كان للفلسطينيين قطار

2 08 2008

 

في عام 1892، كانت القدس على موعد مع حدث تاريخي، وهو تدشين خط سكة الحديد بينها وبين مدينة يافا، التي كانت تشكل ما يمكن اعتباره البوابة البحرية للمدينة المقدسة.
وشكل بدء العمل في هذا الخطة قفزة نوعية ليس فقط في حياة مدينتي القدس ويافا، ولكن أيضا بالنسبة لكل بلدات فلسطين ومدنها، ويمكن أن يعطي الاهتمام الفلسطيني الشعبي بذلك الحدث، مؤشرا على تلك الأهمية البالغة التي شكها مد خط سكة الحديد تلك، والذي ظهر لدى تدشين الخط، حين توافد آلاف الفلسطينيين لرؤية وصول أول قطار الى القدس من يافا.
ولم تكن تلك الأهمية غائبة عن الجهات الرسمية، فشارك في حفل التدشين ممثلون عن الحكومة العثمانية في استنبول، وكبار المسؤولين والأعيان، وممثلون عن الدول الأجنبية، وكبار مسؤولي الشركة الفرنسية التي أنشأت خط سكة الحديد.
وبالاضافة الى ما أحدثه تدشين الخط الحديدي، الذي ربط عمليا بين الساحل الفلسطيني، والهضبة الفلسطينية الوسطى، التي تسمى الان الضفة، من نقلة في حياة الفلسطينيين، على صعيد سهولة الحركة والتنقل بين المدينة المقدسة ومدن الساحل، فانه كان له أثر مهم، على صعيد المستقرات البشرية التي يمر منها الخط الحديدي، واحداث مستقرات جديدة، وهو ما يمكن لمسه في جنوب-غرب القدس، خصوصا في سهل البقعة، الذي يقع بين جبل القطمون وخط سكة الحديد الحديثة، والذي تحول الى أحد أهم أحياء مدينة القدس، بعد تدشين خطة سكة الحديد، وفي هذه المنطقة أنشئت الأحياء العربية الأولى خارج أسوار المدينة المقدسة.
ومثلما احتلت العصابات الصهيونية، فلسطين، وعملت على تهويدها، ومنها حي البقعة، فان محاولات احتلال أخرى على صعد أخرى، ما زالت مستمرة، مثل المحاولة التي اقدم عليها متحف قلعة داود بالقدس المختص بتاريخ القدس من وجهة نظر أيدولوجية صهيونية، بالاستيلاء على جزء مهم من تاريخ فلسطين، والمرتبط اكثر من غيره بحداثة مدينة القدس، وهو الخط الحديدي العتيد.
وجاء ذلك في اصدار جديد للمتحف عن قطار القدس، حيث يتم تقديم قصة القطار الفلسطيني، بشكل آخر مختلف، وكأنه ليس للفلسطينيين علاقة به.
واشرف على الكتاب المصور الذي أصدره المتحف، نخبة من سياسيي وأكاديميي اسرائيل، من بينهم رئيس بلدية القدس الاسرائيلية يوري ليبولينسكي.
ويربط الكتاب، بين النشاط اليهودي الحثيث، والذي لم يظهر وجهه الصهيوني آنذاك، خصوصا في القدس، منتصف القرن التاسع عشر، والتطورات التي حدثت في المدينة، والتي توجت أخيرا بانشاء خط سكة الحديد.
ويرصد الكتاب زيارات لكبار الشخصيات الصهيونية للقدس، التي كانت تصل عبر القطار، مثل البارون ادموند روتشيلد، أو وصول أفواج جديدة من المهاجرين اليهود.
وعندما يظهر الكتاب صورا لفلسطينيين، فان ذلك يتم بوجود يهودا في نفس الصورة، يظهر فيها اليهود كمتمدنين، أما الفلسطينيون فيبدون وكأنهم جزء من فلكلور يشكل خلفية لنشاط المستوطنين اليهود الأوائل.
وفي الصورة التي يقدمها الكتاب للقطار الفلسطيني، بأنه مرتبط بالوجود اليهودي الصهيوني في فلسطين، لا يتورع حتى عن نشر صور التدمير الذي لحق بمحطات للقطار على يد العصابات الصهيونية، إبان الانتداب البريطاني، ففي النهاية كل ما يتعلق بالقطار من تدشين وحركة بشرية ونقل بضائع ووصول ضيوف واعمال ارهابية، هو ذو طبيعة يهودية صهيونية، وتنظر اليه اسرائيل الان كجزء من تاريخها.
وبعد عام 1948، تحولت سكة الحديد، في المناطق التي تمر منها، الى خطوط الهدنة، وبعد هذه العام يبرز الكتاب المرحلة الجديدة من تاريخ القطار، وتدشين خطه من جديد على يد دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل.
ومنذ الاستيلاء الفعلي على قطار الفلسطينيين، لم تتوقف عمليات سرقة تاريخهم، وآخرها، محاولة سرقة متحف قلعة داود الأخيرة، التي تناهضها أية قراءة موضوعية لتاريخ قطار القدس-يافا، ومن بينها الصور التي ننشر بعضها مع هذه السطور.
وبينما كانت ادارة متحف القلعة تصدر كتابها عن قطار القدس، كان هناك في حيفا باحث شاب هو الدكتور جوني منصور، يسعى وراء اكمال بحثه عن الخط الحديدي الحجازي، الذي أصدرته مؤخرا مؤسسة الدراسات المقدسية (شقيقة مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت) تحت عنوان (الخط الحديدي الحجازي: تاريخ وتطور قطار درعا-حيفا).
وقدم الناشر تعريفا للكتاب، باعتباره “دراسة تاريخية مفصلة للخطوط الحديدية عامة في البلاد السورية وفلسطين، والخط الحديدي الحجازي خاصة، مع التركيز والتشديد على الخط الفرعي درعا-حيفا، والدور الذي لعبه في النهوض بالاقتصاد والعمران والادارة والسياحة في فلسطين”.
ومن اجل انجاز دراسته الرصينة، اعتمد منصور على مصادر متنوعة، لاحقها في عدة بلدان، من بينها العاصمة الأردنية عمان، للاطلاع على المستندات والوثائق والدراسات الخاصة بالخط الحجازي في مقطعه الأردني، ومتحف وأرشيف القطار في حيفا، وكذلك اعتماده على وثائق تركية حول الخط الذي سعت اليه الامبراطورية العثمانية والشمس تغرب عنها، لمحاولة مساعدة نفسها وانقاذها من مصير محتوم، ولكن تأثيرات الخط انعكست على ميادين كثيرة في حياة البلاد السورية آنذاك.
ومهد منصور لدراسته، بفصل عن (المواصلات في عالم متغير-القطارات نموذجا)، تطرق فيه الى بدايات الخطوط الحديدية ومساهمتها في تذليل الصعوبات في عملية نقل الحمولات وشحن البضائع، وآخر عن الخطوط الحديدية في الدولة العثمانية، والمواصلات في البلاد السورية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عندما كان التاجر يحتاج الى 12 يوما لقطع المسافة بين دمشق ويافا، معتمدا الدواب.
وتوقف منصور عند انشاء سكة حديد يافا-القدس، الذي بلغ طوله 87 كيلو مترا، وكانت سكة ضيقة مقارنة بالمقاييس المعمول بها في اطار انشاء ومد وتشغيل القطارات عالميا.
ويتطرق منصور الى أدوار لاعبين كثر في تاريخ خطوط سكة الحديد في فلسطين والبلاد السورية، مثل عائلة سرق البيروتية، التي حصلت على أول امتياز لمد سكة حديد من عكا الى دمشق عام 1882، وكان الهدف من هذا المشروع نقل محاصيل الحبوب من حوران الى أوروبا، عبر ميناء بحري مركزي، وهو ما يخدم مصالح العائلة الاقطاعية التي كانت، والسلطان عبد الحميد، يملكان معظم اراضي مرج بن عامر الخصبة، التي تسربت في النهاية الى طلائع المستوطنين اليهود.
ويخصص منصور جزء مهما من بحثه لمشروع سكة حديد الحجاز، وأهميتها البالغة آنذاك محليا واقليميا، ويبحث تفصيليا في خط درعا-حيفا، واستفادة المستوطنين اليهود من هذا الخط لتعزيز وجودهم في فلسطين.
ويضمن منصور كتابه، كثيراً من الوثائق والصور التي حصل عليها من ارشيفات متعددة، خلال رحلة بحثه، بالاضافة الى صور التقطها بنفسه، من بينها صورة لقطعة معدنية مزخرفة تحمل نقشا للقطار وهي ضمن درابزين النصب التذكاري لمحطة القطار الحديدي الحجازي في حيفا، والتي تبدو كأنها خارجة من زمن آخر، عندما يرى المرء النقش عليها الذي يشير الى أنها من صنع معمل عرداتي وداعوق في بيروت، كان ذلك في زمن لم تكن فيه مسافات بين مدينتي البحر الأبيض المتوسط.

http://www.alhayat-j.com/details.php?opt=3&id=70936&cid=1233