تغريبة عيسى ابن امونة

21 10 2008

لم انتبه الى ان 25 عاما مضت، 25 ربيعا، و25 شتاء، و25 مرة حضر فيها الخريف خجولا، بعد صيف فوار.

كيف تمر الاعوام هكذا؟ ولا تتوقف رافة بمقاوم، بانسان، منح نفسه لقضية عادلة.

هي الحياة اذن، لا تابه بنا، ولا تابه لصديقي عيسى عبد ربه.

في ذلك اليوم، قبل 25 عاما، وكانه حدث للتو، دخل عيسى الى غرفتي الصغيرة في المخيم، كواحد من شلة الصعاليك، وجلس على السرير الخرب، المحمول، على قطع من الطوب المكسر، مثلما يفعل دائما، ولكنه هذه المرة كان يحمل شيئا غريبا معه، اراد ان يقدمه هدية، ولم تكن هذه الهدية سوى لوحة تمثل السيدة العذراء، تحمل ابنها طفل المغارة، وعليهما هالات القداسة.

كم بدت تلك الهدية، التي لم تثر اهتمامي انذاك، غريبة، او هكذا، تبدو لي الان، ولم يكن لدى عيسى، قليل الكلام، أي شيء ليقوله، وعندما خرج مودعا، لم اكن اعرف بانها ستكون المرة الاخيرة التي اراه فيها.

قرر عيسى ان ينتقم لمقتل ابن عمه الطفل الصغير، الذي اخذه جنود الاحتلال، من امام المخيم، الى الجبل المقابل، وببساطة قتلوه.

حمل عيسى السلاح، وعاد الى قريته المحتلة، جنوب القدس، التي ذهب الجزء الاكبر منها، بتامر عربي في مفاوضات الهدنة، التي اعقبت حرب او مسرحية 1948، وسلمت الى العصابات الصهيونية، مع باقي قرى جنوب القدس، وهو ما تحدث عنه بتفصيل مؤلم عبد الله التل في مذكراته، ولكن “العرب لا يقراون، وان قروا لا يفهمون”، فليذهبوا الى الجحيم. وهذه الكلام بين هلالين ينسب، الى موشيه ديان، الذي تمكن بالمفاوضات في فندق الوردة البيضاء، في جزيرة رودس، ان ياخذ بالمفاوضات ما فشلت العصابات الصهيونية، على اغتصابه بقوة السلاح.

ولم يعش ديان الذي ضحك على العرب، الذين لا يفهمون في الخرائط، لكي يرى جرائم المفاوض الفلسطيني، في مسالة الخرائط ايضا، في اتفاق اوسلو وما تلاه، ولم يكن بحاجة الا لذلك ليثبت نظريته عن امة اقرا.

اما الجزء الاخر من قرية عيسى، فسلم هو الاخر، مع ما تبقى من القدس والضفة الغربية، في عام 1967. وفي حين يحتار البعض في تسمية ما جرى: نكبة، او هزيمة، فان الجميع يتجنبون وصفها باسمها الحقيقي: خيانة.

ذهب عيسى الى قريته، وقتل اول مستوطنين اثنين وجدهما يتنزهان في ارضه.

الان امضى عيسى 25 عاما في السجن، ذبلت خلالها امه امونة، واصيبت بجميع الامراض، في انتظار ان تراه حرا، وفي المرة الاخيرة التي رايتها تاتي الى اعتصام اهالي الاسرى، لم تكن قادرة على السير، اما عيسى فاصيب هو الاخر بشتى الامراض، وفي فترة اصبح مقيما في مستشفى سجن الرملة.

لماذا يتعين على مقاوم ان يظل في السجن 25 عاما؟ هل لدى الفصائل الفلسطينية، وهي تتبنى عمليات المقاومين، اية خطط للافراج عنهم؟ هل يجوز ترك مناضل في السجن يعيش كل يوم موتا بطيئا؟ ولماذا اصلا لم تتحرر فلسطين خلال 25 عاما؟ الم تكن تضحيات شعبها كفيلة بتحرير عشر دول؟ لو كانت هناك قيادة اخرى.

لماذا لم يتحول عيسى عبد ربه، الى رمز نضالي كبير؟ تهتف الشعوب العربية باسمه، وهو يستحق ذلك بالتاكيد، كم عربي خرج في الشوارع، واقسم بعدم العودة الى بيته حتى يتحرر عيسى؟ الا يستحق ذلك؟ هل فكرت الحكومة الفلسطينية في رام الله، وتلك في غزة، ان تدرج على جدول اعمال احدى جلساتها موضوع عيسى عبد ربه؟ واتخاذ ما يلزم لاطلاق سراحه الفوري؟

افكر احيانا، هل يشعر عيسى بالندم لما فعله؟ من اجل من فعل ما فعله؟ هل يعرف بالخطباء على منابر الاحتفالات، الذين يرددون اسمه، في خطابات غريبة عجيبة، ويوجهون له التحية، في حين انهم يحتفلون بانفسهم، ومكاسبهم الصغيرة المبتذلة؟

كم 25 عاما يمكن ان يعيشها الانسان؟ لقد امضى عيسى اكثر من نصف عمره في السجون، والسنوات التي عاشها في الخارج، طليقا، اقل بكثير من التي عاشها داخل السجن.

عيسى..نموذج لاجيال فلسطينية ولدت ونشات في ظل الاحتلال، دون ان تلوح اية بارقة امل بانهائه، هل هذه هي الحياة؟ هل كتب على عيسى وجيله ان يعيشوا اما في سجن صغير او سجن كبير داخل الوطن؟ هل قدرهم ان يبتلون بقيادات متقاتلة، وضيعة، غبية، اضاعت حتى بصيص الامل، الذي عاش من اجله عيسى.

منذ 25 عاما، لم ار عيسى، والان فان ابني باسل، الذي ولد بعد عشر سنوات من اعتقال عيسى، اصبح معتقلا في سجن الرملة، وربما تسنح له الفرصة لرؤية عيسى.

هل سيعيش باسل قصة عيسى من جديد؟

أي ثمن هذا الذي يتوجب دفعه؟ ومن اجل من؟ كم فلسطينيا، سمع بعيسى عبد ربه؟ وكم منهم يعبا به وبالعمة امونة؟