قلعة ال سمحان

6 06 2008

في الطريق إلى قرية راس كركر، غرب رام الله، تلوح من بعيد قلعة آل سمحان، على قمة جبل، وهي التي يطلق عليها السكان العلالي أو علالي سمحان وهي جمع علية وتعني، بالمفهوم الفلسطيني المحلي، وحدة معمارية تدل على مكانة صاحبها الاجتماعية، وتكتسب صفة العلالي مصداقية أيضا لموقع القلعة العالي المرتفع المطل على القرى المجاورة، وعلى أفق الساحل الفلسطيني، فتعيد الاعتبار لجغرافيا فلسطين الحقيقية التي مزقتها الاحتلالات والحروب والتقسيمات، وتفيد في فهم لماذا كان الموقع أحد ما يسمى قرى الكراسي، ومركز أحد معاقل شيوخ الجبال الفلسطينيين المتمردين الذين شكلوا قوة حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما تمكنت الحكومة العثمانية من توجيه ضربة قاصمة لهم، وأنهت بذلك، وبشكل مأساوي، تاريخا شديد الغنى والدرامية، بقيت شاهدة عليه عدة قلاع في الريف الفلسطيني، منها قلعة آل سمحان.

واعتبرت القرية التي كانت تسمى إلى عهد قريب (راس ابن سمحان) مركز آل سمحان، زعماء حزب قيس في جبال القدس، الذين خاضوا صراعا وتحالفات مع بقايا شيوخ قرى الكراسي على امتداد الهضبة الفلسطينية الوسطى، التي تسمى الان الضفة الغربية، وتضم جبال نابلس، والقدس، والخليل.
وانقسم شيوخ قرى الكراسي، إلى حزبي قيس ويمن، وهو تقسيم شهدته فلسطين في القرن التاسع عشر، على أساس المزاعم حول الأصول القبلية لسكان فلسطين العرب، وضم كل حزب، وفقا لهذا التقسيم الغريب مسلمين، ومسيحيين، ودروز، وبدو، وشركس، وتركمان.

وبالنسبة لال سمحان، فانهم تزعموا حزب قيس وساد نفوذهم في الجزء الشمالي من جبل القدس الذي كان يضم بني حارث، وبني زيد، وبني حمار، وبني مرة.

وشكل شيوخ الجبال ظاهرة هامة في تاريخ فلسطين، وكانت اشهر مراكزهم في قرية صانور (مركز آل جرار)، وعرابة (مركز آل عبد الهادي)، ودير غسانة (البرغوثي)، وقرية العنب (أبو غوش)..الخ.
وكان لهم دورا بارزا، في الصراع الفلسطيني الداخلي، والإقليمي، وحتى الدولي، وارتبطوا بعلاقات معينة مع لاعبين عالمين بارزين مثل بريطانيا وفرنسا، وامتد نفوذ بعضهم إلى مناطق آخر من بلاد الشام، وبعضهم ثار ضد إبراهيم باشا في أثناء حملته على بلاد الشام، والبعض الآخر تحالف معه.
وخاض هؤلاء صراعا قاسيا فيما بينهم واتخذ أشكالا عديدة على النفوذ، وتعرضوا للنفي والقتل، وبرزوا خلال الحرب الأهلية الطاحنة بين حزبي يمن وقيس.

وتكتسب القلعة أهمية لأنها أحد قلاع قرى الكراسي، القليلة التي بقيت في حالة جيدة نسبيا تشهد على جزء هام من التاريخ لفلسطيني في القرنين الثامن والتاسع عشر، وهو تاريخ لم يحظ باهتمام خصوصا من قبل الباحثين الفلسطينيين، وان كان تخصص به العديد من المستشرقين الجدد مثل الألماني الكسندر شولتس، الذي توفى مبكرا، وكان ذلك خسارة للدراسات الفلسطينية، وظلت دراساته عن ما اسماها التحولات الجذرية في فلسطين في القرن الثامن والتاسع عشر، ملهما ومرجعا لباحثين آخرين.

وفي عام 1981 زار المستشرق الألماني القلعة وكتب متأثرا مما رآه، وقدم تفسيرا لاسم راس كركر ومما كتبه شولتس “ما زال برج راس كركر، وقد زرته عام 1981، يترك انطباعا عميقا في النفس حتى الان، ويحكى في القرية أن كلمة كركر تشير برنينها إلى صوت الحجارة التي كانوا يجعلونها تكرّ إلى اسفل على المنحدر الصخري ضد الأعداء المهاجمين”.

وهو تفسير يعتبر اظرف بكثير من تفسير طرحه المؤرخ الفلسطيني مصطفى مراد الدباغ في موسوعته (بلادنا فلسطين)، حيث كتب الدباغ “كركر بمعنى أعاد الشيء مرة بعد أخرى. وكركر الرحى بمعنى أدارها. وكركر الضحك: اغرق، وتكركر الماء: تراجع سيله. والكركر طائر مائي”.

ولكن على الأغلب فان شولتس، والدباغ جانبهما الصواب في تفسير اسم القرية، التي كان اسمها راس ابن سمحان، حتى أربعينات القرن الماضي، عندما غير البريطانيون الاسم وأطلقوا عليها اسم راس كركر، وهو اسم الجبل المقامة عليه القرية.

راس كركر أو راس ابن سمحان، كانت مركز بني حارث، التي بلغ عدد قراها 18 قرية، وهي إحدى نواحي جبال القدس، كما كانت تعتبر، ولكنها الان إحدى قرى محافظة رام الله.

وارتبطت القرية باسم الشيخ إسماعيل سمحان (1818-1834م) الذي كان من ضمن شيوخ الجبال الذين أعلنوا التمرد على إبراهيم باشا عام 1834، في مغامرته الشامية الطموحة، وحاربهم القائد المصري، واسماهم الأشقياء، واعتبر الشيخ إسماعيل أحد أهم قادة التمرد، وحكم عليه بالإعدام، والحكايات المرتبطة باسمه ما زالت تتردد في القرية بين السكان، ويرجع صداها الجبال المحيطة التي أقيمت عليها مستوطنات يهودية.

ولكن الدباغ يورد معلومة مناقضة لذلك قائلا عن القرية وزعيمها “يقال لقرية راس كركر أيضا راس ابن سمحان، نسبة إلى آل سمحان من شيوخ القيس في جبال القدس الذين اتخذوا القرية هذه مقرا لهم في القرن الماضي، وقد عرفنا من زعمائهم الشيخ إسماعيل سمحان الذي أعلن ولائه للمصريين هو والشيخ ملحم اللحام والشيخ إبراهيم أبو غوش يوم استيلائهم على البلاد عام 1247هـ. ووصفت المحفوظات الملكية المصرية 1-189 أبا غوش والسمحان بأنهما كبار مشايخ جبل القدس”.

وعلى الأرجح فان الدباغ استنتج من الوصف الذي قدمه المصريون لابن سمحان انه أحد “كبار مشايخ القدس” انه دعم إبراهيم باشا، وهو غير صحيح، وليس هناك ما يؤكد انه غير رأيه وترك التمرد، لانه توفي في ظروف إشكالية، في نفس العام الذي أعلن التمرد فيه.

وينطبق حديث الدباغ على آل أبو غوش بشكل نسبي، الذين تمردوا في البداية على إبراهيم باشا، ثم تحالفوا معه، وكافأهم، بأكثر مما توقعوا، حيث تم تعيين الشيخ جبر أبو غوش (شقيق الشيخ إبراهيم)، حاكما للواء القدس، وضم لنفوذهم، المناطق التابعة لال سمحان، انتقاما من موقف الشيخ إسماعيل سمحان المناهض لإبراهيم باشا.

وبخلاف الدباغ، فان من أرخوا لتلك المرحلة (مثل إحسان النمر، وسعاد العامري، والكسندر شولش) يتحدثون بالتفصيل عن دور إسماعيل بن سمحان المحوري في الاجتماع الذي عقد في قرية بيت وزن عام 1834، وتم فيه إعلان التمرد على إبراهيم باشا، الذي أعلن الحرب عليهم واسماهم بالأشقياء وتقول الدكتورة سعاد العامري “تظهر كلمة الأشقياء بجميع البيانات الصادرة من إبراهيم باشا ضدهم”، وتقصد شيوخ الجبال المتمردين، الذين انتهى تمردهم بشكل دموي، حيث لاحقهم إبراهيم باشا وقتل بعضهم حتى في دمشق، كما حدث مع الشيخ قاسم الاحمد وأبنائه.

واختلف موقف حسين سمحان، ابن شقيق الشيخ إسماعيل، الذي تولى مكان عمه بعد مقتله، وهادن إبراهيم باشا، وما لبث، عام 1840 وبعد ضعف الحكم المصري، أن تحالف مع العثمانيين ضد الباشا المصري ابن محمد علي، الوالي الطموح.
وهذا التاريخ المثير لشيوخ الجبال، لم يبق شاهدا عليه سوى بعض القلاع ومن بينها قلعة آل سمحان، وهي مكونة من أربعة طوابق، بنيت في القرن الثامن عشر، مع الترجيح انه تم إضافة الكثير لها فيما بعد، وهي تقع على جبل يرتفع 650 مترا عن سطح البحر، ويطل الان على فلسطين المحتلة عام 1948.

وتضم القلعة احواشا، وسراديب، وساحات سماوية (مفتوحة)، وغرفا للحرس، ومسجدا، وغرف وبنايات تحيط بالاحواش، سكنها أهل القرية، الذين هجروا القلعة الان، وتمددوا في البناء خارجها.
ومن أهم مرافق القلعة، الطابق العلوي، خصوصا ما يعرف بعلية الشيخ، التي كان يستقبل فيها الشيخ ضيوفه، وتوجد أمام هذه العلية، ما يعتبر ترتيبات أمنية، مثل مسرب سري من الأعلى للأسفل، لسحب الماء أو الطعام أو الذخيرة، وفتحات كاشفة في الجدران، للاستطلاع، وكان يصب منها الزيت الحار على المهاجمين.

وفي القلعة أيضا آبار، وافران، ومخازن، تعاني جميعها الان من الإهمال، ومن تراكم النفايات في بعض أجزائها، وللقلعة عدة مداخل، وعلى الأرجح فان لكل مدخل استخدام معين، خضع للترتيبات الأمنية، وتوجد عدة نقوش على الجدران من أهمها ما نقش على المدخل الرئيس، بلغة مسجوعة هي خليط بين العامية والفصحى، تشير إلى أصول آل سمحان المصرية.

وتشكل قلعة آل سمحان الان، رمزا لملحمة الريف الفلسطيني في جبال فلسطين الوسطى، في مرحلة شديدة الثراء، والتي لم ترو بشكل كامل، وربما تحتاج إلى زوايا نظر مختلفة، للإحاطة بجوانب الملحمة المؤثرة.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2008/6/337408.htm

Advertisements




صراع على عش غراب

6 06 2008

تشتهر مدينة بيت ساحور، بكونها مدينة حقل الرعاة، لوقوع ما يعتقد انه الحقل الذي بشر فيه المجوس، الرعاة بولادة السيد المسيح عليه السلام، ولكنها تشتهر الان بكونها، إحدى نقاط التوتر بين المواطنين الفلسطينيين، والمستوطنين اليهود، والمرشحة لوقوع احداث عنف فيها. وخلال شهر أيار / مايو الماضي، اقتحمت مجموعات من المستوطنين بقيادة نادية مطر، زعيمة منظمة نساء بالأخضر اليهودية المتطرفة، اكثر من مرة، منطقة ( عش غراب ) الاستراتيجية شرق بيت ساحور، في محاولة لإعادة السيطرة على الموقع، الذي كان أخلاه جيش الاحتلال في وقت سابق.

واستخدم الإسرائيليون الموقع كمعسكر لجيشهم، بعد الاحتلال عام 1967، وأسموه معسكر (شيدما)، واصبح خلال انتفاضة الأقصى، أحد المواقع العسكرية الهامة بالنسبة للإسرائيليين. وعن تاريخ الموقع يقول يعقوب الأطرش الذي يسكن قبالة عش غراب “في عام 1965، وضعت الحكومة الأردنية، يدها على مناطق واسعة من أراضي المدن في الضفة الغربية، لإقامة معسكرات تدريب تستوعب المكلفين الذين سيؤدون الخدمة العسكرية، وكانت بيت ساحور من ضمن هذه المواقع، فتم اقتطاع ما مساحته 80 دونما من أراضى المواطنين في منطقة عشر غراب، وتم إنشاء معسكرا عليها، وتوزعت بركسات الجيش الأردني على هذه المساحة دون الإخلال بطبيعة الأرض”.

وحدث تغير جوهري بعد عام 1967، كما يشير الأطرش “بعد سقوط الضفة الغربية بأيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، وضع الاحتلال الجديد يده على المعسكرات في الضفة الغربية، وباشرت سلطات الاحتلال بإدارة الأراضي المحتلة منها، أما فيما يتعلق بعش غراب، فقد وضعت إسرائيل يدها على جميع محاور جبل عش غراب والأراضي المتاخمة له، ومنعت أعمال البناء بالقرب من المكان، وأصبحت مساحة المعسكر، في طرفة عين 450 دونما، تم تسييجها بالأسلاك الشائكة”.

وبالقرب من هذا المعسكر أقيمت مستوطنات يهودية، وشقت شوارع لخدمة المستوطنين، وربط كثير من المستوطنات بالقدس، حتى عام 2000، فمع اشتعال انتفاضة الأقصى، اصبح هذا المعسكر، قاعدة لقصف منازل المواطنين في بيت ساحور، مما أدى إلى تدمير عدد من المنازل وتهجير سكانها ومن بينهم عائلة يعقوب الأطرش، ومنه تم ارتكاب أول عملية اغتيال في انتفاضة الأقصى، التي كان ضحيتها الشهيد حسين عبيات وامرأتان من المارة.
وأدخلت سلطات الاحتلال تحصينات على المعسكر، وتحول إلى قلعة عسكرية، وخلال أعمال تحصين المعسكر وقعت مفاجأة مثيرة في وسط أجواء الانتفاضة، ففي أثناء حفر منصة إطلاق للدبابات، تم اكتشاف مقبرة بيزنطية محفورة في الصخر، يوجد داخلها عدة قبور مستطيلة متوازية حفرت في الحجر الكلسي، وعثر في إحداها على هيكل عظمي لإنسان وثلاثة قناديل فخارية سليمة عليها كتابة باليونانية.

وكشفت المقبرة من قبل جندي من سلاح الهندسة، وهو يعمل على إنشاء منصة إطلاق للدبابة، حين لاحظ عندما جرف كمية تراب كبيرة وجود فتحة مستطيلة وسط التراب، وفوجيء عندما نظر بداخلها بوجود درج يقود لمغارة ارتفاعها اكثر من مترين. وتم استدعاء عالم الآثار شاجر بص، المسؤول الإسرائيلي عن الآثار في الضفة الغربية واعتبر أن الاكتشاف مهم جدا وقال بان هذه المقبرة بقيت مغلقة طوال 1500 عام، وعمليا فان الزمن فيها توقف، حتى تم العثور عليها، واعتبر أن هذه الحقيقة ستتيح لعلماء الآثار معرفة الكثير من عادات الدفن في الفترة البيزنطية.

ولم يسمح الجيش الإسرائيلي للأثرين الإسرائيليين، إجراء حفريات في المنطقة، في تلك الظروف التي كانت فيها الانتفاضة تتصاعد، وما عثر في هذا القبر رحل إلى المخازن الإسرائيلية المختصة. وحول ذلك يقول الأطرش “في عام 2000، وبعد أن دمرت قوات الجيش الإسرائيلي الأحياء الفلسطينية القريبة من المعسكر، بدأت الجرافات الإسرائيلية تتحرك ضمن مخطط جديد، ففي البداية دمرت جميع البركسات التي بناها الأردنيون، ثم تم تجميع المعدات والقوات داخل ثكنة عسكرية محصنة، وشملت عملية التجريف الواسعة، قمة جبل عش غراب، وتم بناء سواتر ترابية بطول اكثر من عشرة أمتار، وبنيت داخل هذه السواتر ممرات واستحكامات من الاسمنت المسلح”.

ويضيف “في أثناء عمليات التحصين الواسع للمعسكر، برزت أمام سلطات الاحتلال قضية مهمة هي الآثار المسيحية في الموقع، فتم تدميرها بالكامل، وللتغطية على هذا الأمر، نشرت الصحف الإسرائيلية خبر اكتشاف القبر البيزنطي، وبان الإسرائيليين حافظوا عليه بعد اكتشافه”. وفي تحرك غير متوقع، اعتبر سابقة، غادر جنود الاحتلال المعسكر فجأة يوم 20 نيسان (أبريل) 2006، وسحبوا معداتهم إلى معسكر أخر للجيش بالقرب من إحدى المستوطنات، دون معرفة سبب ذلك.

وفاجأ الانسحاب الإسرائيلي من المعسكر جمهور المواطنين وكذلك السلطة الفلسطينية، التي لم ينسق معها الانسحاب. وأدى هذا الانسحاب إلى إرباك الفلسطينيين، فأجهزة السلطة لم تعرف ماذا تفعل خصوصا وان المعسكر يقع في مناطق ذات سيادة وسيطرة إسرائيلية كاملة، في حين هرع المواطنون بعد استيعاب المفاجأة إلى المكان، ومعظمهم يدخله لأول مرة، ليتعرفوا على هذه القلعة العسكرية التي طالما ذاقوا ويلاتها.

وما حدث في الأيام التالية للانسحاب الإسرائيلي، كان مقلقا للفلسطينيين، حيث عمد عشرات من الشبان العاطلين عن العمل، إلى المعسكر لتفكيك ما يمكن حمله لبيعه لتجار الخردوات، الأمر الذي طرح أسئلة أخلاقية كثيرة. وفي الأيام الأولى للانسحاب الإسرائيلي من المعسكر كان يمكن رؤية بعض المعالم الأثرية في المكان، مثل القبر البيزنطي الفريد، ولكن الفوضى، ومنقبي الآثار غير الشرعيين أحدثوا تدميرا لأجزاء منه وكذلك آثار أخرى هامة، من بينها آبار مياه محفورة في الصخر، وإشارات واضحة تركها على الصخور الذين سكنوا في المكان، في زمن غير معلوم.

وتوجد في الموقع أقنية محفورة في الصخر، وبقايا معاصر زيت منقورة في الصخور أيضا، وهناك مؤشرات مؤكدة على وجود مغر محفورة في الصخور، ويستدل على ذلك مما يبرز من النحت في مداخلها. وعندما أفاقت مؤسسات السلطة، على ما يجري في منطقة عش غراب، كان الأمر قد فات، ولم يدر بخلد أحد، أن الموقع المهمل، سيعود إلى واجهة الأحداث من جديد، إلا في الخامس عشر من شهر أيار (مايو) 2008، عندما اقتحمت مجموعة من المستوطنين المنطقة، ووضعت حجر الأساس لمستوطنة جديدة باسم (شيدما).

وحاولت مجموعة من الفلسطينيين التصدي للمستوطنين، ولكن جنود الاحتلال الذين وفروا حماية للمستوطنين اعتدوا على الفلسطينيين. وقالت زعيمة المقتحمين نادية مطر بان الهدف هو توجيه رسالة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش الذي كان وصل إلى إسرائيل، ليلقي خطابا في الكنيست. وأشارت بان إعادة احتلال المكان، هو للفت نظر بوش، لكي يدعم الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وفي الواقع فان بوش لم يكن يحتاج لهذه اللفتة من مطر ومجموعتها التي بلغت 100 مستوطن ومستوطنة، فهو تعهد أمام المشرعين الإسرائيليين بالوقوف معهم ليس فقط ضد من اسماهم الإرهابيين الفلسطينيين، ولكن ضد أي خطر يواجه إسرائيل خصوصا من جانب إيران، معتبرا أن السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي سيكون “خيانة لا تغتفر”.

وقال بوش، وسط التصفيق الحار من أعضاء الكنيست “الولايات المتحدة تقف معكم للقضاء على الشبكات الإرهابية وحرمان المتطرفين من أي ملاذ”، مضيفا أن “شعب إسرائيل قد يزيد على سبعة ملايين نسمة بقليل لكن عندما تواجهون الإرهاب والشر فسيكون عددكم 307 ملايين لأن أميركا إلى جانبكم”.

وهناك في عش غراب كانت نادية مطر تقول للصحافيين، الذين لم يقتنعوا بمسالة لفت انتباه بوش، مشددة “سنستمر في النضال، نريد العودة واحتلال أرض هذا المعسكر لمنع الفلسطينيين من الإقامة فيه”. ولم يملك المسؤولون الفلسطينيون الذين عجزوا عن استغلال فرصة انسحاب الجيش الإسرائيلي من المكان، لإعادة تأهيله، وسد الفراغ الذي أحدثه خروج الجيش منه، إلا إصدار البيانات المنددة بتصرف المستوطنين، واعتبروا أن اقتحام المستوطنين للمكان يكشف عن ما أسموها “حقيقة النوايا الإسرائيلية التي تأتى في إطار سياسة عامة تعزز الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية”.

أما محترفو إصدار البيانات من الفصائل السياسية فوجهوا، كما يفعلون، دائما نداء للقيادة الفلسطينية والوفد المفاوض لوقف المفاوضات مع إسرائيل، ودعوا الجهات الراعية للعملية السلمية الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات على الأرض الفلسطينية. وفي يوم الجمعة الماضي 30 أيار (مايو) عاود المستوطنون اقتحام منطقة عش غراب، وتركوا على ما تبقى من جدران في المعسكر شعارات تشير إلى هدفهم، وهو بناء مدينة استيطانية، تصل بين مجموعات من المستوطنات جنوب القدس، مع مستوطنة هار حوما (جبل أبو غنيم) التي طرحت الحكومة الإسرائيلية قبل أيام عطاءات للبناء فيها.

وهذه المرة، لم يتحرك أحد لمواجهة المستوطنين، سواء من المواطنين المحبطين والذين يعرفون أن بناء مستوطنة جديدة في منطقة عش غراب الاستراتيجية، سيهدد وجودهم، أو من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية، أو الفصائل التي لم تتحرك لإصدار بيانات تنديد مثل كل مرة.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/6/337254.htm