الانتفاضة: حنظل فلسطين وعسل اسرائيل

3 10 2008

ذكرى الانتفاضة الثامنة، بالنسبة لواحد مثلي، قدر له، ان يعيشها منذ اليوم الاول، مثيرة جدا ليس فقط للمشاعر، ولكن لكل شيء، وتجعلني اتساءل: هل كان لا بد لشعبنا ان يدفع كل هذه الخسائر المؤلمة؟، ولماذا لم يحقق أي انجاز؟.

في ذكرى الانتفاضة المستمرة على الاقل من ناحية الممارسات الاسرائيلية، اذكر كيف رحل الافضلون منا، عشرات الوجوه والاسماء التي انحفرت في القلب، وفي ذكرى الانتفاضة ايضا، يتوجب اجراء حساب عسير للنفس، ويخطر على البال سريعا بعض الملاحظات:

*تعتبر انتفاضة الاقصى من اهم، ان لم يكن اهم انتفاضات الشعب الفلسطيني طوال تاريخه، ورغم ذلك فان الفلسطينيين خاضوها دون هدف محدد، ولم يتفقوا خلالها على رفع شعار واحد للعمل على تحقيقه.

*برزت في الانتفاضة ظاهرة العمليات الاستشهادية، والتي لم تدرس حتى الان بشكل علمي، ورغم تاثيرها الكبير على المجتمع الصهيوني، الا ان هذا المجتمع سرعان ما استوعب الضربات الاستشهادية واستطاع التعايش معها.

*استمرت الحياة الحزبية والديمقراطية الداخلية في اسرائيل خلال الانتفاضة، واجريت انتخابات وتغيرت وزارات، في حين تمسك رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بسياسة الثلاث ورقات، وتاجيل الاستحقاقات الانتخابية، من انتخابات رئاسة السلطة، والمجلس التشريعي، حتى البلديات والغرف التجارية، لانه اراد ان تظل الخيوط بيده يديرها بالفهلوة وشراء الذمم.

*وعندما اجريت الانتخابات لاحقا مع قدوم ابو مازن، وقع انقسام غير مفهوم وغير مبرر، وزادت الفجوة بين الشعب وفصائله، بشكل مخيف.

*في حين كانت القيادات تتغير في اسرائيل، ويرسل الى بيته كل من لا يحظى بثقة الشعب، فان الوضع في الجانب الفلسطيني كان عكسيا، واستمر عرفات بالاعتماد على شخصيات ليس لها اية جماهيرية حتى في حركة فتح نفسها، وكانه يعاند شعبه، وقدر لي ان ارى عرفات اكثر من مرة حتى خلال حصاره، ولم يبدو انه حاول مرة استخلاص العبر، وبقي متمسكا بسياسة التعامل مع الفلسطينيين كالقطيع الذاهب الى المسلخ.

*في حين ان سيادة القانون استمرت في اسرائيل، وجرجرت شخصيات سياسية الى القضاء، فان عرفات استخدم خلال الانتفاضة اساليب غريبة، مثل اطلاق النار على نبيل عمرو، وهو مسؤول فتحاوي، او اغتيال هشام مكي، رئيس التلفزيون الفلسطيني المتهم بالفساد، ولم يكن ذلك الا بداية الطريق لعمليات اغتيالات استمرت حتى بعد رحيل عرفات، وكأن الفصائل الفلسطينية لم تستفد من ثورة 1936، واسلوب الحاج امين الحسيني في اغتيالات الخصوم، التي كانت سببا رئيسا في هزيمة تلك الثورة، وخروج المنظمات الصهيونية في تلك المرحلة اكثر قوة وتخطيطا، وهو ما ادى الى نصرها في عام 1948.

*كان يمكن تقليل الخسائر الفلسطينية بشكل كبير، لو وجدت قيادة للانتفاضة، او لو ان قيادات الفصائل اخذت الامور بجدية ولو نسبية، وبدلا من 13 الف اسير، كما هو الحال الان، وهو رقم ضخم بالنسبة لمجموعة سكانية لا تزيد عن 3 ملايين، لكان عدد الاسرى 3 الاف فقط.

*الامر ايضا يتعلق بالشهداء الذين سقطوا بالاغتيالات، وهم بالمئات، ورغم ان اسرائيل ارسلت رسالة واضحة بعد اربعين يوما من الانتفاضة، باغتيالها لحسين عبيات، بانها ستمارس اسلوب الاغتيالات، الا ان احدا لم ياخذ الامر باية جدية، ولم تتمكن الفصائل من حماية رموزها مثل ابو علي مصطفى، او الشيخ احمد ياسين.

*لم يرد عرفات، ان يذهب بالامور الى نهاياتها، وعندما طلب منه خلال حصاره، ان ياتي الى القدس، ويعتصم في المسجد الاقصى، ويعلن دولة فلسطينية، عمليا يعترف بها او سيعترف بها، معظم دول العالم، رفض ذلك، ويبدو انه كان مهتما بشيء اخر، وعندما سافر الى باريس في رحلة العلاج الاخيةر، اوصى احد المقربين له قائلا “دير بالك على المقاطعة يا طيب، وصيتك المقاطعة يا طيب” ولو تدرون ما هي المقاطعة التي دفن بها عرفات بعد رحلته تلك، اما الطيب فحافظ على المقاطعة وبقي فيها مع المسؤولين السابقين.

*التزم اليسار الاسرائيلي الصمت، او الاصح عاضد شعبه ومجتمعه، في حين ان المثقفين الفلسطينيين (التعميم مقصودا هنا)، ومعظمهم يعيش متطفلا على اموال منظمة التحرير او الدول المانحة، واصلوا توجيه الضربات لشعبهم المتالم، باصدار البيانات المشككة والمستنكرة، لبعض اشكال المقاومة مثل العمليات الاستشهادية، ولم يبذلوا جهدا لاخفاء الجهة التي يعملون لاجلها، حين كانوا ينشرون بيانات الاستنكار، مدفوعة الاجر، في الصحف مع الاشارة الى الجهة المانحة التي تمول هذه الاعلانات.

*خرج المجتمع الاسرائيلي، ومؤسساته قويا بعد الانتفاضة، ولم يتاثر مثلا مستوى الجامعات الاسرائيلية، او صناعة الاعلام والصحافة فيها، في حين ان مثيلاتها في الاراضي الفلسطينية وصلت الحضيض، وربما لا يوجد في العالم كله مثل هذا النوع من الجامعات الحزبية، التي ينتشر فيها الفساد والفضائح الاكاديمية، اما الاعلام الفلسطيني فتجاوز كل الخطوط الحمر والخضر وكل انواع الالوان، وتحول الى منابر للذم والقدح.

*لاحقت الشرطة الاسرائيلية عشرات قضايا الفساد التي طالت الرئيس الاسرائيلي قصاب، وايهود اولمرت، وشارون، واولاده، وغيرهم، في حين ان عرفات استخدم تقارير الرقابة لترويع مقربيه، وابتزازهم، وفي اول عهد ابو مازن، تحدث النائب العام الفلسطيني عن قضايا فساد خطيرة، ولكن في النهاية لم تتم ملاحقة أي من الفاسدين، بل تم ترقيتهم.

*انتهت الانتفاضة، التي كان احد اسباب انفجارها، النصر المؤزر لحزب الله، بهزيمة نكراء, واكثر من هذا بموت المشروع التحرري، الذي اطلقته حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، ولو عرضت الجنسية الاسرائيلية، او بطاقة الهوية الاسرائيلية على الفلسطينيين الان، لقبلها على الاقل 99% منهم، بما فيهم قيادات فتح وحماس.

*اصبحت الفصائل الفلسطينية، ومنظمة التحرير, عبئا كبيرا على الشعب الفلسطيني، وجميعها تنهج النهج العرفاتي الكارثي، واستمرار وجودها، يعني المزيد من المسامير في نعش القضية الفلسطينية.

*من الصعب على اية حركة تحرر تحقيق انجازات، الا اذا كانت لديها اولا ارادة القتال، وثانيا توفير الحد الادنى من الوحدة الوطنية، والقدرة على تحقيق مكاسب يومية، وايقاع الخسائر في صفوف العدو، وهو الامر الذي من الصعب تحقيقه في المستقبل المنظور, ولا يمكن ان يتوفر لقيادات الفصائل المهزومة، والمرتشية، والذي اصبح وجودها مرتبطا برضاء الاحتلال عليها، او اجهزة الامن الغربية والعربية خصوصا من دول الطوق، وهو طوق ملتف على اعناق الفلسطينيين، ويا له من طوق لا يشعر به الا الفلسطيني المضطر للمرور من هذه البلدان.

*الخلافات المطروحة الان على ساحة العمل السياسي الفلسطيني، ليس للمواطن الفلسطيني اية علاقة بها، لا من قريب او من بعيد، لانه يواجه بصدر عار ومكشوف ممارسات الاحتلال التي لا يمكن وصفها، ويكافح بشكل اسطوري، في صراع بقاء، من الصعب تحديد من سينتصر فيه، وازالة حاجز عسكري احتلالي، او حتى تسهيل المرور عليه، اهم بكثير لهذا المواطن من القضايا المطروحة الان على صعيد البحث وكانها مصيرية، مثل فترة رئاسة ابو مازن.

*استمرار الوضع كما هو الان، او الاصح ان استمرار زيادته سوء مع فجر كل يوم، سيؤدي الى انتفاضات يائسة، ستنتهي بخسائر كبيرة وسط المواطنين العاديين، وازدياد التدخل الاجنبي في اوساط النخب السياسية والثقافية، والاجهزة الامنية.

*هل سينتفض الفلسطينيون على نخبهم السياسية، وهي انتفاضة مؤجلة منذ انتفاضة النفق عام 1996، وانتفاضة الاقصى 2000؟ او هل سينتفضون مطالبين اسرائيل بان تضمهم اليها، حتى لو عاشوا كمواطني درجة ثانية او ثالثة؟.

*يحدوني امل ان تشكل ذكرى الانتفاضة مناسبة لوقفات مطولة، ونقاشات لاستخلاص العبر، واذا لم يحدث ذلك، فستتعمق الهزيمة الفلسطينية، بشكل لم يحدث من قبل.

 

الإعلانات