الرجل الذي تصاغر بلير له

23 03 2009

14

اعتبر الحاج ابراهيم عطا الله (تجاوز التسعين من العمر)، اهم شخصية فلسطينية، خلال المائة عام الماضية، اقصد الشخصيات المحترمة الصادقة مثل الشيخ عز الدين القسام وحتى الشيخ رائد صلاح.

لماذا اهم؟ باختصار لانه صاحب تجربة ناجحة، في حين ان الفشل والهزيمة والخيبة هي من نصيب من سبقوه..

وايضا امثال القسام وصلاح، تحولوا الى رموز، ووسائل الاعلام تطاردهم، وهما يطاردونها كما هي حالة الشيخ صلاح مثلا، اما الحاج ابراهيم فليس له الا نفسه.

الشيخ ابراهيم يعيش في منطقة تتعرض للاستيطان الصهيوني منذ اكثر من 80 عاما، وفيها خيضيت حروب، وسقط ضحايا خصوصا في عام 1948، وفي عام 1967، نفذت قوات الاحتلال عملية تطهير عرقي فيها، ومنها (مجمع عتصيون الاسيتطاني كما يعرف في الاعلام) انطلقت حركة الاستيطان اليهودي بعد 1967، على يد طلائع من المستوطنين الفاشيست، لم ينقصهم الايمان والمبادرة والاموال والتصريح بالقتل.

وسط كل هذه الظروف صمد الحاج ابراهيم في خربة زكريا او بيت سكاريا، تمددت المستوطنات حوله، وحوصر في محيط منزله، بعد الحرب جاءه الجنرال الاسرائيلي المنتصر موسى ديان، لكي يترك الحاج ابراهيم ارضه، ولكن الاخير رفض، دفن اولاده امام منزله، وبقي صامدا.

لم يكتف الاسرائيليون بسرقة ارضه، ولكن ايضا سرقوا ميراثه الثقافي، كبلوطة اليرزا، التي حولها المستوطنون الى معلم سياحي، ياتيه اليهود من شتى انحاء المعمورة، اصبح كل شيء حول الحاج ابراهيم (وما اكثر الاشياء التي تنطق بروعة المكان وتجعله كما يقول المستوطنون بانه قطعة من جنة عدن) يحمل اسماء توراتيه.

للمستوطنين اساطيرهم في المنطقة التي يعيش فيها الحاج ابراهيم، ولديه ايضا اساطيره، فهو يعيش بالقرب من مقام النبي زكريا، الذي تحول الى مسجد، واصبح رمزا الان لصموده.

لعل هذا المقام، الذي يحمل اسم نبي توراتي، تبني لاحقا من اتباع الديانات الاخرى، كان في الاصل معبدا لالهة كنعانية او اشورية او يهوذية، وتطور ليصبح هذا الرمز لمقاومة الغزوة الصهيونية الحديثة، ويتضح التحدي، عندما يصعد احد ابناء الحاج ابراهيم او احفاده، الى سطح المسجد المتهدم، ليرفع الاذان.

الحاج ابراهيم، ليس سياسيا، ولا مثقفا، يحمل خلاصة 7 الاف عام او اكثر من ارث الفلاح الفلسطيني، وبشكل عفوي ظل مخلصا لهذا الارث، فصنع ملحمة نجاح مثيرة.

الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، لم تدعم الحاج ابراهيم، وعندما فكرت بذلك (على اعتبار اننا نفترض ان لديها حسن النية) ارتكبت جريمة بحقه، وهي جريمة لا تغتفر ابدا، وتتمثل بتصريحات لمفاوضين وقادة فلسطينيين، يعلنون بين الوقت والاخر، وفي مناسبات غريبة استعدادهم لقبول تبادل اراض مع الاسرائيليين، في المنطقة التي حماها الحاج ابراهيم، ودفع وما يزال ثمنا باهظا، اي موافقتهم على رمي الحاج ابراهيم خارج ارضه.

المسؤولون الفلسطينيون لا يعرفون الحاج ابراهيم ولا يزورونه، في حين يكاد لا يوجد سفير او قنصل اجنبي في الاراضي الفلسطينية او اسرائيل، لم يزر الحاج ابراهيم الذي يعيش وذريته في سقائف، ياتون اليه يستمعون ثم ينصرفون دون ان يفعلوا شيئا من اجل رفع الظلم عنه.

اخر من زار الحاج ابراهيم، توني بلير، ممثل الرباعية الدولية، جاء بلير الى الحاج ابراهيم، ولديه تعليمات (من اين لا نعرف) ان لا يتحدث في شيء غير السلام عليكم وكيف الحال، نزل بلير وتصاغر الى الكرسي المتواضع الذي يجلس عليه الحاج ابراهيم، وتمعن في وجهه، ربما ليحاول معرفة السر في شخصية هذا الرجل، الذي لم يتمكن من هزيمته جنرالات اسرائيل، او النخب السياسية الفلسطينية، والان الرباعية الدولية.

الحاج ابراهيم ابتسم، كما يبتسم دائما، ونظر الى زوجته الصامتة والمشغولة في تدخين الغليون “ليس هناك سر ولا حاجة، ارضي واعيش عليها”.

الإعلانات