وتبقى آمال

1 07 2008

يتكيء الكاتب إبراهيم مهنا والمخرج سامي المتواسي، على حكاية واقعية، لصناعة مسرحيتهما (وتبقى آمال)، في عودة من المسرح الفلسطيني لتناول مواضيع واقعية، بعد نزوع هذا المسرح، وبشكل بدا متطرفا في كثير من الأحيان نحو المسرح التجريبي، وتناول مواضيع، فصلت بناء على شروط وطلب الممولين.
وتتناول المسرحية، قصة الشاب الفلسطيني خالد، الذي يعمل في قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية، بينما تعيش عائلته في قطاع غزة.
 ويرزق خالد بابنه يسميها (آمال)، وتصبح الشغل الشاغل له، يشتري لها دمى كثيرة، وينام ويحلم عله يتمكن ذات يوم من رؤيتها.
وخلال وجوده في إحدى مدن الضفة الغربية، يعيش التوغلات الإسرائيلية لهذه المدن، خلال انتفاضة الأقصى، والتي تتوج بالاجتياح الاسرائيلي الشامل في نيسان (أبريل) 2002، عندما قرر ارئيل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شن عملية عرفت باسم (السور الواقي) لتصفية خلايا المقاومة، ومحاصرة كنيسة المهد بمدينة بيت لحم، وارتكاب مجازر في مخيم جنين، ونابلس، ورام الله، وبيت لحم، وفرض حصار على ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية السابق.
ويحاول خالد الهروب، ليعود إلى ابنته، لكنه يتراجع، ليبقى مع رفاقه المنتشرين في الشوارع والزواريب، ويكون على اتصال بالهاتف مع عائلته، كلما تيسر له ذلك.
ويتمكن جنود الاحتلال من قتل خالد، في الوقت الذي يرن هاتفه النقال، ويجيء صوت أمه من بعيد لتسال عنه، ولكن الذي يجيب هذه المرة جندي إسرائيلي يقول لها “تريدين خالد؟ خالد مات..لقد قتلناه”.
هذه الحكاية الواقعية، نقلها مهنا والمتواسي، إلى المسرح، من خلال ديكور ثابت نسبيا، مرده على الأرجح فقر في الإنتاج، مع التخلص من بعض الأحداث الواقعية التي يمكن أن تكون شديدة الميلودرامية، مثل رد الجندي الإسرائيلي على والدة خالد بعد مقتله، مما افقد المسرحية بعض التأثير على الجمهور.
وحاول المخرج وضع الجمهور منذ البداية في أجواء الاجتياحات، ويصطدم الداخلون إلى المسرح، بوجود ممثلين يرتدون زي الجيش الإسرائيلي يحملون السلاح يقفون على مدخل المسرح، ثم يتجولون في القاعة.
ويحسب للمخرج إدارته لممثلين هواة، لا يشكل المسرح عملا ثابتا لهم، وبعضهم اعتبر مشاركته في المسرحية نوعا من العمل الوطني، وكذلك قدرته على تقديم الحكاية الواقعية بقالب فني، متخلصا من المباشرة، ومازجا بين الواقع والحلم، وتحمسه لنص واقعي، فيما اصبح يعتبر مغامرة، مهددا “سمعته الفنية” بعد أن ذهب المسرحيون الفلسطينيون بعيدا، مسلحين بكثير من الغرور، واموال الدعم الأجنبي، في عملية استعلاء غير مبررة عن الجمهور، الذي هجر المسرح، واصبح في كثير من المرات، يحضر العرض المسرحي جمهور عدده اقل من عدد الممثلين.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Culture/2008/6/344043.htm





توظيف الصوت الإسرائيلي لصالح الرواية الفلسطينية

1 07 2008

عندما تمكن القائد الأسطوري صلاح الدين الأيوبي، من دحر الصليبيين من القدس، لم يهنأ بنصره التاريخي كثيرا، وكان عليه أن يواجه هجمة صليبية جديدة، بقيادة الملك ريتشارد الذي عرف بقلب الأسد، الذي وصل إلى منطقة هامة غرب القدس تسمى اللطرون، واصبح يشكل تهديدا حقيقيا للمدينة المقدسة، ولكنّ ظروفا محلية ودولية آنذاك، لم تجعل قلب الأسد يسلب صلاح الدين نصره الثمين.
وفي ظروف مختلفة، وصل الإسرائيليون إلى اللطرون، بعد نصرهم السريع والمباغت في حزيران (يونيو) 1967، ومن دون تردد اتخذوا قرارا بهدم قرى اللطرون الثلاث: يالو، وبيت نوبا، وعمواس، وتهجير سكانها، لموقع هذه القرى الاستراتيجية، التي تشكل فاتحة الطريق من القدس إلى يافا قديما، وتل أبيب حاليا.
واراد الجنرالات الإسرائيليون، فرض وقائع على الأرض، لا يمكن تغييرها، حتى لو اضطر جيشهم للانسحاب ضمن اتفاقية لوقف إطلاق النار يمكن أن تفرضها الأمم المتحدة بعد الحرب التي احتلت فيها إسرائيل ما تبقى من الأرض الفلسطينية، ومعها أراض سورية، ولبنانية، وأردنية، ومصرية.
وخلال اشهر الاحتلال الأولى، تصدرت مأساة قرى اللطرون الأخبار العالمية، ولكن بعد 41 على تدميرها لم يعد يذكرها أحد، وبقي أهلها يعيشون مأساتها، في المخيمات والقرى التي لجأوا إليها.

وفي فيلم استغرق إعداده فترة طويلة، يعود المخرج الفلسطيني حنا مصلح، لطرح قضية القرى الثلاث في فيلمه (ذاكرة الصبار) من انتاج مؤسسة الحق الحقوقية.
ولم يكن الوصول إلى موقع القرى المهدمة بالنسبة إلى مصلح، أمرا سهلا، والتي تحولت إلى متنزه سياحي للإسرائيليين يطلق عليه (متنزه كندا) في حين أن قسما من أراضي هذه القرى شقت فيها الشوارع العريضة الموصلة إلى تل أبيب، وتم تدمير المواقع الأثرية القديمة.
ورحلة إخراج الفيلم، التي لم يتطرق لها مصلح، وخبرها مراسلنا، خلال لقاءاته العديدة معه، خلال عمله فيه، يمكن أن تكون موضوعا لفيلم آخر، ولكن مصلح أراد أن يعيد الاعتبار لحكاية امرأة من هذه القرى تدعى (أم ناجح)، التي تحلم كل ليلة بمنزلها وقريتها وبزوجها الذي اعدمه الإسرائيليون،وبوالدتها لتي لم يعرف مصيرها.
خرجت أم ناجح مع زوجها، وأطفالها الصغار، من قريتهم بقوة السلاح، واستنفار الجيش الإسرائيلي المنتشي بنصره الذي طلب من السكان الذهاب “إلى عند حسين” والمقصود العاهل الأردني الراحل الملك حسين الذي كانت الضفة الغربية تحت سيطرته.
وتركت ام ناجح والدتها المسنة انذاك (75) عاما، في المنزل، كي لا تتجشم عناء الرحيل، على امل العودة اليها مرة اخرى لجلبها، او التمني بان تكون رحلة اللجوء لعدة ايام قبل العودة النهائية الى المنزل والقرية.
وصلت أم ناجح وعائلتها إلى إحدى القرى الفلسطينية، لتنام هذه العائلة في العراء، ولعدم وجود أكل أو أموال، اقترح الزوج أن يعود إلى القرية، لجلب كميات من مخزون القمح، ويطمئن إلى والدة ام ناجح، ويعود، ولكنه لم يعد.
وفي اليوم التالي تعود أم ناجح إلى قريتها، في ظروف صعبة، ويقبض عليها الإسرائيليون، ويضعونها مع عدد من النسوة في سيارة شحن، وتتمكن من رؤية عملية إعدام نفذها الجيش الإسرائيلي بعدد من رجال القرية الذين قبض عليهم ومن بينهم زوجها، الذي لا يعرف أطفالها الصغار شكله، وكان عليهم أن ينشاوا، بعد رحلة تشرد وجوع، دون والدهم، ودون جدتهم التي فقدت،وعلى الارجح انها قتلت وبقيت تحت انقاض المنزل الذي هدمه الاسرائيليون.
ولم تتوفر لام ناجح أي صورة لزوجها لتريها لأبنائه، والصورة الوحيدة له، هي تلك الموجودة في الجيش الأردني، حيث خدم أبو ناجح في إحدى وحداته.
وخلال إعداده للفيلم، اصبح هم مصلح، هو التمكن من إحضار صورة الزوج الشهيد، من الأردن، في مسعى لتحقيق أمنية أم ناجح التي بخلت عليها الدنيا بالكثير.
ولكن ام ناجح، التي اعتمد مصلح، على حكايتها ليبني عليها الفيلم، ليست الضحية الوحيدة التي يقدمها الفيلم، الذي يتضمن مقابلات مع عدد من أبناء قرى اللطرون الذين يحيون سنويا، وخلال شهر رمضان من كل عام، ذكرى شهداء هذه القرى.
ونجح مصلح في تقديم الجيل الجديد من أبناء هذه القرى الذين بدوا متمسكين اكثر من أي وقت مضى بحلم العودة إليها، ورفضهم لأي تنازلات متوقعة من القيادة الفلسطينية عنها تحت مسمى “تبادل الأراضي”، كما تتحدث وسائل الإعلام عن ذلك بين الفترة والأخرى.
واعطى مصلح، في فيلمه مساحة لعدد من الإسرائيليين للتحدث، أبرزهم البروفيسور ايلان بابيه صاحب النظرية التي تقول بان تهجير الفلسطينيين عام 1948، لم يكن سوى تنفيذ لسياسة التطهير العرقي التي قررتها العصابات الصهيونية.ويقول بابيه “ان ما حدث لقرى اللطرون، ما هو إلا استمرار في سياسة التطهير العرقي، وهي جريمة ارتكبها الجنرالات والجنود، الذين أرادوا تنظيف القرى الثلاث من سكانها”.
ويقدم مصلح المصور الإسرائيلي الفوتوغرافي يوسف هوكمان، الذي تحدث  عما رآه خلال تشريد القرى وهدمها، ويمتلك هوكمان مجموعة من الصور التي توثق لعملية تشريد السكان الجماعية بأوامر من الجيش الإسرائيلي.ويقول هوكمان معلقا على هذه الصور “صورتهم وهم يسيرون بالآلاف طالبين ملاذا آمنا، إن هذه المشاهد لا تبعث على الارتياح أبدا”.
ويكشف هوكمان عن بقايا منزل عربي في هذه القرى تخفيه الأشجار الحرجية في متنزه كندا، الذي أقيم بتبرعات جمعتها الجالية اليهودية في كندا.
وينقل مصلح حوارات بين دليل سياحي إسرائيلي، ومجموعة من الشبيبة الإسرائيلية استقدمهم إلى المكان، ورغم محاولة إسرائيل تغطية جريمة هدم القرى، ببناء متنزه، وشق شوارع، وتدمير المنازل، إلا أن ما بقي من شواهد لا يجعل حتى الدليل الإسرائيلي يتهرب من الإشارة إلى انه كانت هنا ثلاث قرى “تشكل جزءا من الأردن التي هزمت في الحرب”.
وابرز هذه الشواهد هو نبات الصبار، الذي يهرع المتنزهون لاكل ثماره، وهم يعلمون بان من زرعه قتل أو شرد من هذا المكان بقوة السلاح.
وقال مصلح الذي لا ينفي تعاطفه مع مأساة القرى الثلاث، عن إفساحه المجال لإسرائيليين ليتحدثوا في فيلم مخصص لمأساة تسببت بها دولتهم “لم يكن تقديمي للأصوات الإسرائيلية في الفيلم مجانيا، وانما لخدمة الرواية الفلسطينية عما حدث لهذه القرى”.واضاف لمراسلنا “إن ما تحدث به الإسرائيليون في الفيلم يؤكد رواية أم ناجح، هذه الفلسطينية العادية، التي شردت من قريتها وفقدت والدتها وزوجها، ولم ينصفها العالم”.وتعيش أم ناجح الان في إحدى القرى القريبة من مدينة رام الله، وليس لها أمنية في هذه الحياة سوى أن تعود إلى قريتها لتدفن فيها، ولكنه حلم يبدو صعب التحقيق.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Cinema/2008/6/344282.htm