شهادة صحافي في الانتفاضة

8 10 2008

(1)

كانت رائحة الدم المختلط مع التراب تزكم الأنوف, بينما كانت إحدى القطط, غير عابئة بحركة المواطنين, تضع قطعة صغيرة من اللحم في فمها و تركض بها إلى الحقول المجاورة لتنضم إلى قطط أخرى كانت تفتش بحاسة الشم عن قطع أخرى تناثرت من جسد طبيب ألماني فلسطيني, قطعته قذيفة إسرائيلية إلى أشلاء يصعب حصرها.

كان للدم في ذلك الصباح رائحة أخرى, و لم يكن أحد من الفلسطينيين الذي وجدوا أنفسهم هناك منذ الصباح على استعداد للنظر لذلك الدم و قطع اللحم التي تغطي الأرض و الجدران , بصورة (شاعرية) كما كان يحدث في مرات سابقة عند سقوط الشهداء .

و لم يكن لدى أي واحد منا رغبة في أي حديث بعد ليلة قصف ساخنة , كنا خلالها نتابع ما يجري و عرفنا بسقوط جرحى و بسقوط الطبيب الألماني هاري فيشر و عدم تمكن الإسعاف الفلسطيني من الوصول إليه أو إلى الجرحى و ان القصف الإسرائيلي كان يستهدف أي شيء يتحرك.وكان ذلك (طبيعيا) و يتسق مع ما كانت قررته حكومة الاحتلال.

ففي مساء 15/11/2000 كان أيهود بارك رئيس الوزراء الإسرائيلي يترأس مجلس الوزراء المصغر ويتخذ قرارات باستمرار ما تسميه إسرائيل سياسة (ضبط النفس) تجاه الفلسطينيين, و لكن سياسة ضبط النفس هذه , و التي أوقعت آلاف الجرحى و القتلى بين الفلسطينيين خلال اقل من شهرين و في نهار ذلك اليوم وحده أوقعت تسعة شهداء , سيكون (مستثنى ) منها بلدة بيت جالا التي يطلق منها النار باتجاه مستوطنة جيلو المقامة على أراض بيت جالا و يعتبرها الإسرائيليون (حي جيلو)  التابع للقدس.

و في الوقت ذاته  كان بنيامين نتنتياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق و المنافس المحتمل لباراك يرافقه أيهود أولمرت رئيس بلدية (أورشليم القدس) اليميني يزوران مستوطنة جيلو و يستقبلهما السكان بالهتافات ضد باراك و المطالبة بالانتقام من العرب و بالدعوة بان يكون نتنياهو رئيس الوزراء المقبل.

و ليس بعيدا عن مستوطنة جيلو , وفي أحد أحياء القدس الغربية و في نفس الوقت كان طرف آخر جديد يدخل المعركة ضد بيت جالا ,فالسناتور هيلاري كلينتون التي جاءت للمشاركة في تشييع جثمان ليئا رابين أرملة رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل, (دهشت) من إطلاق النار باتجاه مستوطنة جيلو و قالت  بزعل شديد ان إطلاق النيران على آية عاصمة كانت شيء لا يطاق و أمر غير محتمل,و أضافت (ليس هناك دولة في العالم ترغم على القبول بذلك) ولم تكتف بما يعتبره الفلسطينيون تزويرا للحقائق, من اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل و اعتبار منطقة (صليب) التي صادرتها إسرائيل و أقامت عليها مستوطنة جيلو جزءا من عاصمة إسرائيل, بل حرضت هيلاري على الرد على مطلقي النار من بيت جالا وقالت بثقة (..ويجب الرد على هذا الاعتداء), و لم تنس ان تؤكد على التزامها و زوجها بدعم إسرائيل. في مواجهة (الإرهاب) .

كان كل شيء في مساء ذلك اليوم ينبئ بان (الحرب) التي تخوضها إسرائيل ضد بلدة بيت جالا دخلت مرحلة (جديدة) و توفر لها عدة عناصر ستزيد (المعركة) سخونة من (قرارات) المجلس الوزاري المصغر إلى (مزايدات) المعارضة اليمينية إلى (الدعم) الخارجي من هيلاري و زوجها.

و هذا ما كان و سقط نتيجة قصف متواصل للأحياء السكنية ابتدأ من المساء حتى الساعة الرابعة فجرا جرحى لم تستطع طواقم الإسعاف الوصول إليهم, وبقوا ينزفون حتى الصباح و مقتل الطبيب الألماني هاري فيشر (65) عاما  و تمزق جسده أربا.

و في صباح اليوم التالي كان الناس , و أنا من بينهم, يتحسسون طريقهم إلى حيث سقط الطبيب وفي الطريق إلى منزل الطبيب الألماني هاري فيشر , تجمعوا  بالقرب من المنزل أمام أشلاء صغيرة من دماغ الطبيب متناثرة على جدران ما زال آثار القصف الإسرائيلي و الرصاص عالقة بها. و أيضا في الحقول المجاورة كانت أجزاء أخرى هناك. بينما أجزاء الطبيب الأخرى التي تم جمعها كانت موجودة في مستشفى بيت جالا الحكومي.

حاولت ان ابدي قدرا كبيرا من التماسك , و كاد تماسكي ان يخذلني اكثر من مرة, عندما دخلت منزل الطبيب , كان المواطنون و المسؤولون المحليين يملاون البيت و يقفون على الأدراج بينما كانت نسوة كثيرات يتجمعن في إحدى الغرف, و رغم معرفتي بمعظم الموجودين فأنني وجدت نفسي غير قادر على الحديث إلا بكلمات مقتضبة , و وقفت انتظر زوجة الشهيد,كانت زوجته نورما اسطفان مجللة بالسواد و الدموع تحجرت في مقلتيها وهي تخرج من اجتماع قصير مع ممثل الجمهورية الألمانية في مناطق السلطة الفلسطينية,جاء للوقوف على ما حدث لزوجها في ليلة القصف الرهيب تلك.

لم يعلق الممثل الألماني, عندما طلبت منه إخباري عن أي رد فعل محتمل لحكومته , على قتل مواطن ألماني بقصف لا يرحم,وهو قبل ذلك طبيب كان حاول القيام بواجبه الإنساني.

و فهمت انه سيقدم تقريرا لوزير خارجيته يوشكا فيشر الذي كان موجودا في مرسيليا للمشاركة في لقاء المشاركة الأوروبية المتوسطية الرابع.

حاولت نورما ان تتحدث و لكنها لم تستطع فاحترمت ذلك و طلبت من شقيقتها ان تتحدث معي عن ما حدث في تلك الليلة, قالت نادية اسطفان شقيقة نورما لي ( كان الدكتور فيشر يحاول القيام بواجبه و عندما علم بوجود جرحى في المنطقة و ان سيارة الإسعاف و المسعفين لا يستطيعون الوصول إليهم حاول هو القيام بذلك, فخرج من المنزل و لم يبعد سوى بضعة أمتار لتقصفه المروحيات الإسرائيلية و الدبابات الإسرائيلية).

 ويمكن من خلال معاينة الأشلاء المتناثرة رؤية المكان الذي كان فيه الجرحى في حي بير عونة في بيت جالا محاصرون هم و من تمكن من المسعفين من الوصول إليهم. وكان الاحتلال ضم حي بير عونة من جانب واحد إلى إسرائيل و جعله جزءا من بلدية القدس الإسرائيلية بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.

و لا أحد يعرف على وجه الدقة الوقت الذي ضربت به الطائرات الإسرائيلية الدكتور فيشر فالقصف كان مكثفا جدا و إطلاق النار و القذائف يأتي من كل مكان يطال كل شيء يتحرك على الأرض.

و يعتقد عدد من جيران الشهيد فيشر انه يمكن ان يكون قتل قبل أربع ساعات من الوصول إليه فجر اليوم التالي و جمع أشلائه فالقصف العنيف لم يترك مجالا للسكان لمعرفة ما كان يجري على وجه الدقة.

قالت لي نادية (كل الفلسطينيين معرضون للقصف و الدكتور واحدا منه).

و بالفعل ينظر السكان  للدكتور فيشر كواحد منهم ليس لطول المدة التي قضاها في بيت جالا بينهم بل أيضا لانه كان يعيش فلسطينيته, و في الفترة الأخيرة تلقى عروضا و نصائح من السفارة الألمانية بالمغادرة و لكنه رفض.

و كل من عرفوا الدكتور لم يستغربوا ان يهب لإسعاف الجرحى الذين لم تستطع طواقم الإسعاف الوصول إليهم, فهو صاحب سجل حافل في العمل الطوعي و الإنساني, ومن ابرز محطات عمله  ما كان يقوم به في جنوب أفريقيا أيام الفصل العنصري, فمبادئه دفعته للمكوث في جنوب أفريقيا لمساعدة المحتاجين هناك.

و نفس هذه المبادئ هي التي قادته إلى فلسطين قبل 22 عاما, وخلال عمله الطوعي التقى بفتاة فلسطينية معروفة بنشاطها  الطوعي و الاجتماعي أيضا هي نورما اسطفان التي ستصبح زوجته و تمنحه ثلاثة أبناء أكبرهم كان يستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة عندما استشهد والده ,و ابنة في الصف العاشر  و الصغرى في الصف الخامس.

يقول من يعرفونه ان مبادئه التي قادته لاكثر من مكان في العالم لمساعدة المحتاجين هي التي أدت إلى مقتله بهذه الطريقة الوحشية.

جلست أرملة الشهيد وسط النسوة يحاولن ان يهدئن من روعها, و بدت إلى حد متماسكة و هي تحتضن أولاده بحنو وقالت (لقد خرج ليسعف الجرحى و لكنه لن يعود).

و في تلك الأثناء جاءني  شابا من الشباب الذين يهتمون بتفاصيل تشييع جثامين الشهداء و العناية بهم ينقل لي رسالة من الذي تطوع بجمع قطع الدكتور فيشر و نقلها إلى المستشفى, ليقول لي بأنه إذا كنا نريد التقاط صور للشهيد في المستشفى فيستحسن الان , لأنه بعد إخراجه من الصعب فتح التابوت على قطع جسده, فسألته عدة أسئلة تبين ان التابوت يضم في الواقع ما أمكن جمعه من قطع متناثرة , بينما كانت صورة القطط التي تتنازع على بقايا القطع الأخرى و بقايا دماغه على الجدران ما زالت عالقة في ذهني فاستبعدت فكرة التصوير , بينما كنت على أية حال سأتوجه للمستشفى لمقابلة الجرحى الذين بقوا ينزفون طوال الليل.

و في ظهر ذلك اليوم كانت ألمانيا تخرج عن صمتها, وقال وزير خارجيتها للصحفيين في مرسيليا انه صعق لمقتل الطبيب فيشر , وقال انه بحث الآمر مع وزير الخارجية الإسرائيلي شلومو بن عامي, الذي بدوره (وعد بان تحقق إسرائيل في الآمر و تنشر النتائج).

و في الوقت ذاته كانت الجماهير تشييع الطبيب فيشر إلى مثواه الأخير و تنعاه قيادة الانتفاضة إلى (شعبه الفلسطيني  والشعب الألماني الصديق و الآمتين العربية و الإسلامية) ,و زوجته نورما تشعر اكثر فاكثر بثقل الصدمة و تصرخ ( كل ذنبه انه سمع استغاثة فهب لنجدة الجرحى, و لكنه خرج و لم يعد).

(2)

بعد ما حدث للدكتور فيشر أيقنت عجز القلم عن نقل ما يحدث بالفعل على ارض الواقع في تلك المعركة غير المتكافئة بين حكومة الاحتلال و شعبنا, و لم اكن اعرف على وجه الدقة ما الذي فعله مقتل الدكتور فيشر بتلك الطريقة الوحشية في نفسيتي, فلم يكن مقتل الدكتور فيشر و بتلك الطريقة الوحشية هو الأول من نوعه الذي واجهني في مسيرة عملي الصحفي (…ولم يكن الأخير) و لكن ما كان يحدث بدا لي بتفسير جديد, يتعلق بتلك المعادلة غير المتكافئة أبدا بين قوة تستخدم المروحيات و المدافع الثقيلة و الأجهزة المتطورة لملاحقة شخص أو مجموعة , على الأغلب عزل من أي سلاح , ينفذ بهم أحكام الإعدام حتى دون ان يتاح لهم ان يقولوا كلمتهم الأخيرة , فلن يعرف أحد بماذا فكر الدكتور فيشر في تلك الثواني التي فصلت بين تحوله من كيان و مشاعر إلى قطع متناثرة في الحقول و على الجدران تنهشها القطط السائبة.

و هو ما تكرر , وبصورة مأساوية في مدينة بيت جالا أيضا مع الشهيد الشاب أسامة القربي.

كانت منزل عائلة أسامة (18) عاما من المنازل التي تعرضت للقصف اكثر من مرة خلال انتفاضة الأقصى, و زرتهم اكثر من مرة ورأيت كيف كان الرصاص الإسرائيلي الثقيل يدخل إلى غر ف النوم , و كانت العناية الإلهية وحدها هي التي تحول دون وقوع ضحايا.

و في اليوم الذي استشهد فيه أسامة اعتقد مثله مثل أبناء عائلته و جيرانه في حارة (العراق) في مدينة بيت جالا الجبلية ان الطقس الشتائي الشديد البرودة سيحول دون إقدام سلطات الاحتلال على قصف منازلهم كما حدث في الليالي السابقة, فلم يتركوا منازلهم ليلا, كما كانوا يفعلون و يعودون إليها في النهار, ليكون أسامة و أبناء عائلته و حارته ضحية مجزرة جديدة ترتكبها سلطات الاحتلال أسفرت عن استشهاده و سقوط عشرات الجرحى و تدمير المنازل.

لم نعرف خبر استشهاد أسامة ليلا و لم يعرف أحد بذلك , و في  الصباح عندما وصلت المكان تحت المطر الغزير, كان بضعة رجال من سكان الحارة يغلقون باب منزل أسامة متعدد الطبقات و يكتبون عليه ( خطر..أيل للسقوط), بينما عشرات المواطنين ينظرون بألم و آسى إلى منازل الحارة المدمرة و أهلها المشردين بينما المطر يسقط غزيرا , و كأن السماء تبكي بقوة عليهم.

قال لي الفتى موسى راتب (19) عاما ,جار أسامة و صديقه, انه كان مع أسامة حتى التاسعة مساءا , و لكن بعد ذلك ذهب كل منها إلى منزله بسبب الطقس الشتائي بالغ البرودة, و عندما بدا القصف أخذت القذائف تنزل على منزل أسامة الذي تعيش فيه عدة عائلات من أشقائه, و حوصر سكان المنزل , فهب الجيران لمساعدتهم و إخراجهم بعد ان أصيب معظمهم بشظايا القصف الإسرائيلي, و تم نقل المصابين إلى مستشفى بيت جالا الحكومي و في وسط هذه الجلبة بدا سكان المنزل يتفقدون بعضهم البعض و حين سألوا عن أسامة لم يجدونه, فاعتقدوا انه هنا أو هناك عند الجيران مختبئا من القصف.

وقالوا ( غير مهم,.. المال في النهاية يتعوض, أما حياة البشر..فهي المهمة)

و لكن أسامة كان في غرفة في الطابق العلوي أصابتها قذيفة إسرائيلية فسقط الجدار عليه, وقضى تحت الأنقاض محترقا.

و لا يعرف كم قضى أسامة من الساعات مستشهدا تحت الأنقاض حين وصله رجال الدفاع المدني و الأمن الوطني, ليجدوه مستشهدا بتلك الطريقة المأسوية جراء القصف الإسرائيلي.

كان التشويه الذي أصاب جسد أسامة بالغا, إلى درجة انه اثر كثيرا على واحدا من الشباب يتمتع بأعصاب قوية جدا و كان هو من يتولى دفن الشهداء في مقابرهم, و لا يمكن أي مخزون من الكلمات يمكن ان يصف الحالة التي كان عليها جسد أسامة الصغير الذي لم يحتمل الجدار الذي سقط عليه و دفنه تحت الأنقاض في تلك الليلة الشتائية.

و بدأت أفكر كيف يمكن نقل ما يحدث من صور القصف المأساوية للآخرين ليصدقوا ان ما يحدث هو فعلا حرب حقيقة على شعب اعزل لا يملك الكثير للدفاع عن نفسه في وجه قوة تملك كل وسائل التخطيط و القدرة و التنفيذ.

(3)

و ربما كان افضل تعبير عن استخدام تلك القوة و تنفيذ أحكام الإعدام ما حدث بالاغتيال المدوي  لحسين العبيات رجل فتح العسكري, و الذي كان أول اغتيال في انتفاضة الأقصى.

في ذلك اليوم  الخميس : 9/11/2000 دعانا, كامل حميد أمين سر حركة فتح في إقليم بيت لحم الذي اعتاد ان يتنقل بحراسة شخصية منذ الانتفاضة, صحفيين ووزراء في السلطة و مسؤولين فصائل وطنية و ممثلين لفعاليات محلية للاتقاء في مكتب حركة فتح في المدينة, ليحذر من ان الخبر الذي بدأت تروجه الإذاعة الإسرائيلية منذ صباح ذلك اليوم و مفاده ان قوات إسرائيلية طاردت ناشطا من تنظيم فتح في المحافظة و قتلته, ليس صحيحا و انه يشير , على ما يبدو إلى و جود نية مبيتة لدى إسرائيل للبدء بملاحقة نشطاء فتح و اغتيالهم.وتساءل عن المغزى الذي جعل الإذاعة الإسرائيلية تعيد بث الخبر في نشراتها المتلاحقة, مما احدث بلبلة معينة وسط السكان المحليين الذين يتابعون أخبار الانتفاضة و بدا الصحفيون يتلقون استفسارات من المدن الفلسطينية المختلفة عن حقيقة الخبر الذي (تصر) عليه الإذاعة الإسرائيلية بشكل غريب و يدعو للريبة, وهي ريبة كانت في محلها كما تبين فيما بعد. ولم يقتصر إشاعة التوتر على نشر خبر تصفية كادر من فتح لم تعلن الإذاعة الإسرائيلية عن اسمه بل ان سلطات الاحتلال دفعت بقوات كبيرة إلى جيب احتلالي شمال بيت لحم في مقام إسلامي يدعى قبة راحيل, و أعادت متطرفين يهود جاءوا لاقامة صلوات بمناسبة ذكرى وفاة راحيل والدة النبي يوسف عليه السلام, و تظاهر أعضاء كنيست إسرائيليين في الموقع مطالبين بالسماح لهم بالدخول للموقع, إذن كان الجو مشبعا بالتوتر و الترقب في ذلك اليوم.

و لم يكد حميد ينهي كلامه حتى دخل القاعة مسؤولون في المكتب ليخبرونا  بان أربع طائرات إسرائيلية تقصف الان مدينة بيت ساحور.فاخلي المكان على الفور على اعتبار ان مكاتب فتح أهداف محتملة للغارات الإسرائيلية.

خرجت و انا وعدد من زملائي و حاولنا و نحن في الشارع ان نرى ما يحدث في بيت ساحور , و قررت ان اتوجه الى المستشفى بعد ان رايت سيارات الاسعاف تنطلق بسرعة اليه.

في المستشفى كان الازدحام بدأ على غرفة الطواريء , و كان كثير من المواطنين يحاولون اقتحام غرفة الطواريء لمعرفة حقيقة ما حدث خصوصا و ان الحديث بدا يدور عن قصف سيارة حسين عبيات الذي اعرفه معرفة شخصية و هو الذي كان يقود مجموعة المقاومين الذي خاضوا معاركا باسلحتهم المتواضعة مع جنود الاحتلال و اسقطوا عدد منهم قتلى منذ بدء انتفاضة الاقصى .

و لم يمضي وقت طويل حتى اتضح ان ما حدث كان قيام أربع مروحيات إسرائيلية بقصف سيارة متسوبيشي في طريق يربط بين شارعين رئيسيين متوازيين يؤديان إلى معسكر الجيش الإسرائيلي في عش الغراب شرق بيت ساحور, و تأكد ان أربعة صواريخ على الأقل أصابت السيارة , وان سائق السيارة حسين محمد سالم العبيات (36) عاما استشهد على الفور, و تأكدت أيضا المخاوف التي ابداها كامل حميد قبل قليل فالشهيد عبيات ليس ناشط فتحاوي معروف فقط بل كان له دور عسكري بارز و معروف في الانتفاضة الحالية و السيارة التي قصفت هي في الواقع إحدى سيارتين كان العبيات يتنقل بهما.

وتبين ان عبيات و صديقه خالد صالح صلاحات كانا يهما بالدخول للسيارة المتوقفة في الشارع, فأطلقت الصواريخ و أصابت محرك السيارة و استشهاد العبيات على الفور.

و بعد ذلك أصاب صاروخ أخر سيارة أخرى كان بداخلها إبراهيم عبيات و ناصر عبيات و اللذان كانا برفقة الشهيد حسين و صديقه قبل صعودهما في السيارة .

ويبدو ان الطائرات الإسرائيلية لم تتأكد بأنها أصابت هدفها بدقة, فأطلقت صاروخ أخر أصاب هذه المرة سيارة إسعاف كانت موجودة بالقرب من المكان و أصيب طاقمها: الطبيب نضال سلامة, و الممرض سامر اسعد و السائق عدنان طه.

كان الجرحى يخرجون تباعا من غرفة الطواريء و بدات اساعد في نقلهم الى الاقسام الاخرى , و بدا واضحا لي ان اسرائيل خطت خطوة سيكون لها ما بعدها وهي سياسة الاغتيالات في انتفاضة الاقصى المستمرة حتى الان.

و بدا و اضحا ان رصدا استخباريا إسرائيليا  لعبيات  و سيارته انجح عملية الاغتيال التي أصابت السكان و رفاق و أقارب العبيات بصدمة كبيرة. و أدرك هؤلاء لماذا استهدفت المروحيات الإسرائيلية العبيات و كانت الرسالة الإسرائيلية واضحة و تشير إلا ان إسرائيل قررت فعلا البدء بملاحقة ناشطي التنظيم العسكري لحركة فتح حتى الموت, ولم يكن العبيات سوى قائد عسكري في هذا التنظيم.

و اتضح تماما ان إسرائيل نفذت عملية الاغتيال بحرفية عالية و لكن  رغم حرفيتها فلم تكن صعبة خصوصا في الجانب الاستخباري و الرصد فيها, فالشهيد العبيات كان يتنقل بشكل علني ولم يكن مختف عن الأنظار و كان يشاهد في كثير من المناسبات الانتفاضية, و عملية رصده لم تكن صعبة.

و خرج من غرفة الطواريء امراتين ممدتين على سريرين و كانت الدماء تغطي كل شيء و اسرعت للمساعدة , و للاسف بعد ساعات صدق حدسي و اعلن استشهادهن : رحمة شاهين و عزيزة دنون و كل جريمتهن انهن كانتا بالقرب من سيارة عبيات عندما خرجت المروحيات لقتله.

و عندما اخرج الشهيد العبيات من غرفة الطواريء لحقنا به الى  حيث أسجى في ثلاجة المستشفى, و اخذ الموجودون يطالبون بالانتقام وبمواصلة الانتفاضة ووجه بعضهم و هم يصرخون انتقادات لرموز في السلطة الفلسطينية و هتف آخرون بحياة الشهيد العبيات الذي اوجع الإسرائيليين بتصديه لجنود الاحتلال و قتل بعضهم, و تدافع المواطنون للدخول إلى حيث أسجي الشهيد و عندما دخلت بدت أثار القصف على جميع أنحاء جسمه وبدا وجهه يميل للون الأسود بفعل الحروق, و كان منظرا مؤثرا.

و نزلت دموع الكثير من الرجال الموجودين

و احدث اغتيال العبيات ردود فعل في الجانيبين الفلسطيني الذي بدا مذهولا مما حدث و في الاسرائيلي حيث تسابق المسؤولون الاسرائيليون من رئيس الدولة الى رئيس الحكومة الى قائد الجيش لاعلان مسؤوليتهم عن اغتيال العبيات.

وفي اليوم التالي الجمعة (10/11) أثناء تشييع جثمان الشهيد العبيات كان المشيعون الذين اعتادوا ان يكونوا, خلال عمر انتفاضة الأقصى , كل بضعة أيام على موعد مع جنازة جديدة لشهيد جديد , يفتقدون شابا اسمر اللون كان حضوره طاغيا و مطمئنا لهم يتمنطق  سلاحه و يتقدم الجنازات بثقة, وعندما يرونه كانوا يعرفون ان عملية انتقام للشهيد ستكون الليلة ,لم يكن هذا الشاب موجودا لان هذه الجنازة كانت جنازته و لذلك كان ألم المشيعين مضاعفا. فنزلت دموع الرجال العصية عادة , سخية هذه المرة.