رونالد كوهين، الدور الغامض

30 05 2008

سيبدو الأمر للوهلة الأولى غريبا بعض الشيء، كيف يمكن لرجل يقف على رأس شركة رأسمالها 35 مليار دولار، أن يحد الوقت ليمضي أياما طويلة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية لأهداف معلنة ولكنها تبقى مبهمة، وتفتح المجال على أسئلة كثيرة؟ ولكن هذا هو حال الثري البريطاني اليهودي رونالد كوهين، الذي ظهر في الاحتفالات الصاخبة التي نظمتها إسرائيل في الذكرى الستين لتأسيسها، مطلقا تصريحات علنية لشبكات التلفزة، حول ابتهاجه بالمناسبة، وبنجاح المشروع الإسرائيلي، وبعد أيام كان كوهين متحدثا رئيسا، إلى جانب شخصيات عالمية مرموقة في افتتاح مؤتمر فلسطين للاستثمار، الذي عقد على مدى ثلاثة أيام في مدينة بيت لحم.

ومنذ نحو أربع سنوات، ينشط كوهين فيما يخص الصراع العربي-الإسرائيلي، وتعاظم دوره، خصوصا في الشان الداخلي الفلسطيني خلال العام الأخير، بشكل يتجاوز كثيرا صفته كرجل أعمال. فكيف قطع رونالد كل هذه المسافة من بدايته المتواضعة في بريطانيا، ليصبح أحد أثرياء العالم، وواحد من ابرز المؤثرين في السياسة البريطانية، وصولا إلى ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟

لا ينس رونالد كوهين أبدا، مكان نشاته، ودائما ما يذكره، سواء إذا كان بين أصدقاء عرب أو يهود، فهو ابن لعائلة يهودية من حلب، ولد في القاهرة، وعندما كان عمره 11 عاما، غادر مصر، بسبب ما يصفها سياسة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ضد الأجانب واليهود. ويحلو لكوهين أن يكرر كيف أن عائلته وجدت نفسها فجأة معلقة في الهواء، لا تملك سوى عشر جنيهات مصرية، ولم ينقذها إلا حمل أمه سونيا، لجواز سفر بريطاني، سهل دخول العائلة إلى بريطانيا، وليبدأ من موطنه الجديد رحلة عصامية أوصلته فيما بعد ليكون أحد ابرز المؤثرين في السياسة البريطانية.

ويرسم كوهين صورة، شديدة التأثير عن ذلك الطفل الذي كانه، وطرد مع عائلته، عقب أزمة السويس، وهو يحمل بين يديه البوم الطوابع الذي كان يعني له الكثير ويعتبره “كنز طفولته”. وقد لا تتوفر معلومات كثيرة عن تفاصيل حياة كوهين، التي حولته من طفل معدم أو لاجيء، حسب تعبيره، إلى رجل الأعمال الذي تتناثر المليارات بين يديه، وان كان يعزوها إلى عصاميته.

ومما كشفه كوهين نفسه، انه وصل بريطانيا، ولم يكن يتحدث الإنجليزية، بل الفرنسية والعربية، وبسبب بروزه في لمدرسة وذكائه، التحق بجامعة أكسفورد، وتابع دراسته، في كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد. وفي وقت لاحق وضع كوهين كتابا اسماه (الارتداد الثاني للكرة: تحويل المخاطر إلى فرص) تحدث فيه، مستوحيا بعض مما يحدث في عالم الكرة، عن كيفية صنع راس المال في عالم التجارة، والأسواق المالية.

ويشبه، كوهين رجال الأعمال الناجحين، بالرياضيين المميزين، الذين يعرفون، اين سيكون الارتداد الثاني للكرة، وبالنسبة لرجال الأعمال، فان هذا الارتداد الثاني ما هو إلا الفرصة الثانية، التي يجب على الواحد منهم اقتناصها، حتى وان اكتنف ذلك الكثير من المغامرة. وما نعرفه الان عن كوهين، هو مكانته كقيادي في مؤسسات اليهود البريطانيين، وكونه جزءا من اللوبي اليهودي المؤثر في سياسة حزب العمال البريطاني، وكأحد ابرز الشخصيات اليهودية في بريطانيا، والذي يرتبط برئيس الوزراء البريطاني غوردن براون بأوثق الصلات، وبصفته رجل الأعمال الذي تتوزع نشاطاته إلى نحو 350 مشروعا في مختلف المجالات التي قد تخطر على البال.

وكوهين متزوج من شارون هاريل، وهي زوجته الثالثة، وقد لا يكون ذلك مهما، بمقدار معرفة هويتها فهي إبنة يوسي هاريل، أحد رموز الحركة الصهيونية، والعضو البارز في العصابات الصهيونية التي نشطت قبل تأسيس إسرائيل. وفي الأدبيات الصهيونية، يحتل هاريل مكانة مهمة بصفته، من قاد سفينة (إكزودوس) التي كانت تحمل يهودا نجوا من المحرقة النازية (الهلوكوست)، ووصل بها إلى فلسطين.

ولم تكن قيادته لهذه السفينة، التي تحولت إلى رمز في كثير من الأعمال الأدبية والفنية والتاريخية الإسرائيلية، إلا جزء من جهوده خلال الحرب العالمية الثانية، في نقل نحو 30 ألف يهودي من أوروبا إلى فلسطين، ويمنح بعض من أرخوا لسيرة هاريل، له الكثير من الفضل في تأسيس إسرائيل، معتبرين قيادته للسفينة إكزودوس، بنجاح إلى ميناء حيفا، من مارسيليا وعلى متنها آلاف اليهود بمثابة ولادة للدولة العبرية.

وهاريل أيضا من شخصيات جهاز الموساد الإسرائيلي الشهيرة، ولعب أدوارا أخرى بعد تأسيس دولة إسرائيل، وعاش تسعين عاما، وتوفي في شهر نيسان (أبريل) الماضي. ويحمل كوهين لقب السير، وتأثيره لدى قمة الهرم السياسي في بريطانيا معروف إلى حد بعيد، خصوصا داخل بريطانيا، وهو أحد الممولين الكبار لحزب العمال، وفي عام 2004 جاء في المرتبة الرابعة في قائمة الداعمين الكبار لهذا الحزب، وفي العام التالي 2005، وضع كوهين كل ثقله خلف غوردون بروان، واصبح الممول لحملته من اجل الوصول إلى زعامة الحزب، وهو ما حدث، واصبح براون الان رئيسا للوزراء، لذا فليس من المستغرب أن يظهر اسم كوهين في كثير من التحليلات الصحافية بصفته أحد المؤثرين البارزين على براون، الذي يحظى برضى من أصحاب القرار في إسرائيل وكذلك من المجموعات اليهودية في المملكة المتحدة.

وعندما عين براون، سيمون ماك دونالد، سفير بريطانيا السابق لدى تل أبيب، الذي يعتبر صديقا لإسرائيل، وفقا للقاموس الإسرائيلي-اليهودي، كمستشار له للشؤون الخارجية، اتجهت الأنظار إلى كوهين، بصفته عراب هذا التعيين وتعيينات أخرى عززت مكانة الشخصيات اليهودية في مراكز صنع القرار والمستشارين حول براون.

واحتفى لوبي (أصدقاء إسرائيل) في حزب العمال البريطاني، والمجموعات اليهودية في بريطانيا، وأصحاب القرار في إسرائيل، بوصول براون إلى السلطة، وزاد ذلك من مكانة كوهين، الذي لم ينجح فقط في ما يتعلق ببراون، ولكن أيضا بصديقه توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، الذي اصبح، مبعوثا للجنة الرباعية في الشرق الأوسط، وبدا أن بلير الذي قبل ما اعتبر منصبا متواضعا، مقارنة بمنصب رئاسة وزراء بريطانيا، يتابع مهمة سياسية، رسمها له السير رونالد كوهين.

وهذه المهمة يعتبرها كوهين تستهدف دعم فريق الاعتدال في السلطة الفلسطينية، بقيادة رئيسها محمود عباس (أبو مازن)، ورئيس وزرائه سلام فياض، في حين ينظر إليها مراقبون هنا أنها تهدف إلى زيادة عمر الاحتلال، وتحول القضية الفلسطينية إلى أزمة يتم إدارتها بمسكنات، ويطلع بذلك الان، بنجاح منقطع النظير، رجال مثل بلير.

وكما لو أن دور كوهين في السياسة الداخلية البريطانية، لم يعد كافيا له، فخطا خطوة علنية كبيرة إلى الخارج، قبل أربعة أعوام عندما أعلن تشكيل مؤسسة (بورتلاند ترست)، كمؤسسة غير ربحية، تهدف إلى تعزيز المسيرة السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عبر الاقتصاد، وهو ما قال كوهين بأنه يؤمن به كثيرا.

ودور هذه المؤسسة، ليس متواضعا، كما قد يبدو للوهلة الأولى، فهي تمكنت من إبرام شراكات واسعة، مع مؤسسات وشركات ودول مثل الاتحاد الأوروبي، والحكومة البريطانية، ومؤسسات عالمية مرموقة ومؤثرة مثل البنك الدولي. وفيما بدا ن كوهين ومؤسسته يعملان ضمن منظومة اكبر ذات رؤية اشمل، أطلق غوردون براون تصريحا خلال حفل عشاء ضم أعضاء البرلمان البريطاني من اليهود، أعرب فيه عن استعداد حكومته للتعاون مع بورتلاند، لإطلاق ما اسماها خريطة طريق سياسية وخريطة طريق اقتصادية.

ولم يتوقف كثيرون لتصريح براون، ليدركوا الدور الذي يلعبه كوهين، في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وان كان هذا الدور لا يغضب إسرائيل، بل يأتي لمصلحتها، وإطالة عمر احتلالها للأراضي الفلسطينية المحتلة، وجعله مقبولا للعالم وللفلسطينيين أنفسهم، لكن ما يقلق هو دور كوهين في صناعة القرار الفلسطيني. وعندما انتقل كوهين من القدس، بعد مشاركته في احتفالات تأسيس دولة إسرائيل، إلى مدينة بيت لحم للمشاركة في مؤتمر فلسطين للاستثمار، بدا كأحد ابرز نجوم المؤتمر.

وخصصت له كلمة خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، التي تولى عرافتها صديقه توني بلير، الذي لم يبخل على كوهين بإسباغ صفات عديدة جميلة عليه، مشيدا بجهوده. أما كوهين فثمن ما اسماها علاقة العمل التي جمعته منذ أربع سنوات مع الدكتور سلام فياض، ووصفها بالمثمرة، وعرض لنظريته تجاه حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني دون أن يسميه هكذا وانما اختصره بما وصفها أعمال عنف، يمكن التغلب عليها بالاقتصاد.

وقال كوهين “اعتقد بان الاقتصاد هو الذي يحقق السلام، ولنأخذ مثلا النزاع في ايرلندا الشمالية، بعد أن تحقق السلام هناك، بفضل جهود صديقي بلير، وتحسنت الظروف الاقتصادية، وانخفضت معدلات الفقر والبطالة، خف العنف”. واضاف “أنا لا أقول بان الاقتصاد هو العامل الوحيد في هذا المجال، ولكنه العامل الجوهري، وأنا اعتقد بوجود فرصا استثمارية كبيرة في فلسطين، ستؤدي إلى خفض معدلات العنف”.

وتحول كوهين، إلى شخص يروج للاقتصاد الفلسطيني، المدمر بفعل الاحتلال، والملحق بإسرائيل، من اجل تخفيض ما يسميها معدلات العنف.
وبدا كوهين يتحدث بحماسة بخصوص المناخ الاستثماري في فلسطين، وكأنه يتحدث عن اقتصاد دولة أخرى متقدمة مستقلة قائلا “الاقتصاد الفلسطيني مثل الزنبرك، مضغوط الان، ولكنه مستعد أن يقفز، وأنا أؤكد بأنه يستطيع أن يحقق 3 أضعاف مما هو عليه الان فقط بالإمكانيات الموجودة والمتاحة”.
وتحدث كوهين عن بعض القطاعات المهمة للاستثمار في فلسطين مثل قطاع المعلومات، والقطاع السياحي، والقطاع المالي. وتطرق بالتفصيل، إلى بعض المشاريع التي يمكن أن تحقق أرباحا مثل منظومة دعم القروض، ومشاريع الإسكان لذوي الدخل المحدود، مشيرا إلى أن استثمار مليار دولار في قطاع الإسكان، سيرفع من معدل الدخل السنوي للفرد الفلسطيني بنسبة 1.5% طوال خمس سنوات.

وقال كوهين “كان والدي وأنا صغير في مصر يقول لي بان الفلسطينيين يديرون مفاصل مالية واقتصادية هامة، وأنا واثق من قدرة الفلسطينيين على المشاركة الفعالة في الاقتصاد”. وتوجه كوهين إلى الدكتور فياض قائلا “لديك رؤية واضحة، أوضح من أي قائد وطني عرفته، وستنجح في تحقيق آمال شعبك”.

ولم يتطرق كوهين إلى حقيقة هذه الآمال، ولم يشر ولو بكلمة واحدة إلى الاحتلال، ولم يصدقه كثيرون من حضور المؤتمر، الذين دخلوا إلى الأراضي الفلسطينية بتصاريح إسرائيلية، وتنقلوا، بصعوبة عبر الحواجز العسكرية، واجتمعوا في مكان تحيطه المستوطنات، والجدران، ولكن لا يعرف إذا كان الدكتور فياض نفسه صدق كوهين؟.

قد تكون الإجابة على ذلك في رؤية ما يجري على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، التي لم يبق منها إلا جيوبا صغيرة يعيش فيها الفلسطينيون منقطعين عن بعضهم البعض، بالإضافة إلى فصل الضفة الغربية عن غزة، ومع ذلك يوجد لديهم اكثر من حكومة، واكثر من رئيس وزراء وعدد لا يحصى من الوزراء، يتنازعون على إدارة ما يسميها الفلسطينيون سجونا.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/5/335133.htm

الإعلانات