آبار أيوب المقدسة

16 05 2008

في مرمى، برج عسكري إسرائيلي، نصب على جبل مرتفع يدعى (الجمجمة) يطل على بلدة حلحول، التي تقع على شارع القدس-الخليل التاريخي، توجد (عين أيوب)، التي تحمل اسم أحد الأنبياء الذي ارتبط اسمه بعدد من الينابيع والآبار والعيون، في فلسطين، والتي أسبغت عليها الكثير من القداسة في الموروث الشعبي، كما هو حال هذه العين.

وتنبع هذه العين من وسط مرتفع جبلي، وتنساب في نفق على شكل قناة مبنية من الحجارة، ومغطاة، بطول نحو عشرة أمتار، لا تظهر تضاريسها على السطح، لتصل إلى المصب، وهو عبارة عن مسطح صخري صغير، تظهر عليه نتوءات وجد المواطنون المحليون تفسيرات لها منذ زمن لا يمكن تحديده، وأولها فتحة دائرية صغيرة تتجمع فيها المياه، وهي كما يظهر عبارة عن تجويف حدث بفعل العوامل الطبيعية، ويعرف من قبل المواطنين المحلين بأنه آثار راس النبي أيوب، وأمامه نتوء صغير يُعرّف بأنه عصا النبي أيوب، وبالقرب منه، تجويف يشبه آثار قدم، يُعرّف بأنه خبطة رجل النبي أيوب.

وفي الموروث الشعبي الفلسطيني، توجد أماكن كثيرة في فلسطين، مرتبطة ببصمات للأنبياء أو الأولياء، على الصخور، مثل آثار الأيدي، والرؤوس، والأقدام وغيرها.

وتتدفق مياه العين، لتتجمع في بئر اسمنتي، يعود لأسرة من عائلة البربراوي، ومنه يتم سحب المياه، كهربائيا لري الأراضي الزراعية في المكان، التي يقدرها نهاد نبيل البربراوي، بمساحة أربعة دونمات، يتم زراعتها على مدار العام، بمنتجات مختلفة، مثل القرنبيط، والفاصوليا، والبندورة، وغيرها.

وتحظى هذه العين بشهرة، لاعتقادات تتعلق بقدرة مياهها على الشفاء من الأمراض الجلدية، مثل الصدفية، والجدري، باعتبار أنها ساهمت في شفاء النبي أيوب نفسه من أمراضه المتعددة التي تحدثت عنها القصص الدينية.

ويذكر نهاد البربراوي، بأنه يأتي إلى العين أناس من مختلف المناطق الفلسطينية، لاستغلال ما يعتقدونه من ميزات شفائية لمائها، فيغتسلون بها، وليس من النادر، رؤية بعضهم، وهو يضع غطاء على موقع العين، عادة ما يكون شادرا، لكي يتمكن المريض أو المريضة من الاستحمام بماء العين، بعيدا عن أعين المتلصصين، ومن بينهم جنود الاحتلال في البرج العسكري.

ويعتقد الطفلان محمود وفراس كرجة، بان اغتسال المريض بالجدري بماء هذه العين، لا يضمن الشفاء فقط، بل عدم الإصابة بهذا المرض إطلاقا، ويؤكدان ذلك بما حدث لأخيهما الأكبر سنا نائل، الذي شفي من الجدري بعد اغتساله بماء العين.

وتقع هذه العين، في منطقة زراعية، ولكنها تشهد نموا عمرانيا ملحوظا، وان كان ليس كبيرا، أدى إلى بناء مسجد في المنطقة عام 2000، أطلق عليه اسم مسجد النبي أيوب.

وبناء المسجد، ليس التطور الوحيد الذي حدث في المكان، فبعد إغلاق شارع القدس-الخليل، المؤدي إلى حلحول، من قبل سلطات الاحتلال، تم افتتاح طريق آخر التفافي، تبعد العين عنه نحو 50 مترا.

وبسبب الموقع الاستراتيجي لبلدة حلحول التي ترتفع نحو 1027 مترا عن سطح البحر، وهي بهذا أعلى منطقة مسكونة في الأراضي الفلسطينية سواء تلك

 
 

المحتلة عام 1948 أو المحتلة في عام 1967، تم إنشاء مستوطنة يهودية على أراضيها، عام 1984، أعطيت اسم (كرمي تسور)، ووصل عدد قاطنيها 623 مستوطنا ومستوطنة، عام 2003، وفقا لإحصاءات رسمية إسرائيلية، لكن الإجراءات الأمنية والتوسعية اكبر بكثير مما يتطلبه هذا العدد من المستوطنين، وتواصل تمدد المستوطنة عبر بؤر استيطانية، مثلما حدث في 5-2-2001، بإقامة البؤرة الاستيطانية (تسور شاليم) التي سكنتها في البداية 15 عائلة من المستوطنين اليهود، بعد مصادرة المزيد من الأراضي التي تعود ملكيتها لأهالي بلدتي بيت أمر، وحلحول.

وخلال انتفاضة الأقصى، كانت هذه المستوطنة مسرحا لإحدى العمليات الفلسطينية التي توصف بالجريئة، عندما اقتحم الشاب احمد بدوي المسالمة، الذي خطط ونفذ عدى عمليات فدائية سابقا، متنكرا بزي جندي إسرائيلي المستوطنة يوم 8-6-2002.

وتمكن المسالمة، من قتل مستوطنين وجندي واصاب آخرين، حسب المصادر الإسرائيلية، وصمد في وجه التعزيزات التي استدعيت للمستوطنة واخيرا تمكن أحد الجنود من قتله.

وشكلت هذه العملية مع عمليات أخرى إلهاما لآخرين من المجموعات الفدائية لتنفيذ عمليات وصفت بالنوعية في المستوطنات التي تحيط بالخليل.

وردا على هذه العملية، تم إقامة بؤرة استيطانية جديدة في المكان بتاريخ 10-7-2002، أسميت (كرمي تسور دروم).

وعين أيوب في حلحول، ليست إلا واحدة من ينابيع وابار عديدة، يعتقد الفلسطينيون بان النبي أيوب قد استحم فيها وشفي ومنها مثلا: حمام الشفا في القدس، وبئر أيوب في سلوان، وعين النبي أيوب في راس كركر، وعين النبي أيوب في خربثا، وعين النبي أيوب وبئر أيوب في دير أيوب، وعين أيوب شرق خربثا، وجميع هذه المناطق تقع بين مدينتي رام الله ونابلس.

ويذكر الدكتور توفيق كنعان في كتابه عن الأولياء المسلمين في الأراضي المقدسة الذي صدر بالإنجليزية عام 1927، بان أهل غزة يعتقدون بان النبي أيوب “قد شفي تماما عندما استحم بمياه البحر يوم الأربعاء الذي يسبق عيد الفصح اليوناني، ويسمى أربعة أيوب أو ابرية أيوب، وفي يوم الأربعاء المذكور يتم إحضار كل الغنم المصابة بالمرض إلى البحر لتغسل”.

ولا شك انه يقصد بعيد الفصح اليوناني، عيد الفصح لدى الأرثوذكس، وهم في فلسطين أغلبيتهم من العرب، ولكن تسيطر الأقلية اليونانية من رجال الدين على مقدرات طائفتهم.
ولا يعرف إذا كان مثل هذا التقليد ما زال متبعا في غزة أم لا؟، وهي التي يتعين عليها الان ان تتحلى بصبر أيوب، اكثر من الاهتمام بالتقاليد الطبية المنسوبة إليه.
http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2008/5/330977.htm

الإعلانات




عندما قرر العراقيون انقاذ فلسطين قبل 60 عاماً

16 05 2008

بينما كانت سحب الحرب تلوح في سماء فلسطين، في نهاية أربعينات القرن الماضي، تأسست في العراق، جمعية أطلق عليها مؤسسوها (جمعية إنقاذ فلسطين) اتخذت من العاصمة بغداد مقرا رئيسا لها. وعملت هذه الجمعية على تنظيم صفوف المتطوعين العراقيين الذين ابدوا استعدادا للذهاب إلى فلسطين، للقتال ضد العصابات الصهيونية، وانتهت التجربة العراقية والعربية في فلسطين، بانتصار العصابات الصهيونية، وإقامة دولة إسرائيل، وعاد محمود فهمي درويش، السكرتير العام لجمعية إنقاذ فلسطين، إلى بغداد ليكتب شهادته على ما حدث، وتصدرها الجمعية في كتاب بعنوان (15 أيار 1948: كارثة فلسطين)، يمكن اعتباره، انه من الأدبيات الأولى التي صدرت بعد النكبة، التي يمكن تصنيفها في باب المراجعات السياسية النقدية، بعد الصدمة التي حدثت، وهو ما يمكن تلمسه من افتتاح درويش لكتابه بالقول “قضي الأمر! وأصبحت الدولة اليهودية المزعومة، غير مزعومة، فقد أقرت جمعية الأمم المتحدة الوضع الدولي واصبح اللقيط الصهيوني دولة ككل دولة وأمة ككل أمة”.

ويعطي الكتاب الذي صدر في بغداد عام 1949، وقررت جمعية إنقاذ فلسطين التي أصدرته توزيعه مجانا، لأخذ العبرة، حسب تعبيرها، صورة عن الأجواء في تلك الفترة الحاسمة في تاريخ العالم العربي، والتي تبدو بالمقارنة مع المناخات الان، فترة رغم قساوتها شديدة الرومانسية، بعد أن أصبحت ما يسميها المؤلف الكارثة، كوارث، والنكبة نكبات.

نتائج متوقعة

ورغم أن عاطفة المؤلف لا يمكن إخفاؤها، لكنه يبدو على اطلاع واسع على ما جرى في فلسطين قبل النكبة، فهو زارها مرارا والتقى فيها بقيادات صهيونية، واطلع على أساليب عملهم، وهو ما جعله يقارن، بمرارة بين تلك الأساليب المنظمة، والأساليب العربية التي تعتمد على الارتجال، مما جعله يقول بان نتيجة الحرب، بإقامة إسرائيل، وتشريد الفلسطينيين، ما هي إلا نتيجة منطقية.

ويقول “كنت أتوقع مثل هذه النتائج منذ سنة 1945، يوم زرت فلسطين وتغلغلت في أوساطها، في تل أبيب، وحيفا، والقدس، والمستعمرات الصهيونية الأخرى المنتشرة هنا وهناك على طول فلسطين وعرضها، كنت أتوقع ذلك لاني شعرت بالفعالية الكبرى والنشاط الجم والتجمع والتعاون والتدريب والنظام العسكري الذي كان يعم جميع اليهود سواء منهم الكهل أو الفتى الطفل ذكرا كان أو أنثى”.

ويضيف “درست أحوالهم عن كثب وحبرت في ذلك مقالات كثيرة نشرتها خلال الأربع سنوات الأخيرة بتواقيع مستعارة لعل أبناء قومي ينتبهون عن طريقها وينفضون عنهم الرقاد ولكن دونما نفع أو جدوى..؟!”. والكتاب الذي وضعه درويش مزودا بالصور، يمكن اعتباره وثيقة هامة على النكبة التي يحي الفلسطينيون، الذكرى الستين لها هذه الأيام.

ويمكن إيراد بعض النقاط التي تطرق لها المؤلف كشواهد:

*لم يقتصر عمل شركة الكيرن كايميت، وهي إحدى اذرع الحركة الصهيونية، المختصة بشراء الأراضي، على فلسطين، بل أن نطاقها امتد إلى سوريا، ولبنان، والعراق، والى ابعد من ذلك، كما تبين من تقرير لمجلس اللوردات البريطاني الذي حقق في عمل هذه الشركة.

*حرص المؤلف على التأكيد بان أهداف الحركة الصهيونية تتعدى فلسطين، موردا ما سمعه شخصيا من زعماء لهذه الحركة، أو ممارسات لهم على الأرض، أو تصريحات نشرتها الصحف العالمية انذاك.

*يظهر أن مصطلح رمي اليهود في البحر، الذي الصق بعبد الناصر ونفاه، كان اسبق من ذلك بكثير وهو ما يمكن استنتاجه من قول المؤلف “هل يفيد أو هل ينفعنا أن نعلن متشدقين من أننا سنلقي بأخر صهيوني من صهاينة فلسطين إلى البحر! إذا ظلت الصهيونية محتفظة بقوتها الهجومية؟ تجاه ضعفنا وتخاذلنا”.

*يؤكد المؤلف بان “اليهود لم ينتصروا في فلسطين بقوتهم ولا بقوة الدول المؤيدة لهم، إنما انتصروا لان حكوماتنا العربية لم تتفق على شيء في مؤتمراتها واجتماعاتها واتصالاتها المتوالية المتواصلة، إلا على شيء واحد هو التخاذل والتدابر”.

*يشير درويش إلى كيف كان العرب ضحية الهدنتين الأولى والثانية، حيث استغلتهما الحركة الصهيونية لصالحها، بينما كان العرب يعيشون الغفلة.

مجاهدون ام تجار مسروقات

يوجه المؤلف نقدا حادا، مليئا بالتفاصيل لجيش الإنقاذ وقائده فوزي القاوقجي، ويتهمه بإضاعة الكثير من الفرص، وارتكاب أخطاء عديدة كانت في النتيجة قاتلة، ومن بينها أن تعامله مع الأهالي “كان في غاية الشذوذ والغرابة، فكان يعمد إلى مصادرة السيارات والأموال والأمتعة بدون مبرر ويتاجر بعض أفراده بها، كما كان بعضهم يقوم بتصرفات لا أخلاقية بدون مبالاة مما أدى إلى انتهاك حرمات وإزهاق نفوس، مما ترك أثرا سيئا في مختلف الأوساط”.

ويأخذ المؤلف على الجانب العربي، حسن ظنه بوجهات نظر بعض الدول الكبرى، والاتصال مع هذه الدول “كما يتصل الفرد بالفرد باعتباره شخصا لا كما تتصل الدولة بالدولة باعتبارها ذات مصالح معينة”.

ويعرض المؤلف للمأساة التي حدثت لأهالي مدينتي اللد والرملة الهامتين، والأداء العسكري غير الجدي فيهما، والذي أدى في النهاية إلى سقوط المدينتين، والذي تم كما يبدو بقرار سياسي يراه البعض تآمرا من جهات عربية، وهو ما تؤكده الوثائق الإسرائيلية، والقصة كما تحدث عنها آخرون سابقا من بينهم الجنرال الأردني عبد الله التل في مذكراته، وشهود العيان ومن بينهم الناشط الإسرائيلي اوري افنيري لكاتب هذه السطور، كارثية بأكثر مما يتصوره عقل.

ويتحدث المؤلف عن سوء الإدارة العربية للدفاع عن يافا، والتي أدت في النهاية إلى إضاعة المدينة، رغم ما بذله المقاتلون من أهلها من مقاومة، حققت انتصارات ميدانية، وما يرويه درويش من تصرفات جنود المقدم عادل نجم الدين الذي عين مسؤولا عن المدينة يبدو غريبا فهم كما يقول “كانوا مع اشتداد المعارك نهبا مقسما بين الحانات وفنادق الدعارة، وكثيرا ما كانوا يرجعون إلى قطاعاتهم سكارى فيشعلون معارك وهمية تضيع فيها الذخيرة بلا مبرر”.

ويقول المؤلف أن ما يصفها تصرفات ضباط جيش الإنقاذ الشاذة جعلت أهالي مدينة يافا “يضجون ويفكرون في طريقة لتلافي الموقف ووضع حد لمأموري الضباط، ولما لم يستطيعوا ذلك صاروا يفكرون في ترك المدينة لا خوفا من اليهود حينذاك ولكن طلبا للنجاة من سوء تصرف هذا الامر وجنوده” ويقصد المقدم عادل نجم الدين، وهذه التصرفات تشمل النهب والسلب، ومحاولة إعاقة ما أراد أن يفعله آخرون مخلصون بقيادة ميشيل العيسى.
وبالنسبة للمؤلف فان الأمر لا يختلف بالنسبة لسقوط حيفا، ولا يتورع عن تلخيص مأساة هذه المدينة التي نافست يافا على لقب عروس البحر بالقول “قد بيعت حيفا إلى اليهود وبهذا فقد بيع ميراث الأمة العربية للصهاينة وقد سدت بوجه أهلها سبل النجاة”.

44 شهيدا و28 جريحا

يروي المؤلف كيف تأسست جمعية إنقاذ فلسطين، بعد قرار بريطانيا مغادرة فلسطين في شهر أيار (مايو) 1947، وعقدت الجمعية أول اجتماع لها بتاريخ 3-11-1947، وانتخبت هيئة تنفيذية عليا لها، بعد ذلك بنحو شهرين، وشكلت لجانا تابعة لها مثل: اللجنة العسكرية، والحقوقية، والمالية، وتشكلت أيضا لجنتان “من كبار رجال مدينتي البصرة، والموصل باسم لجنتي إنقاذ فلسطين عملتا جاهدتين لإتمام أعمال الجمعية في بغداد”.

وأصدرت الجمعية، بيانين دعت فيهما الشعب العراقي للتطوع، وعينت أماكن لتسجيل المتطوعين في أنحاء العراق، سجل فيها نحو 15 ألف متطوع، وتم تشكيل وحدات عسكرية ممن قبل منهم بعد اجتياز فحص طبي اجرته لجنة شكلتها الجمعية الطبية العسكرية، ومنحت الجمعية المتطوعين الرواتب ومصاريف السفر إلى فلسطين، بالإضافة إلى الالتزامات تجاه عائلاتهم. وفي 7-1-1948 انطلقت أول وحدة من تشكيلات الكوماندوز إلى فلسطين، برفقة عدد من الضباط والمؤلف نفسه، وفي15-1 تم تسفير فوج ثان، وبعد يومين غادر الفوج الثالث.

وانضم هؤلاء المتطوعون إلى جيوش سبع دول عربية أعلنت الحرب لإنقاذ فلسطين، ولكن الأخبار التي تأتى من ارض المعركة لم تكن مشجعة، على الأقل بالنسبة لإدارة الجمعية، التي احتارت في السبب كما يذكر المؤلف “اختلف المفكرون في تعليل هذه الانتكاسات فمن قائل أنها نقص في الدعاية أو قلة الاستعداد في العدد والسلاح. أو الاختلاف بين الدول العربية في النظر والعمل”، ومهما تكن أسباب الانتكاسات فان الجمعية أوكلت للمؤلف بإذاعة كلمة في الإذاعة العراقية تحت عنوان (زاوية فلسطين) لتنوير الرأي العام ابتداء من 13-4-1948، ويحوي الكتاب نماذج من تلك الحلقات الإذاعية التي غلب عليها الطابع التعبوي بالإضافة إلى تقديم معلومات عن سير المعارك، والجهود السياسية.

وبعد 12 أسبوعا من إذاعة هذه الحلقات سقط المؤلف محمود فهمي درويش، مريضا من شدة الإعياء ومكث في المستشفى 63 يوما. وأصدرت الجمعية خلال فترة عمرها التي لم تتجاوز الـ 13 شهرا ثلاث نشرات، ضمنتها الواردات والمصروفات ومقدار التبرعات ومجمل النشاطات. ويظهر أن طموح الجمعية تجاوز كثيرا مجال عملها في العراق، فشكلت وفودا إلى الدول العربية، بعد أن ظهرت “الانتكاسات في فلسطين” لتجميع الصفوف وتوحيد الجهود من اجل الهدف وهو إنقاذ فلسطين.

ومع نهاية عام 1948 كانت الجمعية قد صرفت ما مجموعه 59074 دينارا و309 فلسا، منها رواتب للمتطوعين والتزامات تجاه عائلات الشهداء بالإضافة إلى مصروفات اخرى خاصة بالجمعية، وبقي لديها من أموال التبرعات 11312 دينارا و908 فلسا أودعت في مصرف الرافدين. ويتضمن الكتاب أسماء “الشهداء من المجاهدين العراقيين في جيش الإنقاذ الخالدون في النعيم المقيم” وعددهم 44 مع تفاصيل عنهم ودعوة المواطنين للإدلاء بمعلومات عن ورثة بعضهم ممن لم تتمكن الجمعية من الوصول إليهم.

أما عدد الجرحى العراقيين “في جيش الإنقاذ الذين نالوا أوسمة الشرف” فبلغ عددهم 28، وتضمن الكشف بأسمائهم معلومات عنهم. واورد المؤلف في اخر كتابه ملحقا مصورا بعنوان (فلسطين الشهيرة: سجل مصور لفظائع الإنكليز واليهود 1921-1938) وهو بمثابة كتاب أخر بالغ الأهمية يتضمن صورا عن ما يصفها المؤلف مشاهد “النسف، الحرق، التخريب، النهب، تدمير المدن والقرى، التشويه، التعذيب، قتل النساء والأطفال، إهانة كتاب الله، تخريب المساجد” وغيرها.

ويقدم المؤلف لهذا الجزء من الكتاب بكلمة عنونها (فلسطين الشهيدة) يقول فيها “تتابعت في فلسطين الثورات منذ احتلها الإنكليز عقب الحرب الكبرى حتى لتكاد تكون حياتها في تاريخها الحديث، خلال السنين العشرين الأخيرة، عبارة عن ثورة دائمة تتخللها فترات من الهدوء المؤقت”. ومما يلفت في الكتاب أن المؤلف ترك صفحته رقم 63 فارغة إلا من عبارة “حذف الرقيب من الصفحة 63 حتى 70″، ما الذي كان يرغب الرقيب في إخفائه عن الناس؟ هو سؤال قد لا تتوفر عليه إجابة أبدا بعد 59 عاما من صدور الكتاب، الذي يبدو وكانه اتى من عالم أخر كانت فيه بغداد تحتضن جمعية اسمها له علاقة بفلسطين.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/5/330196.htm