41 عاما وزهرة المدائن اسيرة

3 06 2008

قبل 41 عامًا، ترك ما تبقى من القدس، المعروف باسم القدس الشرقية، ليواجه مصيره، في لحظة درامية مثيرة في تاريخ المدينة.
بعد ساعات من الحرب التي أطلق عليها إعلاميًا حرب الأيام الستة، واسماها المقدسيون حرب الساعات الست، كان الجيش النظامي الإسرائيلي يحتل المدينة، بعد تغلبه بسهولة، على بعض جيوب المقاومة، وحتى الآن لم يجر أي تحقيق حول ما حدث في تلك الساعات التي أطلق على نتائجها اسم النكبة، ليضاف مصطلح جديد إلى القاموس السياسي العربي، ولتمييزها عمّا حدث في عام 1948 الذي اسمي النكبة.

وفي حين بدأت الجرافات الإسرائيلية على الأرض، تغير من معالم البلدة القديمة، وتدمر حارة المغاربة على رؤوس سكانها، لتوسيع الساحة أمام حائط البراق (المبكى)، كان السياسيون يسابقون الوقت للإحتفاظ بالقدس “عاصمة موحدة لإسرائيل”، حتى لو أجبر وقف إطلاق النار والتدخل الدولي، الدولة المحتلة على التراجع عمّا حققته في الحرب.
كانت القدس بالنسبة إلى الإسرائيليين الخطأ الذي لا يغتفر منذ عام 1948، عندما لم تتمكن العصابات الصهيونية من ضم القسم الشرقي من القدس إلى حدودها مثلما فعلت بالقدس الجديدة، غرب المدينة القديمة، التي أصبحت تعرف باسم القدس الغربية.
وقال موسى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك باستخفاف “ما فعلناه ببساطة هو توحيد شطري القدس- العاصمة المقسمة لإسرائيل. إننا عُدنا إلى أقدس مقدساتنا لئلا ننفصل عنها مرة أخرى”.
كان النجاح السهل في الحرب، انتصارًا لمنطق الجنرالات الإسرائيليين، الذين هددوا رئيس الوزراء ليفي اشكول بانقلاب عسكري المتردد بدخول الحرب، وقال له ارئيل شارون “لديك أقوى جيش يهودي منذ زمن الملك داود، فلماذا تخشى الحرب؟”.
وبعد سقوط بلدة القدس القديمة، ورفع العلم الإسرائيلي على قبة الصخرة، دخل موسى ديان وزير الدفاع الذي جيء به، على غير إرادة رئيس الوزراء أشكول، برفقة اسحق رابين رئيس الأركان، لتسلم المدينة التي كانت لا تزال تئن من الجراح.
واصطحب ديان، والده الروحي دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، المعتكف في صحراء بئر السبع ليرى ما حققه الأبناء، وفي حارة المغاربة، غلبت العواطف مؤسس إسرائيل الاسطوري، فعمد إلى نقش عربي على حائط البراق، وانتزعه بغضب ورماه أرضًا، دون أن يأبه لأن يسجل عليه مثل هذا التصرف النزق.
وبدا الإسرائيليون وكأنهم يتحدون العالم، بينما العرب يعولون، على تحرك من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لفرض وقف لإطلاق النار، واجبار إسرائيل على التراجع، كما حدث في حرب السويس قبل ذلك بعشرة أعوام.
وفي العشرين من حزيران (يونيو) 1967، بعد اقل من ثلاثة أسابيع على الحرب أجلت الحكومة الإسرائيلية اجتماعًا كان مخصصًا لبحث التصديق على ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بضم القدس المحتلة للاحتلال الجديد وتوحيد القدس قانونيًا، بعد ورود برقيات من وزير الخارجية الإسرائيلي آبا ايبان الذي كان موجودًا في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خشية أن تؤثر قرارات الضم على جهوده الدبلوماسية لمنع اتخاذ قرارات دولية بشأن الاحتلال الجديد للأراضي العربية ولامتصاص الغضب الدولي حول ذلك، ومحاولة منع صدور قرارات تتعلق بانسحابات من الأراضي الجديدة المحتلة، وكان لدى ايبان إصرار على عدم تكرار ما أطلق عليه في إسرائيل (هزيمة سياسية) مثل تلك التي لحقت بإسرائيل عام 1956م مع العدوان الثلاثي الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر.
ولكن جنرالات إسرائيل المأخوذين بنشوة الانتصار السريع والسهل، لم يستجيبوا لطلبات آبا آيبان والحكومة الأميركية، بعد ذلك بثمانية أيام، بتأجيل سن تلك القوانين كي لا يتم توسيع المعركة الدبلوماسية والسياسية، ورفضوا الخضوع لما رأوه “ضغوطًا دولية” وهكذا تم ضم القدس المحتلة يوم 28/6/1967م، بعد أن عرضت في اليوم السابق مشاريع قوانين الضم على الكنيست للمصادقة.
وعقدت جلسة الكنيست تلك يوم 27 حزيران في الرابعة عصرًا، في ظل أجواء متداخلة من النصر والارتباك، وكأن أعضاء الكنيست مجموعة من اللصوص يريدون الإسراع بأقصى ما يمكن في اتخاذ ذلك القرار التاريخي والمصيري بضم القدس، والفوز بغنيمتهم قبل أن يتنبه صاحب الأرض المسروقة، ويستعد لاسترداد ما فقده أو حتى المطالبة بها أو حتى قبل أن يصحو على حقيقة فقدانه لأرضه.
وهكذا عقدت تلك الجلسة دون اتباع الأصول القانونية المتبعة في دولة إسرائيل والتي تلزم الحكومة بالإعلان عن نيتها بإحالة مشاريع إلى الكنيست قبل 48 ساعة، وتنازل أعضاء الكنيست المحبون للكلام عن النقاشات المطولة، وحتى وزير العدل الذي تحدث باسم الحكومة عدل عن خطاب مطول كان قد أعده بالمناسبة، وتحدث بشكل عملي ومختصر، وبناء على طلب ممثلي الحكومة تم إنهاء النقاش سريعًا كي لا تتم إثارة حفيظة المجتمع الدولي على قرار ضم القدس المحتلة لإسرائيل، وولدت “القدس الجديدة الموحدة عاصمة إسرائيل” بما يسميه بعضهم “مؤامرة دبرت في ليل مظلم”.
 

وحتى بعض أعضاء الكنيست كانوا مدركين لذلك وعبر عن ذلك بصراحة النائب العيازر شوسنال الذي لم ير مبررًا لكل تلك السرعة معتبرًا انه ليس هناك ما تخشاه إسرائيل وتستعجل إقرار هذه القوانين وكأنها مثل “اللص في الليل”.
وفيما اعتبر كأنها لمحة بصر، وبعد قرارات الضم الجديدة، تضاعفت مساحة القدس التي في أيدي الإسرائيليين، فقبل تلك القرارات كانت مساحة القدس الغربية (37200) دونما وبعد قرارات الضم تضاعفت مساحة القدس ثلاث مرات بعد إضافة (69990) دونما لمساحتها.

وبعد 41 عامًا من الاحتلال، فإن مساحة القدس الكبرى التي تديرها سلطات الاحتلال، لا يمكن معرفة مساحتها قط، فهي تمتد من مدينة معالية ادوميم الاستيطانية من الشرق، إلى مستوطنة شيلو في الشمال، إلى مجمع كفار عتصيون الاستيطاني في الجنوب، وهي بهذا تشكل اكثر من ثلث الأراضي التي احتلتها عام 1967، وتمتد على أراضي المدن الرئيسة في الضفة الغربية مثل بيت لحم، وأريحا، ورام الله، ونابلس، وتجعل من هذه المدن مجرد جيوب صغيرة في ثنايا خارطة القدس الكبرى.
وبعد 41 عامًا من العمل الإسرائيلي الدؤوب والصاخب، لم تنته إسرائيل من رسم خارطة القدس بشكل نهائي، والتي تريد أن تجعلها في القلب من فلسطين التاريخية الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وتمكنت من جعلها اكبر المدن من حيث عدد السكان في إسرائيل.
وبعد 41 عامًا من احتلال القدس، لم تتمكن الشرعية الدولية من تنفيذ قراراتها وما أكثرها التي صدرت تنديدا باحتلال المدينة المقدسة.
ولكل هذه الأسباب، فإن لدى إسرائيل الكثير لتفخر به، فهي تنهي احتفالات استمرت عامًا بمناسبة الذكرى الأربعين لاحتلال القدس، لتبدأ احتفالات جديدة، وأطلقت سلسلة فعاليات فرحًا بهذه المناسبة، ونظمت اليوم الاثنين، المسيرة التقليدية، التي يشارك فيها كل عام الاف الإسرائيليين الذين يسيرون في شوارع القدس، وتعرف باسم مسيرة الأعلام، والتي انتهت عند حائط البراق الذي تجري بجانبه حفريات إسرائيلية مكثفة.
وستستمر هذه الفعاليات حتى يوم الخميس المقبل، وتشمل مسيرات، وحفلات استقبال، وعروض فنية وموسيقية، وأعلنت شرطة القدس حالة التأهب القصوى، وانتشر آلاف من رجالها في المدينة، خشية وقوع أعمال مقاومة ينفذها فلسطينيون.
وبهذه المناسبة، أعلنت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية أن عدد سكان المدينة وصل إلى سبعمئة واثنين وخمسين ألف نسمة، يشكلون نحو 10% من سكان إسرائيل.
وحسب هذه الإحصائية الإسرائيلية التي تشمل شطري القدس، فإن اليهود يشكلون 64% من سكان القدس، بينما يشكل المسلمون 33%.
ولم تخلُ مناسبة احتلال القدس، من توجيه إسرائيل رسائل بالغة القسوة، حيث أعلنت عن طرح عطاءات لبناء 800 وحدة سكنية في مستوطنتي جبل أبو غنيم (هار حوما)، جنوب القدس، وحزما (بسجغات زئيف) شمال القدس.
وكما هو معتاد، فإن القرار قوبل بانتقادات في العالم العربي، واعتبر حسام زكي الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية ذلك بأنه “بمثابة طعنة للأمل في تسوية سلمية عاجلة للقضية الفلسطينية”، ومثله فعلت السلطة الفلسطينية التي دعت الولايات المتحدة الأميركية باتخاذ موقف حازم إزاء القرار الإسرائيلي الجديد، لكن ذلك لم يحل دون إلتقاء رئيس السلطة أبو مازن بايهود اولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ورئيس بلدية القدس السابق، الذي اتخذ عشرات القرارات من اجل تهويد القدس ولا يزال.
أما سكان المدينة، الذين يعرفون معنى أي توسع استيطاني يهودي جديد، فلا يكلون عن إطلاق صرخات الإغاثة، ومنها دعوتهم لرجال الأعمال العرب للاستثمار في القطاع الإسكاني في القدس، فالعرب يحتاجون الان وبشكل عاجل إلى ما بين 35-40 ألف وحدة سكنية، وخلال عشرة أعوام سيحتاجون إلى 80 ألف وحدة سكنية، وعدم وجود مسكن للشباب المقدسيين أحد العوامل الذي يجعلهم يهاجرون، مما يعني زيادة عدد اليهود الإسرائيليين ونقص عدد العرب.

 http://www.elaph.com/ElaphWeb/AkhbarKhasa/2008/6/336415.htm

الإعلانات