ميشيل صباح..بطريرك الفلسطينيين

22 04 2008

عندما أصبح ميشال صباح، بطريرك الكنيسة اللاتينية في الأراضي المقدسة، وكأول عربي يتبوأ هذا المنصب الرفيع، قبل نحو عشرين عاما، وعاد إلى منزله العائلة في مدينة الناصرة، أطلقت والدته، مثل أية ام فلسطينية فرحة بابنها، زغرودة مجلجة، والان يحظى صباح الذي يودع منصبه، بزغاريد عديدة في الاحتفالات التكريمية، التي تنظم له، بعد أن اصبح رجل الدين الفلسطيني، الأكثر احتراما، من بين عدد لا يمكن إحصاءه من رجال الدين المسلمين والمسيحيين، في بلاد يصطبغ تاريخها، باختلاط الدين بالسياسة، بشكل لا يمكن العثور عليه في أي مكان آخر، حتى أن بعض الكتب المقدسة ما زالت معتمدة كتاريخ لها.

ووصل صباح كأول عربي فلسطيني إلى منصبه الحساس، في ظروف حساسة أيضا ليس فقط في تاريخ فلسطين، ولكن في تاريخ البطريركية اللاتينية، التي تتبع بابا الفاتيكان، الذي يقف على راس مؤسسة، كان لها مع الشرق حسابا عسيرا لم يغلق حتى الان، رغم أنها أغلقت حسابات أخرى، مثلما فعلت بتقديمها الاعتذارات للكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، على ما اقترفه الصليبيون من مجازر مروعة. وارتبط تاريخ الكنيسة اللاتينية، في فلسطين، بالنصر الذي أحرزه الصليبيون، على الحامية الفاطمية في القدس عام 1099م، في مشهد تاريخي، ما زالت أصداؤه تتردد حتى الان في جنبات المدينة المقدسة، ويظهر في التنوع الفريد خصوصا في أوساط الطوائف المسيحية.

في تلك الأيام، كان مسيحيو فلسطين من الأرثوذكس، ومثل مسلمي المدينة، كانوا ضحية لإحدى المجازر الشهيرة في التاريخ، عندما استباح الفرسان الإقطاعيون الغربيون الذي يحملون شارات الصليب، مدينة القدس، وقتلوا اكثر من 100 ألف من سكانها، ومعلنين تأسيس مملكة القدس اللاتينية، مسيطرين على الحرم القدسي الشريف، وكنيسة القيامة، التي كان حماية القبر المقدس فيها، عنوانا لذاك اللقاء الدامي بين الشرق والغرب، والذي دام نحو 200 عام، ظهر خلالها على مسرح الأحداث شخصيات قدر لها أن تلعب ادورا تاريخيا مهمة، وكذلك ظهر مؤمنون وأفاقون ورجال دين ومجرمو حرب، وقوى عديدة ومثيرة، ومع تمكن عناصر محلية، كانت في تلك المرة المماليك، من طرد آخر الصليبيين، زال الوجود المادي للكنيسة اللاتينية ليس من فلسطين فقط، ولكن من جمع بلاد الشام.

ولكن الجانب المعنوي في المسالة ظل مستمرا، وبقي البابا يعين بطريركيا للقدس، كمنصب فخري مقره في بازيليك سان لورينزو فوري لومورا في مدينة روما. وفي ظروف مختلفة تماما، وبعد أن ساد اعتقاد واسع لدى أصحاب القرار في الغرب، بان أحلام الحروب الصليبية الحربية ولى زمنها، وانه يمكن استبدالها بحروب صليبية سلمية، وصل إلى فلسطين في عام 1847م، رجل الدين الإيطالي جوزيف فاليرجا، ليكون أول بطريرك للكنيسة اللاتينية في القدس والأرض المقدسة، وتم ذلك في ظروف دولية مواتية آنذاك، وبموافقة الباب العالي العثماني، الذي كانت تخلخله الرباح بقوة، حتى سقط نهائيا بعد ذلك.

وقدر لفاليرجا أن يلعب دورا مهما، من خلال منصبه الجديد، وسط أبناء طائفته التي كانت تكبر، ومعظمهم من العرب. وما بين عامي 1847-1987، توالى على منصب البطريرك 7 من رجال الدين الأجانب، في حين أن الطائفة العربية اللاتينية، لم تكف عن التعبير عن عروبتها ومواقفها الوطنية، وبرزت منها شخصيات قيادية عديدة في مسيرة العمل الوطني الفلسطيني الناهض في ظل الانتداب البريطاني، ولاحقا في حركة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وامتد ذلك حتى إلى رجال الدين العرب منهم، مثل الأب إبراهيم عياد، الذي ارتبطت حياته بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وتم اعتقاله في الأردن، على خلفية اتهامه بالتورط في عملية اغتيال الملك عبد الله الأول، وفي فترة المنفى كان يحلو للصحافة الغربية أن تصفه بالراهب الأحمر، لمواقفه المناهضة للاستعمار، ولتأييده لثورة الخميني، ومن خلال موقعه وسط الجاليات الفلسطينية في الخارج، أسس عدة مساجد في دول أوروبية مستغلا مكانته كرجل دين مسيحي.

واستمر الغربيون يقودون الكنيسة اللاتينية، حتى حدث ما اعتبر انقلابا، لم يكن متوقعا، وان كان أتى في وقته تماما، عندما عين البابا رجل الدين الفلسطيني ميشيل صباح، ليجلس على كرسي بطريركية القدس التي يمتد نفوذها إلى الأراضي الفلسطينية، وإسرائيل، والأردن، وقبرص. ولم يكن افضل من صباح (ولد في الناصرة في 19 آذار (مارس) 1933)، الأكاديمي والباحث والمترجم والمجاز في الثقافة الإسلامية واللغة العربية، ليكون أول عربي يجلس على كرسي بطريركية القدس، منذ اكثر من ألف عام.

وبدا كأن وصول صباح، إلى كرسي البطريركية، كأنه موعدا مع القدر، ففلسطين كانت تغلي على وقع الانتفاضة الأولى، وسط حلم فلسطيني متنام، بأنها ستكون انتفاضة الاستقلال والدولة التي طال انتظارها. وتوفرت للبطريرك الجديد، فرصة ليعبر عن توجهاته، فاعد خطابا ليلقيه، في أول قداس سيترأسه، في كنيسة المهد بمناسبة أعياد الميلاد، وهو أمر لم يكن معتادا من قبل البطاركة الذين سبقوه، وبطريقة ما وصل الخبر إلى الإسرائيليين، الذين اتصلوا بالفاتيكان، غاضبين، واصر صباح على موقفه، ردا على استفسارات الفاتيكان، ووقف على مذبح الكنيسة، ليعلن لرعيته وللفلسطينيين موقفه الرافض للاحتلال، وليتحول بعد ذلك إلى وجه معروف على الساحتين العربية والعالمية، مدافعا عن حقوق شعبه، وعاملا بدون كلل لتقصير عمر الاحتلال.

وبدا صباح كنوع جديد من رجال الدين العرب، مازجا بين خلفيته اللاتينية الغربية، وفلسطينيته العربية، فظهر منظما، وازنا لكلامه، لا يحب الصراخ، ومبتعدا عن الشعارات، مثلما يفعل الآخرون من رجل الدين الأرثوذكس وعلماء الدين المسلمين، منكبا على العمل، ومتعدد النشاطات، وشغوفا بالقراءة والبحث، مجيدا لعدة لغات.

وخطا صباح خطوة متقدمة بشان كنيسته، فهي وان كانت تتبع الفاتيكان، إلا أنها أصبحت عضوا في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وتعرف من قبله الان بأنها كنيسة وطنية من كنائس العالم العربي تلعب دورا هاما بنقل وجهات النظر بين العالمين الإسلامي والغربي. وقاد صباح المسيرات السلمية المنددة بالاحتلال، وفي كل عام، وبمناسبة عيد الميلاد، يلتقي الصحافيين، في مقر البطريركية بالقدس، قبل توجهه إلى بيت لحم لترؤس الاحتفالات، ليقرا عليهم رسالة الميلاد، التي تؤكد على حقوق شعبه الفلسطيني.

وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية، ارتبط بعلاقات وثيقة مع ياسر عرفات، أول رئيس لها، رغم التباين الواضح في شخصيتي الاثنين، واصبح عرفات يحضر قداس منتصف الليل، الذي يترأسه صباح، وعندما منعت إسرائيل عرفات من الوصول إلى بيت لحم، احتفظ صباح بكرسي له واضعا عليه كوفية عرفات الشهيرة، وقبل بذلك بأيام كان يزور عرفات في مقره، ليدعوه رسميا لحضور الاحتفالات.

وتمكن صباح من نسج علاقات واسعة مع مواطنيه المسلمين، وحظي بشعبية وسطهم، وزار عدة مواقع، من بينها مخيمات اللاجئين، واعلن في خطاب ألقاه في مخيم الدهيشة، قرب بيت لحم، بأنه هو أيضا أحد اللاجئين، وبفضله تم إدراج المخيم على قائمة الأماكن التي زارها البابا يوحنا الثاني، في زيارته التاريخية للأراضي المقدسة في عام 2000.

ولم تكن مسيرة صباح في كرسي بطريركية القدس، تخلو من منغصات أثرت على الوضع الداخلي الفلسطيني، مثلما حدث من حرق كنائس بعد تصريحات البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر، التي فهم منها الإساءة للإسلام. وتعامل صباح مع موجة الغضب التي اجتاحت العالم العربي، والأراضي الفلسطينية، بتعقل ولكن بحزن، فهو كليبرالي، دافع عن حق البابا في قول ما يريد في محاضرته، معتبرا أن بنديكتوس السادس عشر، اقتبس كلاما من أحد الكتب، وانه تم إخراج الكلام عن سياقه، وفي الوقت ذاته نجح في تطويق أحداث حرق الكنائس في شمال الضفة الغربية، باعتبارها حوادث فردية، ولم يسمح لأية قوى باستغلالها للطعن في علاقات المسلمين والمسيحيين في فلسطين.

واعلن صباح، استغرابه، من موقف رجال الدين الأرثوذكس، الذين وجهوا انتقادات حادة للبابا، مؤكدا على أهمية تجاوز ما حدث. وخلال مسيرته الطويلة، تولى صباح مسؤوليات عديدة رفيعة محليا وعربيا وعالميا، ووضع عدة كتب، وساهم في ترجمة أعمال تاريخية واثرية، وله جهد أكاديمي من خلال ترؤسه لجامعة بيت لحم. وبمناسبة بلوغه الخامسة والسبعين، وهي سن التقاعد الكنسي، غادر صباح الكرسي الاورشليمي، الذي جلس عليه، بطريركا لطائفة واحدة، وتركه “بطركا” لجميع الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، كما يسمونه، وليتفرغ لاعماله البحثية والفكرية، تاركا خلفه على الكرسي الأب فريد الطوال وهو ابن لعائلة أردنية لاتينية، ليصبح ثاني عربي يجلس على الكرسي.

وقبل مغادرته كرسي البطريركية وجه صباح رسالة للفلسطينيين، مؤكدا على الأسلوب النضالي الذي آمن به “مثل كل الفلسطينيين علينا أن ندفع الثمن لاسترجاع حريتنا السياسية والاقتصادية والدينية وذلك من خلال مقاومة تدخل في منطق المحبة، مقاومة غير عنيفة”. وردا على سؤال لايلاف حول جدوى هذه المقاومة السلمية، في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية الطاغية، قال صباح بان الطرق السلمية في مواجهة الاحتلال لم تجرب بشكل واسع حتى يتم الحكم عليها بأنها فشلت.
http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/4/324006.htm

Advertisements




اعياد الربيع الفلسطينية

22 04 2008

تكتسي أعياد الربيع في فلسطين، طابعا دينيا، رغم انها تعود إلى زمن اقدم بكثير من ظهور الأديان التوحيدية الثلاثة، واستمرت، بتأويلات مختلفة، معها.
ويواصل المواطنون، بشكل غير مخطط أو واع، طقوس الاحتفالات بقدوم الربيع، كما مارسها أسلافهم منذ آلاف السنين، ولكن هذه المرة تتخذ طابعا دينيا.
وما زال الفلسطينيون يستخدمون عبارات تعود للآلهة القديمة الكنعانية والفنيقية، فيما يخص التقويم الزراعي الفلسطيني، الذي يكاد يكون مجهولا، حتى في أوساط المثقفين، ومفردات أخرى في الاستخدام اليومي، فمثلا اكثر ما يتردد الان على السنة الفلاحين الفلسطينيين الان، هو خشيتهم من خسارة محققة في الزراعة البعلية، التي تعتمد على الأمطار، والإشارة هنا واضحة إلى (بعل) اله الأمطار والرعود، الذي مضى عهده منذ زمن ولكنه بقي حيا في مصطلح يتداول بشكل دائم، والأمر أيضا ينطبق على لفظة (معشرة) للإشارة إلى حمل إناث الأغنام والبقر والدواب، والإشارة إلى (عشتار) آلهة الخصب، وتوجد بعض الألفاظ التي أصبحت جزءا من اللغة الفصيحة، منذ زمن غير معروف، مثل (عانة) للإشارة إلى شعر اسفل البطن، ويعتقد انها اشتقت من اسم الآلهة (عناة) الكنعانية.
ورغم ان العالم اجمع، يرنو إلى فلسطين، في نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، وهو موعد بدء فصل الشتاء، والأمطار والخير، بسبب أعياد الميلاد، التي تحظى بتغطية إعلامية كبيرة، إلا ان الأهم بالنسبة للسكان المحليين، والحجاج هو أعياد الفصح، التي تنطلق منذ بداية الربيع، وتتواصل طوال شهر نيسان (أبريل).
وتمكن الغربيون، من جعل عيد الميلاد الشتائي، هو الأكثر صخبا في العالم، والذي يعرف بالكريسماس، وعلى هامشه أقيمت صناعة خاصة به، واجترحت رموز له اتخذت طابعا عالميا، مثل (البابا نويل)، إلا ان الغربيين انفسهم، الذين نجحوا في تسويق ثقافة الكريسماس عالميا، وفي الشرق الأوسط، يقصدون الأراضي المقدسة، في أعياد الفصح الربيعي، وفي الظروف المواتية سياسيا، تكون حجوزات الفنادق الفلسطينية والإسرائيلية كاملة، بعكس الأمر في أعياد الميلاد، حيث تكون الأرض المقدسة تستعد لدخول ما يسمى محليا (الأربعينية) وهي أقسى أربعين يوما في فصل الشتاء.
ويشارك الفلسطينيون، والإسرائيليون، بمختلف أديانهم وطوائفهم بأعياد الربيع، والتي تبدأ مع عيد الفصح وفقا لتقويم الطوائف التي تسير على الحساب الغربي، واكثر مظاهر هذه الاحتفالات شعبية، هو ما يطلق عليه اسم (خميس البيض)، في ثاني يوم خميس من شهر نيسان (أبريل)، حيث تعمد الفلسطينيات المسلمات والمسيحيات، بصبغ بيض الدجاج، وبطرق بدائية، ومن مواد متوفرة في الطبيعية، مثل قشر البصل والأعشاب الخضراء، ويتم تبادل هذا البيض بين العائلات، والجيران.
والأكثر فرحا بهذا البيض الملون هم الأطفال، الذين ينتظرون خميس البيض بشوق، ليتبارزوا في عمليات كسر البيض، الذي يبدأ يتوفر بكميات اكثر من شهر الشتاء المنصرف، مع ازدياد خصوبة الدجاج في الربيع.
وفي زمن مضى، كان صبغ البيض يتم، ضمن طقوس، حيث يعمد الأطفال إلى المنازل، فيما يشبه الكرنفال الاحتفالي، لجمع البيض، وهم يغنون ويهزجون، ثم صبغه بشكل جماعي.
ولا يقتصر شهر نيسان، على خميس واحد، هو خميس البيض، ولكن لكل يوم خميس منه اسم مقرون باحتفال، وكان يطلق عليه اسم شهر الخميس أو (شهر الخمسيات) وجميعها، على الأغلب مقرونة بعبادات وتقاليد قديمة، تعود لزمن تعدد الآلهة الوثنية، ومن بين هذه الخمسيات مثلا، خميس مخصص للحيوانات، تحية للأبقار والأغنام وحليبهن، وخميس الفتيات، أو عيد النيروز، ولا تغيب دلالة الاسم وعلاقتها بمناسبات في دول وحضارات مجاورة (الفارسية والكردية والمصرية).
وكانت الفتيات يذهبن في الليل، أو عند الفجر إلى حقول الحنطة النامية، والى الجبال لجمع الورود، ووضعها في الماء، لغسل شعورهن وأجسادهن، ولكي “يستحممن بالندى”، وهو تعبير مجازي، حين تذهب النساء مبكرا في هذا الشهر الربيعي وتكون رطوبة الندى عابقة في الأجواء تلصق بالأجسام فيقال للتي تحظى بذلك “كأنك استحممت بالندى”.
وفي بعض القرى الفلسطينية، كان يطلق على هذا الاحتفال، جمعة البنات، أو الجمعة الطويلة، وفيه يخرجن زرافات إلى مكان محدد خارج القرية، وهن يجمعن النباتات ومعهن البيض الملون، للاحتفال، ويكون ذلك مناسبة لاعلان انثوي صاخب عن وجودهن، بعد البيات الشتوي الذكوري.
ويطلق أيضا على شهر نيسان، شهر الجمعات، لان لكل جمعة فيه مناسبة، واسم، ومنها مثلا (جمعة الحزانى) الخاصة بالنساء الوحيدات كالأرامل والعجائز واليتيمات والعزباوات اللواتي فاتهن سن الزواج، وكذلك (جمعة الأموات) التي يمكن ان تذكر بالجمعة العظيمة في الطقوس المسيحية الحالية.
ويتمنى الفلاح الفلسطيني في هذا الشهر المعتدل الحرارة مزيدا من الأمطار، وتلاقي شمسه استحسانا ويقول الفلاح “شمس شباط لكنتي، وشمس آذار لبنتي، وشمس نيسان لستي” إشارة إلى ان المسنين يستطيعون الجلوس في الخارج مستندين على الجدران، ويقال في هذا الشهر أيضا “في شهر الخميس الصبية بتمللي القميص” إشارة إلى انه شهر صحي تنمو فيها الأشياء، والأحياء، وتعلن فيه الصبايا عن انوثتهن، واللواتي كن يجدن فرصة للاختلاط والتعرف على الجنس الآخر، خلال خميسهن النيساني، أو جمعتهن الطويلة.
وفي هذا الشهر، يوجد خميس مخصص للأموات، وكذلك جمعة لهم، لتذكرهم، واحتفالات الفصح هي أصلا، إحياء لذكرى تضحية المسيح وخلاصه، صلبه وموته، وفقا للعقيدة المسيحية، ثم قيامته، ورفعه إلى السماء، وهو ما يعني ان الله قبل التضحية، ويمكن تلخيص فلسفة الموت والاحتفال الربيعي هذا بجملة (وطأ الموت بالموت) التي تتكرر في الصلوات الكنسية.
ومن المفارقات، ان شهر نيسان، بالإضافة إلى كونه شهر الاحتفالات والتفتح، هو أيضا الشهر الذي يرتبط بأذهان الفلسطينيين، بأكثر الحوادث دموية، على الأقل في تاريخهم المعاصر، ومنذ بدء الغزوة الصهيونية لبلادهم، مرورا بالانتفاضات، والثورات، والاعدامات، في زمن الانتداب البريطاني، حتى حرب 1948، التي أفضت إلى نكبة ما زالت مستمرة، والاغتيالات الشهيرة التي نفذتها إسرائيل ضد قيادتهم، ومشاركتهم في الحرب الأهلية اللبنانية، وحتى ما يجري الان في غزة.
والالتفات إلى أهمية احتفالات الربيع، ليست جديدة، على الهوية الثقافية العربية الإسلامية في فلسطين، وتعود إلى القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي خلد اسمه، بنصره على الصليبيين، في القدس، مقوضا مملكة القدس اللاتينية، وان كان سوء تخطيطه الاستراتيجي، أمد في عمر الاستيطان الفرنجي، في المشرق العربي، نحو مائة عام إضافية.
ويعود لصلاح الدين الفضل، في اجتراح احتفالات إسلامية-مسيحية ذات طابع وطني محلي، تتزامن مع احتفالات عيد الفصح، واطلق عليها اسم مواسم، مثل مواسم: النبي موسى في برية القدس، وموسم النبي روبين قرب يافا، وموسم النبي صالح قرب الرملة، وموسم المنطار في غزة، وغيرها.
ولم يكن الهدف السياسي متواريا لدى صلاح الدين، حيث كانت هذه المواسم بمثابة، استنفار شعبي، للرجال والنساء، في المناطق الفلسطينية الرئيسية، تحسبا لأي غزو فرنجي محتمل في أعياد الفصح الربيعية.
واستغل مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، تلك المواسم، خاصة موسم النبي موسى، لتعزيز زعامته، وكان يقود المحتفلين المتجمعين من مختلف انحاء فلسطين، ممتطيا حصانه، من القدس نحو موقع الاحتفال، قرب أريحا.
وما زالت السياسة تظلل احتفالات الربيع في فلسطين، فمركز احتفالات الفصح هي القدس، طريق الآلام وكنيسة القيامة، ولكن الإجراءات الإسرائيلية قتلت الكرنفال الفلسطيني ابتهاجا بقدوم الربيع، ومنذ سنوات طويلة تعمد على إغلاق المدينة المقدسة في وجه الفلسطينيين، بحجج أمنية، ولمناسبة حلول عيد الفصح اليهودي، وهو ما يمثل استئثارا من قبل اتباع ديانة واحدة بالاحتفالات داخل القدس، وتحجيما للآخرين، لا يرونه مقبولا أبدا.
ويحاول الفلسطينيون، دائما، إيجاد طرقا لمواجهة هذا الموقف الإسرائيلي، وفي حين ان احتفالات كنيسة القيامة أخذت تكتسب طابعا غربيا لوجود الحجاج الأجانب المكثف، وتراجع الوجود الفلسطيني، ما زال للكرنفال الربيعي نكهته في مدن مثل بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، ورام الله، التي تستقبل النور المقدس ألآتي من القدس، يوم سبت النور، وعشية العيد، باستعراضات الكشافة، والأغاني، والرقص، والأهازيج الشعبية الفلسطينية عن الوحدة المسيحية-الإسلامية، والوحدة المسيحية-المسيحية، ولا تخلو هذه الأهازيج من رسائل بالغة الدلالة ردا على المنع الإسرائيلي، كما يظهر في ما يردده الشبان الذين يقودون زفة النور وهم يلوحون بالسيوف غير عابئين بان يتهمهم أحد بمعاداة السامية.
 وفي منتصف شهر نيسان يكون جبل جرزيم في نابلس، حيث تعيش اصغر طائفة في العالم وهي (السامريون) مركزا لاحتفالات عيد الفصح الخاص بها، وفيه تنحر الخراف، ويركز السامريون على اختلافهم عن اليهود، وبالنسبة لمتابعين وباحثين، فانه يمكن إيجاد ملامح ليست قليلة بين الطقوس والعادات السامرية وبين الدين الإسلامي، والثقافة العربية.
وعلى الجانب الآخر، فان الربيع يكاد يكون موسما للأعياد اليهودية، ففي شهر آذار (مارس) يتم الاحتفال بعيد المساخر (البوريم)، ورغم انه مرتبط بحوادث يفترض انها مأساوية، تتعلق بما يقول اليهود انه خطر الإبادة على يد الإمبراطورية الفارسية القديمة، وهو ما يعيد إلى الأذهان الخطاب الإسرائيلي حول إيران حاليا، إلا ان هذا العيد يتميز بالمرح واللعب، وارتداء الأزياء التنكرية.
واكثر من هذا، فان المتدينين اليهود، يتناولون المشروبات المسكرة، ويشاركون في احتفالات تنكرية صاخبة.
وترتبط احتفالات عيد الفصح اليهودي، التي تحل في نيسان، بمظهرين هامين من أشكال الحياة في فلسطين، وهي الزراعة والبداوة، أي موسم الحصاد، وولادة النعاج، ومن المثير، ان رواد الحركة الصهيونية، رأوا في بدو فلسطين، امتدادا لما يقولون انه وجودا يهوديا قديما، قبل ان يتراجعوا، ويصبح البدو مثل باقي الفلسطينيين، ضحية لطموحات الدولة العبرية الدموية.
ولذا فانه يتم الان التغاضي عن ذلك، والتركيز على ارتباط العيد بما يطلق عليه اليهود الانعتاق من العبودية المصرية، والخروج من مصر إلى فلسطين.
ويحلو لأوساط يهودية ان تطلق على عيد الفصح، عيد الحرية والخلاص، ولكنهم يصطدمون بالتفسيرات المتزمنتة للحاخامات، الذين يرون فيه عيدا للعبودية الإلهية، لان الرب هو من حررهم مما يسمونه العبودية المصرية، وان ذلك لم يتم بفعل مقاومة بشرية.
ويستمر عيد الفصح أسبوعا، حافلا بالطقوس، خصوصا في وسطه، ويتم التخلص من أية أطعمة تدخل الخميرة فيها، وتم خلاله تناول خبز الفطر المسمى (متساة).
ويتم استخدام أواني خاصة خلال هذا العيد، وتخبأ لتستخدم في العام المقبل، حرصا على ان لا تتلوث بأي عنصر فيها نوع من الخميرة.
ويجسد مفهوم العبودية الإلهية، لدى اليهود، في تجنب الخميرة، لانهم لا يعرفون سبب ذلك، ولكن يفعلون ذلك، كما يرون استجابة لأوامر ربانية.
وخلال قرون، طور الحاخامات فقها، يشير إلى ان الهدف الإلهي من تحريم الخميرة، لاعطاء عظة، كي لا ينتفخ الانسان تائها بكبريائه، مثلما تنفخ الخميرة الخبز.
وترتبط أعياد الربيع، لدى جمع قاطني الأرض المقدسة الان، بالأكل، فلدى المسيحيين مثلا، ينتهي الصوم الأربعيني عن اللحوم والبيض التي كان الفلاحون يفتقدونها في الشتاء، ويتم إباحة تناول جميع المأكولات في عيد الفصح الذي يطلق عليه في فلسطين اسم (العيد الكبير)، أما بالنسبة لليهود، فانهم يتناولون الوجبة الرئيسية يطلق عليها اسم (سدر) باعتبارها الطقس الأبرز، لانه يصاحبها سرد قصة الخروج المفترضة من مصر، بطريقة مسلية تتضمن ألغازا وغناء وبعض الألعاب، وتوجد في ذلك تفاصيل كثيرة.
ومثل المسلمين والمسيحيين، في خميس البيض، يحضر البيض على مائدة (السدر) اليهودية، المفعمة بالرموز، وتكون رمزا للربيع، وفي هذا العام، سمح شالوم سمحون، وزير الزراعة الاسرائيلي باستيراد نحو 80 مليون بيضة لاستخدامها في عيد الفصح.
والى جانب البيض، تحضر على المائدة، أشياء أخرى ترمز إلى القربان المقدس، ودموع العبيد، والعبودية، وما زال اليهود يحرصون على ان تتضمن هذه الوجبة خليطا اسمر يطلق عليه اسم (حاروست)، ويرمز إلى شيء قد يبدو غريبا ومفاجئا، وهو الهاون، الذي يعتبر بالنسبة لهم الأداة التي يقولون انهم اجبروا على استخدامها وهم عبيد، لتشييد المدن المصرية القديمة.
وهكذا هي الأمور في الأرض المقدسة، احتفالات بالربيع والموت والحرية والعبودية، تحت وطأة الطقوس، وأزيز الرصاص، وما أشبه اليوم بالبارحة.