الى الكشف عن مقطع القناة الرومانية في السابق، من شانه تسليط الضوء على بيت لحم الرومانية، التي أهملت، بشكل مريع، بعد أن كٌتب تاريخ المدينة من قبل المنتصرين الجدد من بيزنطيين ومسلمين وصليبيين وغيرهم.

Advertisements




مقبرة بيت لحم الرومانية

6 05 2009

11 21

 31 العمل متواصل في المقبرة الرومانية التي اكتشفت في بيت لحم، والتي يمكن ان يقدم اكتشافها صورة عن جغرافية المدينة في العصر الروماني.