بدو البحر الميت يحافظون على هويتهم

26 04 2008

يحافظ أحمد عبد الله الهذالين ( 20 عاما)، على خصائص ثقافية ميزت البدو الذين ينتمي اليهم، وهم مبعثرون الآن في صحراء البحر الميت، بينما تعيش مجموعات منهم في البادية الممتدة شرق نهر الأردن والبحر الميت، ضمن حدود المملكة الأردنية الهاشمية. ويدرس الهذالين، في جامعة القدس في بلدة أبو ديس المحاذية لمدينة القدس، ويعيش في ما يمكن تسميته ببيت صفيح، حياة بدائية دون كهرباء أو تمديدات صحية، قرب جبل المنطار، أحد معالم صحراء البحر الميت، وهو جبل مرتفع، يستخدم كموقع عسكري، يكشف مدنا فلسطينية عديدة مثل رام الله، والقدس، وبيت لحم، والخليل. ويتعين على الهذالين، أن يقطع مسافة طويلة الى جامعته، مستخدما وسيلة التنقل المثالية في صحراء البحر الميت وهي الحمار، وهو رفيقه الدائم الذي يراجع دروسه وهو يمتطيه.
وفي طريقه يمر، الهذالين، بالمستوطنات اليهودية، المقامة في المنطقة، المبنية على الطراز الأوروبي، وبعضها اصبح مدنا كبيرة، والفرق بين العالمين، عالم الاستيطان اليهودي ذي الصبغة الأوروبية، وعالم الهذالين البدائي، كبير إلى درجة لا يمكن وصفه، وان كان ازدهار العالم الأول، تم على حساب حياة الهذالين وباقي البدو، الذين يصارعون قوة تبدو لا تقهر، للحفاظ على خصائصهم الثقافية، في عملية قدرية تشبه محاربة طواحين الهواء.
والهذالين، هو واحد من أفراد الجيل الرابع، للاجئين الفلسطينيين، وبالنسبة للعشائر البدوية في فلسطين، فان حرب عام 1948، التي انتهت بإقامة إسرائيل وتشريد الفلسطينيين، ما زالت مستمرة ولم تنته بعد، و”ان كانت لم تنجح في وضع حد للتميز الثقافي المصاحب لاسلوب الحياة الذي يعيشه هؤلاء، منذ آلاف السنين” كما يقول عبد الله الهذالين (50) عاما لمراسلنا، وهو والد احمد.
النقب أولا
وأدت تلك الحرب، وما تبعها إلى تبعثر العشائر البدوية، في الصحراء الفلسطينية، بعد عملية استيطان كبيرة ودؤوبة، نفذتها الدولة العبرية الوليدة آنذاك، في صحراء النقب، وبالمركز منها بئر السبع، وتم تجميع العدد القليل المتبقي من البدو، في بضعة تجمعات، بينما اضطلع دافيد بن غوريون، أول رئيس لوزراء إسرائيل بقيادة الاستيطان اليهودي في النقب، وتحولت صورته وهو ينتظر دوره في أحد المزارع الجماعية، لازالة روث البهائم الى ذكرى كبيرة لهذا القائد اليهودي لدى اجيال متتالية من المستوطنين اليهود.
وفي عام 1948 بلغ سكان النقب 105 ألف نسمة، في أثناء وبعد إنشاء إسرائيل، تم طرد وتشريد أغلبية فلسطينيي النقب، فلم يبق منهم سوى 13 ألف نسمة، يعيش معظمهم في قرى غير معترف بها من قبل إسرائيل، وهذا يعني أنهم يعيشون في تجمعات سكنية محرومة من المياه والكهرباء والخدمات الصحية والدراسية ومن كل شيء.
وأسكنت حكومات إسرائيل المتعاقبة بدو النقب في سبعة تجمعات أو قرى رسمية، هي أفقر سبع قرى داخل إسرائيل. ولمناسبة يوم الأرض كان مركز عدالة، الذي يعنى بالقضايا الحقوقية للفلسطينيين داخل اسرائيل، اعد فيلما تسجيليا بعنوان (غير المعترف بهم) يتطرق إلى معاناة الفلسطينيين في النقب. يبدأ الفيلم من (وادي زبالة) الذي ضم إلى (كيبوتس شوفال)، وهذا الوادي هو موطن عشيرة أبو قيعان، التي شردتهم سلطات الاحتلال من المكان في عام 1956، ونقلتهم إلى منطقة أخرى.
وسبب تهجير السكان أصحاب الأرض، كان لتوسيع (كيبوتس شوفال)، لزيادة المساحة الزراعية التي يسيطر عليها هذا الكيبوتس اليهودي. ويقول الشيخ حسن أبو قيعان الذي يقترب عمره من التسعين عاما، إن وادي زبالة، هو للعرب وليس لليهود، وانه يريد أن يموت ويدفن فيه. وروى شهود عيان من عشيرة أبو قيعان، كيف تم إجلاؤهم عن أرضهم بالقوة، وكل من رفض أطلق جنود الاحتلال النار عليه. ويقول خليل أبو القيعان في الفيلم “نحن لم نتخل عن أرضنا في وادي زبالة، نحن ننتظر الأرض وهي تنتظرنا وسنعود إليها مهما طال الزمن”.
ونقل أصحاب وادي زبالة، إلى قرية غير معترف بها اسمها (أم الحيران)، ورغم أن عمرها يزيد عن 50 عاما، إلا أنها ما زالت محرومة من الخدمات، ويتهدد منازلها خطر الهدم، وسكانها يتهددهم التهجير من جديد، بأوامر من سلطات الاحتلال. وعن معنى أن تكون هناك قرية غير معترف بها يقول المحامي حسن جبارين مدير عام عدالة ان ذلك يعني أن القرية “غير موجودة على الخريطة، ولا يوجد لها اسم رسمي، ممنوع البناء فيها، ومحروم أهلها من الخدمات رغم أنهم يدفعون الضرائب”.
ويظهر الفيلم مدى المآسي التي تعيشها القرى غير المعترف بها في النقب، فمثلا في قرية (السر) العربية غير المعترف بها، يمر خط مياه، ولكن القرية محرومة من المياه، ويمر من أراضيها أيضا خط كهرباء، ولكن ممنوع عليها استخدام الكهرباء. وتعاني قرى أخرى، من مشاكل معقدة مثل (ام بطين) التي يسير فيها واد من المجاري المكشوفة، بطول 3 كلم، ويمكن تخيل المعاناة متعددة الأوجه للأهالي جراء ذلك.
ويستخدم سكان القرى غير المعترف بها المياه أكثر مرة، فمثلا يخزنون مياه الاستحمام في حاويات لإعادة استخدامها مرة أخرى، بسبب مشكلة المياه المستعصية التي يواجهونها. ومن المشاكل التي يعانيها سكان القرى غير المعترف بها، عدم السماح لهم بالزراعة، ويتم رش مزروعاتهم بالمبيدات السامة من الجو للقضاء عليها. وفي مواجهة كل ذلك، يظهر الفيلم مقاومة فلسطينيي النقب لسياسة التهجير وتهويد الأراضي العربية في النقب، تحقيقا لأحلام القادة الإسرائيليين.
استهداف هوية
وما لم يتطرق له الفيلم، هو استهداف من نوع آخر، داعب رواد الحركة الصهيونية في فلسطين، قبل إنشاء الدولة العبرية، ومجموعات إنجيلية، فهؤلاء رأوا في وجود البدو طوال آلاف السنين في الأراضي المقدسة، محافظين على أسلوب حياة بدائي، اعتبروه أسلوب حياة توراتيا، يعود إلى زمن الأنبياء الآباء، تصديقا لتاريخ وجغرافية التوراة.
ولم يعدم هؤلاء المنقبون في الكتاب المقدس، وجود تفصيلات حياتية قارنوها بأسلوب حياة البدو، وان لم يخل الأمر في كثير من الأحيان من تعسف، وبدأوا يسيرون الرحلات الاستطلاعية إلى مضارب البدو، للتعريف بأسلوب الحياة التوراتي، معتبرين البدو هم أحفاد اليهود الأوائل، او “اليهود التوراتيين”، الذين اجبروا لاحقا على اعتناق المسيحية واليهودية.
ولكن هذا الافتتان بالبدو، لم يصمد أمام آلة الحرب، وأحلام إنشاء دولة يهودية خالصة، فتم تشريد معظم البدو، من النقب، الذين اصبحوا لاجئين مثل أغلبية الشعب الفلسطيني، ولكن قسم منهم، غادر صحراء النقب، إلى صحراء البحر الميت، التي تسكنها عشائر بدوية أخرى كثير منها، تحول إلى الاستقرار.
ولم تكن الصحراء الجديدة، جديدة على اللاجئين البدو، مثل عشائر الجهالين، والعزازمة، والهذالين، فهي كانت في السابق مجالا متسعا لحركتهم مع مواشيهم، ولكنها أصبحت الآن موطنهم الوحيد. وحافظ هؤلاء على أسلوب حياتهم، بإصرار فطري عجيب، وان كانت حدثت بعض التغيرات الطفيفة، مثل استبدال بيوت الشعر، في أحيان كثيرة، بالمغر، وبيوت الصفيح، ولكنهم بقوا مخلصين لمهنتهم الأساسية كرعاة للمواشي والإبل.
ولم يستسلموا لاغراءات الحياة الحديثة كالكهرباء، وتمديدات المياه الصحية، وظلوا يعيشون، جوابين للبيداء، الثرية بالمعالم الأثرية والحضارية، واصبح وجودهم فيها، جزءا من المشهد العام لصحراء البحر الميت، الذي لا يكتمل دونهم. ويرجع الفضل لرعاة البيداء هؤلاء في الكشف عن كثير من كنوز الصحراء، واشهرها ما عرف بمخطوطات البحر الميت، وما قدمه البدو لأجيال من الأثريين، خصوصا الغربيين، الذين وصولوا إلى الصحراء طوال القرون الأربعة الماضية، لا يمكن تقديره بثمن، حيث كانوا الادلاء على مواطن الكنوز الأثرية.
وحدث انعطاف كبير في حياة ساكني الصحراء هؤلاء، بعد احتلال إسرائيل، لما تبقى من فلسطين، في حزيران (يونيو) 1967، وتم إجلاؤهم من المناطق الحدودية الجديدة، واعتقال العشرات منهم بتهمة مساعدة الفدائيين الفلسطينيين، ووصل الأمر لإعدام بعضهم لمشاركتهم في المقاومة، وتمت السيطرة على منابع المياه، والعيون، والمراعي، وإجلاؤهم عنها.
وسقط العديد من الرعاة برصاص ما يعرف باسم الدوريات الخضراء الإسرائيلية، لانهم دخلوا مناطق يحظر عليهم الرعي فيها، بموجب قوانين الاحتلال.
واصيب العشرات من الرعاة بجروح وتشوهات، جراء انفجار قنابل بهم، من مخلفات الجيش الإسرائيلي الذي حول اراضي واسعة من مناطقهم إلى أماكن تدريب، وتحولت كثير من أراضيهم إلى منتجعات سياحية ومحميات طبيعية، مفتوحة لاي سائح من أي منطقة في العالم، لكنها محظورة عليهم.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت عمليات تهجير البدو وإجلائهم، أمرا روتينيا بالنسبة للسلطات الإسرائيلية، لإنشاء المستوطنات، بين القدس، وبيت لحم، والخليل، إلى حدود البحر الميت، وكان على البدو أن يقاوموا كما فعلوا دائما، لوحدهم، وبعيدا عن فصائل العمل السياسي الفلسطيني التي لم تضعهم بحسابها. وخلال عملية الاقتلاع، تخلى كثيرون من البدو عن أسلوب حياتهم الصحراوي، بينما استمر آخرون فيه مثل احمد الجهالين، وهو راع شاب عمره 30 عاما.
وقال الجهالين لمراسلنا، وهو يقف على مرتفع صخري يطل على البحر الميت “بالنسبة للآخرين فان أسلوب حياتنا يبدو صعبا، ولكننا لا نستطيع أن نعيش إلا هكذا، نحن أبناء الصحراء، ولدنا فيها، ولا نستطيع العيش إلا فيها”. والجهالين مثقف ومدمن قراءة، ونسج علاقات مع الكثير من الأثريين والباحثين الاجانب، ويتسلق التلال ويسير في البيداء بخفة وسرعة غزال، ولكن الصحراء تضيق عليه، ففي كل الجوانب المحيطة به، معسكرات للجيش، ومستوطنات، ومناطق تدريب وأخرى مغلقة لأسباب أمنية.
تغيرات ثقافية
ويقول احمد ان تطورات يصفها بالمهمة طرأت على حياتهم كبدو، مثل تأخر سن الزواج، ليصبح المتوسط عشرين عاما، وليس 15 أو 16 كما كان في السابق، وان كان يغلب على علاقات الزواج هو زواج الأقارب. وبعض نسائهم تمارس عملا هو اقرب إلى الفلاحة، مثل قطف النباتات البرية والعشبية التي تنمو في الصحراء، والتي أصبحت مرغوبة من قبل المستهلكين، وبيعها في أسواق المدن.
والاحتكاك اليومي بين البدو وقوات الاحتلال، يثير مشاعرا ذات طبيعة وطنية، بالمفهوم العصري، ما يجعل البدوي يشعر بانتماء يتجاوز القبيلة والصحراء. وعلى الضفة الثانية لنهر الأردن والبحر الميت، تكاد صورة البدو الذين وصلوا إلى هناك بعد هزيمة عام 1967، مختلفة بعض الشي، عن مثيلاتها غربا.
وفي شهر شباط (فبراير) الماضي وصل مراسلنا إلى مضارب عشائر الجهالين والعزازمة هناك، الذين حافظوا على طابع حياتهم الخاص ببيوت الشعر والاعتماد على الرعي، والزواج المبكر الداخلي، واتهام بعض القبائل الأخرى المستقرة في البادية الأردنية، لهم بالانغلاق، والتمرد، حتى أن كثيرا منهم يولدون ويموتون هناك دون أن يسجلوا أنفسهم في السجلات الرسمية للحكومة الأردنية. وعلى جانبي نهر الأردن والبحر الميت، تستمر الجماعات البدوية، بإصرار يبدو عجيبا، ومخالفا للتطورات الهائلة التي طرأت على العالم، في مواصلة نمط حياة لا يعرف أحد متى بدأ، في مكان يعتبر مسرحا لاشهر الصراعات العالمية.