شهادة رئيس الموساد حول اغتيال مشعل

21 04 2008

يقدم، افراهام هليفي، رئيس الموساد السابق، أخيرا روايته حول عملية اغتيال خالد مشعل، رئيس مكتب حركة حماس، في الأردن عام 1997م، والتي باءت بالفشل، وكانت حدثا هاما، في تفصيلات الصراع الطويل الذي يظلل الشرق الأوسط. ودور هاليفي، في إيجاد حل للازمة التي برزت بعد محاولة الاغتيال الفاشلة، معروف على نطاق واسع، ولكنه يتحدث لأول مرة عن ذلك في كتابه (رجل في الظلال) الذي صدرت ترجمته العربية عن الدار العربية للعلوم في بيروت، هذا العام.

وأمضى هاليفي، اكثر من خمسين عاما في خدمة الموساد، مما مكنه الاطلاع على أسرار كثيرة، وتولى رئاسة الموساد لفترتين، إحداها بعد عملية مشعل. وعندما اعترض عدد من عملاء الموساد، مشعل، وهو يهم بدخول مكتبه في العاصمة الأردنية عمان، وحقنوه المادة السامة، كان هاليفي سفرا لإسرائيل لدى الاتحاد الأوروبي، حيث تلقى طلبا من حكومته بالعودة، لحل المشكلة بعد القبض على اثنين من عملاء الموساد، واختباء أربعة آخرين في السفارة الإسرائيلية بعمان.

وتم اختيار هاليفي، من قبل حكومته، لارتباطه بعلاقات خاصة ووثيقة، مع الملك الأردني الراحل: حسين بن طلال، ولان الأخير لم يكن يرغب برؤية أي إسرائيلي بعد عملية الاغتيال الفاشلة لأنه، كما يقول هاليفي كان يشعر بالخيانة “من أشخاص تصادق وتعامل معهم، في جو من الثقة والأمانة.

كان رئيس الموساد، وهو سكرتير عسكري سابق لرئيس الوزراء الراحل رابين، قد أمضى عطلة الأسبوع مع عائلته في مدينة العقبة قبل أيام من ترؤسه العملية الفاشلة على الأراضي الأردنية. بالنسبة إلى الملك، تجاوز الوضع القدرة على الفهم”.

ولم يكن الأمر بالنسبة للعاهل الأردني الراحل، يتعلق فقط برئيس الموساد الذي حل ضيفا عليه، وكان يضمر ما يضمر، ولكن أيضا، وكما يكشف هاليفي، أن الملك حسين، كان مرر اقتراحا إلى إسرائيل عبر أحد ضباط الموساد، يتعلق بالتوصل إلى هدنة لمدة 30 عاما بين إسرائيل والفلسطينيين بما فيهم حركة حماس، وبقي الملك ينتظر ردا إسرائيليا، دون إجابة، حتى وقعت عملية الاغتيال الفاشلة، وكانها هي الرد على الاقتراح السلمي.

وعندما وصل هاليفي إلى تل أبيب، نقل بسرعة إلى مقر الموساد وعن ذلك يقول “ساورني إحساس غريب، فقد كان الأمر أشبه بالعودة إلى ساحة الجريمة، فأنا لم اعد عضوا في هذه المجموعة المشهورة من المحاربين، ولكن بدا أن مصير رفاقهم والمستقبل السياسي للمسؤولين في كلا الجانبين بات معلق بي”.

ورغم مشاعر هاليفي الغريبة، إلا أن رئيس الموساد ورفاقه استقبلوه بترحاب شديد، باعتبار انه من سيتمكن من حل المشكلة مع العاهل الأردني الغاضب، وإعادة فريق الموساد الفاشل من عمان.

ولم يطلب هاليفي سماع أي شيء عن مجريات العملية، وسط مفاجأة زملاءه السابقين الذين شرح لهم الأمر قائلا “كلما كانت معرفتي بتفاصيل العملية اقل، كلما كان افضل، لأنني رغبت عندما التقي بأصدقائي الأردنيين بان أكون غير ملم بالتفاصيل بقدر الإمكان، فأنا لم اعد عضوا في الموساد. وإذا كانت ثمة فرصة للنجاح، فستتوفر فقط في حال اقتنعوا بأنه لا علاقة لي بما حدث”.

وقبل وصول هاليفي، كان الاتجاه السائد في الموساد، بأنه لا يمكن حل الأزمة، دون إرضاء الأردن، وتم طرح عدة مقترحات مثل إمداد الجيش الأردني بكميات من أجهزة الرؤية الليلية تعمل بالأشعة الحمراء خاصة بالدبابات، ولكن هاليفي لم ير في ذلك جدوى، ورأى انه لا بد من تقديم عرض يساعد العاهل الأردني “الدفاع عن قراره بإطلاق سراح المحتجزين الستة إذا تطلب الأمر” كما يقول هاليفي، الذي قدم اقتراحا بإطلاق سراح الشيخ احمد ياسين مؤسس حركة حماس من السجون الإسرائيلية، وتسليمه إلى الملك حسين، باعتباره سيكون العرض المقبول الذي يف بالغرض.

ولم يجد الاقتراح قبولا من قبل قادة الموساد، بل انهم هاجموا هاليفي بشدة، مبررين ذلك، بأنه لا يمكن يتفهم الشعب الإسرائيلي خطوة مثل هذه، ولم يكن قد نسى الشارع الإسرائيلي، رفض الحكومة الإسرائيلية إطلاق سراح ياسين، استجابة لمطلب من خلية تابعة لحركة حماس خطفت جنديا إسرائيليا، وبدلا من ذلك اقتحم الجيش الإسرائيلي مكان احتجاز الجندي وقتله مع خاطفيه، بالإضافة إلى مقتل جندي من المهاجمين للمكان.

واصر هاليفي على اقتراحه، باعتباره الثمن الذي يمكن أن يقبله الملك الأردني، وقال هاليفي لزملائه السابقين في الموساد بأنه في حالة عمد الملك حسين إلى إطلاق سراح عملاء الموساد الستة بدون مقابل فانه “لن يكون بمقدوره النظر مجددا في وجه رجال جهازه الأمني الشخصي، لأنه لن يعود في نظرهم اكثر من متعاون مع جهاز الموساد وما يمثله”، وحذر هاليفي من أن تفاقم الأمور ربما ستدفع الملك إلى تعليق العمل باتفاقية السلام بين بلاده وإسرائيل.

واستمر رفض الموساديين للاقتراح، وبدا انهم يريدون حلا للازمة بدون دفع أي ثمن، ونقل هاليفي اقتراحه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو، الذي رد برفض شديد.

وفي اليوم التالي، كان نتنياهو هو من اتصل بهاليفي، وكلفه بالتحرك ضمن الاقتراح الذي قدمه دون ذكر الأسماء، ولكن هاليفي طلب من رئيس وزرائه أن يكون محددا في كلامه، وان يذكر اسم ياسين، وهو ما حدث، كي يتمكن هاليفي من التحرك وفق أوامر محددة، وليعرف ما هي حدود صلاحياته.

وقدم هاليفي عدة شروط، وبعد أن تلقى الموافقة عليها من نتنياهو تحرك صوب صديقه الملك حسين، الذي كان طلب عدم الزج به في المسألة. ولكن هاليفي تشجع، خصوصا، وان نتنياهو، كان تحرك سريعا بعد رش السم في أذن مشعل، وارسل طبيبا إسرائيليا حمل الترياق إلى المشفى، لانقاذ الرجل الاول في حماس.

وفي هذه الأثناء، لم يكن الملك الأردني شديد الثقة بالخطوة الإسرائيلية، فاتصل مع الرئيس الأميركي، وتم استدعاء طبيب أميركي، لمعاينة مشعل، وطمأنة الملك.قبل توجهه إلى الأردن، اجتمع هاليفي واخرون في مكتب نتنياهو، وكانت تصلهم اتصالات من اميركا تحثهم على طمأنة الملك وتلبية مطالبه والتخفيف من هواجسه وقلقه.

ووردت معلومات من عمان إلى هاليفي، بان الملك يخطط لعقد مؤتمر صحافي للكشف عن العملية الفاشلة، ويعلق العمل باتفاقية السلام، ويغلق السفارة الإسرائيلية، بعد تسلم المختبئين فيها، حتى لو اضطرت القوات الأردنية إلى اقتحامها.

ووصل هاليفي إلى عمان لوحده، والتقى بولي العهد آنذاك الأمير حسن، ونائب رئيس المخابرات الأردنية، الذي اتهم الإسرائيليين بالخيانة، لكن هاليفي اخبره بأنه لا يمثل الموساد، وانما شخصه.

واستفسر هاليفي عن عميلي الموساد المحتجزين في السجن الأردني، فرد الأمير الحسن على الفور بأنهما بصحة جيدة، وهو “ما اغضب نائب رئيس جهاز المخابرات الذي كان يرغب في إبقائنا على جهل تام بأوضاعهما لاطول فترة ممكنة”- كما يروي هاليفي.وتم تحديد موعدا لهاليفي ليقابل الملك ظهرا، فهرع إلى السفارة الإسرائيلية، ورفع تقريرا إلى نتنياهو، والتقى عملاء الموساد الأربعة ليطمئن عليهم، بعد أن اطمئن على زميليهم، وطلب منهم الاستعداد لتلقي أية إشارة منه لإخراجهم من الأردن.

وعندما قابل هاليفي الملك، المح الأخير بقبوله الاقتراح بإطلاق سراح الشيخ ياسين، فاقترح هاليفي عقد اجتماع على مستوى عال بين الطرفين الإسرائيلي والأردني لتثبيت الاقتراح، وهو ما وافق عليه الملك، والذي وافق أيضا على حضور نتنياهو إلى الأردن للإشراف على حل المشكلة.

وتحرك هاليفي بسرعة، لتنفيذ الاقتراحات، وذهب إلى السفارة وتلقى موافقة نتنياهو على الحضور إلى الأردن، وعاد إلى الملك من جديد بعد أن اصبح إطار الحل واضحا، وقدم له طلبا وصفه بالشخصي وبـ “الرحيم”، وعندما سأله الملك عن هذا الطلب أجابه هاليفي “بما أنني انشد عطفا ملكيا، فأنا لا اشعر بالارتياح لذكر ما يمكن أو ينبغي على جلالته أن يفعله”، فقال الملك الذي فهم ما يطلبه هاليفي “اذهب واصطحب الرجال الأربعة الذين في السفارة على الفور”.

ويروي هاليفي “حاول نائب رئيس المخابرات منع جلالته من التأكيد على قراره، ولكن بدون جدوى، فقد تم إلقاء حجر النرد، بعد ذلك التفت إلى جلالته وطلبت منه أن يتم إبلاغ العميلين المحتجزين بطريقة معينة، بأننا على علم بأوضاعهما، وأننا نعمل على إعادتهما إلى وطنهما. وافق الملك دون تردد بالرغم من الانزعاج الذي بدا واضحا على نائب رئيس المخابرات”.

وخرج هاليفي من عند الملك، واتصل فورا ليطلب إرسال طوافة عسكرية إسرائيلية دون تأخير لنقل العملاء الأربعة وهو معهم إلى إسرائيل، وفي اقل من ثلاثين دقيقة كان الجميع على متن الطوافة التي وصلت من عمان إلى القدس في غضون عشرين دقيقة.

وتوجه هاليفي الى مكتب نتنياهو، للتحضير للقاء الليلي في عمان، وكان الجدال ما زال مستمرا في القيادة الإسرائيلية حول صفقة إطلاق سراح الشيخ ياسين، ولكنه حسم لصالحها، مع وقوف أشخاص مثل ارئيل شارون خلف نتنياهو، وكذلك وزير الدفاع آنذاك اسحق موردخاي.

ومن الأمور التي يكشف عنها هاليفي، ما حدث للطوافة الإسرائيلية التي أقلعت من القدس، وعلى متنها نتنياهو، ووزير دفاعه، وهاليفي، وضباط آخرون، لتحط في عمان، ويقول بأنه لدى الاقتراب من عمان “لم نتبلغ أية إشارة إلى أن الأردنيين سيكونون حاضرين لاستقبالنا على الأرض، فقد وقع خطا في تنسيق الإجراءات، وظلت الطائرة تحلق حوالي نصف ساعة فوق المدينة على غير هدى. أحسست بخطر متنام مع انخفاض مستوى التحليق بين الحين والآخر بحثا عن مكان مناسب للهبوط”.

ويصف هاليفي تلك التجربة بأنها كانت “محطمة للأعصاب، اقترحت خلالها اكثر من مرة على رئيس الوزراء إلغاء المهمة والعودة إلى إسرائيل وإعادة الأمور إلى نصابها، ولكنه لم يكن ليرضى بمثل هذا الاقتراح وامر الطيارين بمتابعة بحثهم عن مكان للهبوط، وفي الدقيقة الأخيرة، أقلعت طوافة أردنية، وأجرت معنا اتصالا، وأرشدتنا إلى موقع الهبوط”.

ويقول هاليفي “كان من شان الوقوع في خطا واحد أن يحول المهمة إلى مأساة وطنية” هذا بالنسبة لإسرائيل، ولكن بالنسبة للرأي العام العربي لكان الأمر مختلفا، ولربما وصفت بالمعجزة التي اودت بحياة نتنياهو ورفاقه.

وبدأت المفاوضات في العاصمة الأردنية عمان، ولم تكن مفاوضات سهلة كما يذكر هاليفي، ولكنها انتهت إلى حل للازمة، كما هو معروف، وتم إطلاق سراح الشيخ ياسين، الذي جال في دول عربية وإسلامية، قبل عودته إلى غزة، وسعت إسرائيل فيما بعد إلى تصفية الحساب معه، واغتالته في 22 آذار (مارس) 2004.

ويبدو أن هاليفي لم ينس مشعل أبدا، طوال السنوات الماضية، ونشر في جريدة يديعوت احرنوت بتاريخ 7 نيسان (أبريل) الجاري مقالا، دعا فيه إلى النظر بجدية لتصريحات مشعل الأخيرة بان حركة حماس مستعدة للاعتراف بحدود حزيران (يونيو) 1967 للدولة الفلسطينية وان التسوية يجب أن تشمل قضيتي القدس واللاجئين.

وكتب هاليفي “مشعل غير مستعد للتصريح مسبقًا بأنه يعترف بحق إسرائيل في الوجود كما تطالبه الاسرة الدولية. وفي نفس الوقت يصر أبو مازن على عدم التصريح المسبق باعترافه بإسرائيل كدولة يهودية. هل يوجد فرق حقيقي بين هذين الموقفين المتقابلين؟”.

ويقول “حماس تلقت ضربات قاسية جدًا من إسرائيل في الأشهر الأخيرة وهي تتعطش لوقف إطلاق النار. من يسعى لوقف إطلاق النار يدلل على انه الطرف الأضعف في المعادلة. هذه هي اللحظة الصحيحة والمواتية لتحقيق تسوية مؤقتة صادقة”.

ويضيف “إن لم تتدارس إسرائيل بجدية تغيير السياسة في ظل الأصوات المنبعثة من قادة حماس في غزة ودمشق وفي الظرف الملائم لها في هذه المرحلة، فسرعان ما سنجد أنفسنا في منحدر شديد”.

ويكتب وكأنه يتذكر حادثة الطوافة التي كانت ستسقط في الأجواء الأردنية “من يحتاج لدليل على الوضع الهش الذي شهده توازن إسرائيل – حماس فقد حصل عليه في الأسبوع الماضي عندما كانت إصابة وزير الجيش ورئيس الشاباك السابق آفي ديختر قريبة جدًا. مصير هذا التوازن مودع بيد الصدف في اكثر من مرة”.

وينهي مقاله بدعوة صريحة للتجاوب مع اقتراحات مشعل “في الأسابيع الأخيرة دعا ايمن الظواهري عدة مرات لضرب اليهود وإسرائيل في إسرائيل وفي كل مكان آخر. اتباع حماس يعتبرون كفرة في نظر القاعدة بسبب رغبتهم المعلنة بالتوصل إلى تفاهمات أو اتفاقيات ما مع إسرائيل ولو بصورة غير مباشرة. تصريح مشعل يتناقض قطبيًا مع نهج القاعدة وهو دعوة لإسرائيل لاغتنام الفرصة التاريخية ربما لدفع العملية للجانب الإيجابي، فهل عجزت عيوننا عن الرؤية؟ وهل سدت آذاننا عن السمع؟”.

وما يفعله هاليفي في مقاله، هو اجتراح الحكمة بعد فوات الأوان، وبعد أن أمضى اكثر من خمسين عاما في الموساد، الذي ترتكز عقيدته، مثل باقي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، على الانتقام، وتنفيذ عمليات ردع مسبقة، وممارسة الاغتيالات، دون التوقف لأية مراجعة سياسية، وهو ما يفعله هاليفي الان، مثلما فعله غيره، بعد الخروج من الخدمة.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/4/323386.htm

Advertisements