تهويد الانقاب الصحراوية والطرق الفلسطينية التاريخية

5 05 2008

النقب يعني الطريق، أو المسلك في الجبل، وجمعها انقاب، وهي الكلمة التي ما زال البدو يستخدمونها، للإشارة إلى تلك المسالك، التي يكاد لا يعرفها غيرهم، والمنتشرة في صحراء البحر الميت، وصحراء النقب. ومن الصعب، تحديد تاريخ معين لهذه الانقاب، إلا أن بعضها شقه الرومان، لربط القلاع المنتشرة في صحراء البحر الميت، بحواضر أخرى في إمبراطوريتهم المترامية، وأخرى تعود لفترة الأمويين الأحدث.
وتحمل هذه الانقاب أسماء أطلقها عليها السكان المحليون، ولكنهم يجدون الان ما ينافسهم، على هذه الانقاب، ويستحوذ عليها، وإعطائها أسماء عبرية جديدة.
وتم عبرنة هذه الأسماء، بعدة طرق، منها إعطاء أسماء عبرية خالصة، لبعض الانقاب، في حين تم تحريف الأسماء العربية للانقاب الأخرى، لتناسب اللسان العبري، والبعض الثالث أعطي أسماء توراتية.

ومن المثير مثلا أن نقب (الحمار) اصبح اسمه (ميخفار)، وهو طريق منحدر بشدة يربط بين وادي الدرجة ووادي حصاصة في منطقة البحر الميت، واصبح نقب (الحظيرة) بتسميته العبرية (حتسيرا)، ونقب (الحملة) تحول (معليه محمال)، ونقب (الدريجات) اصبح (درجوت) وهكذا مع باقي الانقاب.
وفي ظل غياب أي اهتمام بحثي فلسطيني بالانقاب، فان الباحثين الإسرائيليين المهتمين، يقدمون رؤى ذات طابع أيديولوجي لها، بربطها بالميثولوجيا اليهودية المتعلقة بصحراء البحر لميت، والأراضي الفلسطينية.
وهناك دلائل تشير، بان العرب استفادوا كثيرا من بعض الانقاب التي سبقت وجودهم في فلسطين، وبأنهم أضافوا إليها ووسعوها.
ومن بينها مثلا طريق كانت تربط القدس بدمشق، تخترق صحراء البحر الميت، ووجدت دلائل على اهتمام الحكام من بني أمية بها، حيث عثر على شواهد تحدد المسافة بين القدس ودمشق، وتحمل اسم الخليفة بعد الملك بن مروان، وكثير من هذه الشواهد وجدت طريقها إلى متاحف العالم المختلفة مثل متحف اللوفر في باريس.
ومن بين هذه الشواهد، بلاطة عثر عليها المنقبون في عام 1884م في (خان الحثرورة) وهو حصن خرب الان على الطريق بين القدس-أريحا كتب عليها “…وسلم أمر بعمارة هذا الطريق وصفه بالأميال عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين رحمه الله عليه، من دمشق إلي هذا الميل تسعة وماية ميل..” وهذه البلاطة موجودة الان في متحف استنبول.
وكذلك عثر عام 1896م بالقرب من دير القلط، القريب من أريحا على بلاطة من رخام نقش عليها “أمر بعمارة هذا الطريق وصفه بالأميال عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين رحمه الله عليه من دمشق إلى هذا الميل سبعة أميال ومائة ميل..”.
ويوجد ما يشير بان العرب شقوا أو رمموا الطرق التي كانت تصل القدس بالمدن الأخرى، وهذا ما يتضح مثلا من حجر ابيض موجود الان في متحف اللوفر في باريس، عثر عليه المنقبون عام 1893م على طريق الرملة ونقش عليه “أمر بعمارة هذا الطريق وصفه بالأميال عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين رحمه الله عليه، من ايليا إلى هذا الميل ثمانية أميال”.
وفي عام 1902 عثر على حجر كلسي ابيض بالقرب من كنيسة أبو غوش على طريق الرملة كتب عليه “أمر بعمارة هذا الطريق وصفه بالأميال عبد الملك أمير المؤمنين رحمه الله عليه، من ايليا إلى هذا الميل سبعة أميال”.
ومنذ عام 1967 عملت إسرائيل، وضمن مشروع ضخم وطموح، على تحديد العديد من الانقاب، وإضافة مسالك عديدة، لغايات أثرية وسياحية وتهويدية، والان يوجد نحو 10 الاف كيلو متر في فلسطين التاريخية (المسماة سياسيا إسرائيل والضفة الغربية) تحمل علامات بالأزرق والأبيض والأحمر، وفقا لطبيعتها، وضعت على خرائط يحملها محبو الطبيعة والمغامرون في الصحراء.
وينظر المهتمون الإسرائيليون والأجانب، لهذا الأمر، باعتباره إنجازا كبيرا، في ظل حقيقة، أن طول البلاد من الشمال إلى الجنوب لا تتجاوز الـ 500 كلم.
ويعتبر السير في هذه المسالك، دائما مغامرة، ولكنها ليست دائما محمودة العواقب، نظرا لوعورة الكثير من المسالك وخطورتها، وتطلب السير فيها تسلق منحدرات، أو السير على حواف جروف صخرية، يمكن أن يؤدي وضع القدم في المكان الخطأ، إلى السقوط في وهاد لا قرار لها.
ولكن وجود علامات دالة، تشعر السائر، بنوع من الارتياح، وتساعده على سلوك الدرب الصحيح، وانه في النهاية سيصل إلى غايته.
وأدخلت السلطات الإسرائيلية المختصة، تضاريس عديدة ضمن هذه المسالك، مثل الوديان، والوهاد، والتلال، والجبال، والقلاع، وعيون الماء، وموائل الطيور، والحيوانات، والخرب الاثرية، والرجوم وغيرها.
وتم استخدام مقابض حديدية، وزرعها في بعض المنعطفات الخطرة، للمساعدة في إيجاد تواصل بين هذه المسالك، التي تقع معظمها في مناطق يمنع على الفلسطينيين الدخول إليها، أما لأنها مصنفة ضمن حدود الدولة العبرية، أو مناطق نفوذ المستوطنات، أو محددة كمناطق عسكرية مغلقة.
ورغم انه تم وضع قسم كبير من هذه المسالك على خرائط خاصة، إلا انه على ارض الواقع، تبقى التجربة العامل الأهم في التعرف على هذه المسالك.
وارتبط تحديد وفتح مسالك جديدة، بما يمكن تسميته تطبيقات للحلم الصهيوني، بغزو الصحراء، واستيطانها، مثلما حدث عام 1995، بافتتاح مسار في صحراء النقب، يقدر سالكيه يوميا بالعشرات الان، سيرا على الأقدام، أو بالمركبات التي تسير على جزء منه، أو بدرجات الصحراء الخاصة.
وفي مقابل ما تفعله إسرائيل لمواطنيها، فإنها عملت، ومنذ عام 1993، أي بعد تطبيق اتفاق أوسلو، وبخطة تبدو الان، بالنسبة للفلسطينيين جهنمية، بالقضاء على ما يمكن تسميته الشوارع التاريخية في الهضبة الفلسطينية الوسطى، المسماة سياسيا الضفة الغربية، وتم تطبيق هذه الخطة في قسم منه، باستغفال السلطة الفلسطينية ومفاوضيها، الذي يعتقد على نطاق واسع، بان خبرتهم في الخرائط ضعيفة.
وشقت إسرائيل طرقا ضخمة، أسمتها التفافية، لربط المستوطنات في الضفة الغربية ببعضها البعض وبإسرائيل، مصادرة بذلك مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين، ومدمرة عشرات المواقع الأثرية، وعندما رفع المواطنون المتضررون، من هذه الشوارع، التماسات لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، بواسطة منظمات حقوقية، ردت هذه المحكمة الالتماسات، بدعوى موافقة السلطة الفلسطينية آنذاك على شق هذه الشوارع.
ولم يكن شق هذه الشوارع، إلا جزء من تطبيق خطة تدمير الشوارع الفلسطينية التاريخية، في عملية إسرائيلية ممنهجة، استهدفت كما يرى كثير من المراقبين، أيضا ما يسمونه “الحيز الذهن” للفلسطينيين، فلم يعد لهؤلاء تلك الشوارع الرئيسية، التي تراكمت عليها حضارات تعاقبت على فلسطين، وربطتها بعوالم وآفاق مع الخارج، مثل الشوارع التي ربطت القدس بمدن أخرى مثل: الخليل، ونابلس، وغزة، وأريحا، وبيت لحم، ورام الله، والتي كانت تعمل بانتظام حتى علام 1993، وقبل ذلك وضع الاحتلال، ومنذ أيامه الأولى، في حزيران (يونيو) 1967، حدا لشارع القدس-عمان-دمشق، وفي وقت اقدم من ذلك، ومع قيام الدولة العبرية، أصبحت الطرق والمنافذ البحرية والبرية وسكك الحديد، وكأنها لم تكن.
ونشأ جيل فلسطيني جديد، تم برمجة تفكيره وخياله، ضمن شوارع التفافية، بعيدة، ومتعبة، وقصية، ومعزولة عن تأثيرات الحواضر الأثرية والتاريخية، ومحطات السفر، وأشكال العمارة المتنوعة، وينابيع الماء، والأشجار، ورؤوس الجبال، والسفوح، والسهول، والوديان، والمقامات، والخانات، والقلاع، ومحطات الاستراحة، وكل ما ارتبط بذاكرة ثقافية جمعية تكونت عبر قرون طويلة.
وكل ذلك جعلت الفلسطيني الناشيء، لا يفكر إلا في حيز مكاني صغير، هو المكان الذي يسكن فيه، ويتضاءل كل يوم، بالاسيجة، والجدران، ومعه يضيق الحيز المكاني في ذهنه عندما يفكر أو يخطط للخروج، أو حتى عندما يحلم، اذا تمكن من الحلم في ظل وضع سياسي شديد التعقيد.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2008/5/327737.htm