الروس يعودون إلى القدس لإستعادة دويلتهم

13 04 2008

يعتبر مبنى المسكوبية الضخم، من أوائل البنايات، التي شيدت خارج بلدة القدس القديمة، في شارع يافا، شمال شرق أسوار البلدة التاريخية، في القرن التاسع عشر، ليصبح آنذاك أحد معالم مدينة كانت تخطو بخفر نحو الحداثة. وكان المبنى حدثًا بكل المقاييس في مدينة كانت تغلق أبوابها مع غروب الشمس، خوفًا من غارات البدو وغزواتهم، وفي فترة تطور لاحقة للمدينة التي تضم بعض من اشهر البنايات الدينية داخل أسوارها، تم فتح فجوات في أسوارها تسمى الواحدة منها (خوخة) من أجل أن يدلف منها من يتأخر خارج الأسوار بعد إغلاق الأبواب، مع غياب الشمس. ويدل المبنى، على تعاظم الدور الروسي في فلسطين، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث برزت الإمبراطورية القيصرية كحامية للأرثوذكس رعايا الإمبراطورية العثمانية.

وخاضت الإمبراطورية الروسية البيضاء التي ارتبطت بوشائج ثقافية ودينية متنوعة مع الأرض المقدسة، كان لها تأثيرًا مثيرًا وكبيرًا على النهضويين العرب في بر الشام، حربًا ضد الإمبراطورية العثمانية، تحولت إلى حرب عالمية صغيرة، انضمت إليها دول مؤثرة أخرى، عرفت باسم (حرب القرم) وكان ذلك عام 1853م، واستمرت ثلاث سنوات، والسبب يبدو الان غريبًا وتافهًا، يتعلق بإختفاء النجمة الفضية من مغارة كنيسة المهد في مدينة بيت لحم، واعتبر ذلك تعديًا على حقوق الأرثوذكس في الكنيسة، لصالح اللاتين.

ومن نتائج حرب القرم، مبنى المسكوبية، الذي كان يوصف من قبل بعضهم بأنه دولة داخل دولة، إشارة إلى عظمته، ويعود إلى عام 1857، عندما بناه الروس كمجمع للمصالح الروسية، يضم نزلاً للحجاج، الذين يأتون للأراضي المقدسة، فيجدون كل شيء متوفرًا لهم من المستشفى إلى الكنيسة وحتى المحكمة والسجن، وجميعها أبنية فخمة ذات هندسة معمارية مميزة، بنيت من الحجارة المحلية.

وشكل تشييد المسكوبية، التي أخذت اسمها من وصف مسكوبي، الذي كان يطلقه المحليون الفلسطينيون على الشخص الروسي، حدثًا بكل المقاييس، وهو ما يمكن أن نستدل عليه من الشهادات التي كتبت وقت تشييده، مثل ما خطته اليزابيث فن، زوجة جيمس فن القنصل البريطاني في القدس خلال الفترة 1846-1863م. تذكر فن وهي مأخوذة، انه في شهر أيار (مايو) 1857، وصل إلى القدس مبعوث من قبل الحكومة الروسية، مشيعًا بين السكان، انه حضر لشراء ارض لإقامة مستشفى روسي، سبق وأن حصلت روسيا على الأذن ببنائه من السلطان العثماني بعد حرب القرم، وأنه احضر معه سبعة ملايين روبل لهذه الغاية.

وتعقب فن وهي مندهشة، خصوصًا وأنها عانت وزوجها من الحصول على ارض في القدس خارج الأسوار “أصبنا بالدهشة، عندما وجدنا المبعوث الروسي وخلال أسابيع قليلة قد اشترى قطعة الأرض خارج أسوار المدينة، وأنه إضافة إلى ذلك قد حصل على القسم الأكبر من ارض الميدان المجاورة التي تتحكم بالزاوية الشمالية الغربية للقدس والذي كان يعتبر منتزهًا للسكان ومكان الاستعراضات العسكرية والاحتفالات الرسمية في الأعياد الدينية والحكومية”.

وأول شيء فعله الروس إحاطة الأرض ومساحتها 32 دونمًا (الدونم ألف متر مربع) بسور حجري، ثم باشروا ببناء كاتدرائية الثالوث الأقدس ولها سبع قباب مطلية بالرصاص، وكنيسة اصغر على اسم القديس اسكندر نيفسكي (1220-1263م)، وهو من مشاهير قادة الروس، وبالنسبة إليهم هو فاتح السويد والدانمارك، وأحد القديسين في الكنيسة الروسية، ومشفى، ودار قنصلية تضم مسكن ومكتب للقنصل الروسي، ومساكن للبعثة الروسية الدينية، ونزل للحجاج الروس مجانًا يتسع لألف وخمسمئة شخص، واخر لنزول الشرفاء الروس، وثالث للنساء ويستوعب ألفي امرأة، ومقر للأسقف الروسي، ومنازل للكهنة والمعلمين والموظفين الروس.

وبقي الذهول ملازمًا لفن وهي تكتب “بقيت هذه المسألة غامضة بالنسبة إلى الجميع، فلا أحد يقدر على التصديق، بأن الحكومة التركية في اسطنبول يمكنها أن تقبل بأن تفرط بهذه الأرض ذات الأهمية الكبرى لسكان القدس والموقع العسكري الاستراتيجي المهم جدًا”. وتبيّن أن الأرض كانت هبة من السلطان العثماني، إلى القيصر الروسي، بعد توقيع اتفاق السلام بينهما في باريس عام 1856م اثر حرب القرم. وبلغت تكاليف بناء المسكوبية مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير في حسابات ذلك الوقت، ولكن للإمبراطوريات حسابات أخرى تتضاءل أمامها أي حسابات مادية، وتعاظم الوجود الروسي في فلسطين لاحقًا، حتى اصبح الروس يملكون الآن 3% من أراضي فلسطين الانتدابية.

ويقع المبنى على بعد نحو كلم واحد، اسوار البلدة القديمة، وكان تشييده إيذانًا بتأسيس ما عرف بالقدس الجديدة خارج الأسوار، وفي عام 1887م، شيد في المسكوبية نزل آخر على نفقة الجمعية الفلسطينية – الروسية الإمبراطورية، التي كان يرأسها آنذاك شقيق قيصر روسيا اسكندر الثالث. وتتوفر لنا شهادة نادرة حية لأحد أبناء القدس هو الموسيقي واصف جوهرية، الذي يشير كيف كان المقدسيون يخرجون من منازلهم الضيقة في البلدة القديمة التي تغلق أبوابها مع ساعات المساء، إلى منطقة المسكوبية لقضاء أوقات ترويحًا عن الأنفس.

وبلغته الخاصة وصف جوهرية عمارة المسكوبية التي جمعت بين الأساليب الفلسطينية التقليدية والروسية “هذه العمارة العظيمة تحتوي على عدد كبير من العمارات المتفرقة، وكل عمارة تحتوي على طابقين مخصصين لشيء خاص، وكان شكل بناؤها كما يتضح للعيان لغاية يومنا هذا هندسة عربية أي عقد صليب في غاية القوة والإتقان، وعرض الحائط لكل هذه العمارات لا يقل عن المتر والنصف وشبابيكها معمولة من الدرفات القزازية إنما مزدوجة أي من خارج الحائط، ثم درفات مثلها من داخل الحائط ليتسع الفراغ بينها ويمنع البرد بحسب الطريقة الروسية”.

ولمسات الطريقة الروسية، كما يسميها جوهرية تظهر أيضًا في الأرضيات التي وضع عليها “الخشب الكثيف، والجدير بالذكر ان هذا الخشب للأرض كان يغطى بالدهان الكثيف، دهان زيت ويعاد دهنه في كل سنة، فيصبح وكأنه بلاطة واحدة وإنما دافئة تمنع الرطوبة والبرد حسب الطريقة الروسية”. ويتذكر جوهرية الذي كتب مذكراته وهو يحتضر في بيروت بعيدًا عن القدس في سبيعنات القرن الماضي “ان جميع هذه العمارات داخلها صوبات للتدفئة تشعل فيها الحطب، وهذه الصوبات جيئت خصيصًا على النمط الروسي بحجم كبير جدًا ولا يوجد لها مثيل في أي من عمارات الدول الأخرى بالقدس”.

ويتخلل العمارات التي يضمها مبنى المسكوبية، البساتين وغابات أشجار السرو والصنوبر والزيتون، وكان يحرسها مجموعة من “العبيد الاقوياء” كما يصفهم جوهرية، مستعينين بـ “بعض الكلاب النادرة الكبيرة الحجم تقارب علو الجحش ولونها اسود حالك ذو الشعر الجعدي وهي من بلاد الروس”.

ولم يطل زهو الروس كثيرًا بدويلتهم في القدس، فبعد الحرب العالمية الاولى، وبدء الانتداب البريطاني على فلسطين، وضع البريطانيون أيديهم على أملاك الروس في فلسطين ومن بينها تلك الدرة المسكوبية، التي تحولت إلى أحد المراكز الأمنية للاحتلال الجديد، وأضحت سجنًا استقبل أفواجًا جديدة من المثقفين والسياسيين ورجال الدين المسيحيين وعلماء الدين المسلمين، ورموز الحركة الوطنية، واستخدمت مرافق أخرى منها للشرطة البريطانية والعدلية، وبعضها كمستشفى حكومي.

وبينما أصبحت روسيا إمبراطورية حمراء، يكن الغرب لها عداءً كبيرًا، فإن دويلتها في القدس، اختصرت برمز واحد هو السجن وما تزال كذلك حتى الان، إلى درجة أن كثيرين يجهلون، التاريخ المهيب لهذه القلعة. وفي العهد البريطاني، تم إعدام عشرات من المقاومين الفلسطينيين في المسكوبية، وأشهرهم مثلاً، اثنان من قادة العصابات الثورية الفلسطينية عرفا بلقبي (العرميط) و(أبو جلدة) وذاع صيت الاثنين، باعتبارهما، بالنسبة إلى الفلسطينيين ثائرين على الظلم البريطاني وتنامي نشاط الحركة الصهيونية، بينما نظر إليهما من قبل الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية كاثنين من المجرمين “الأشرار” وقطاع الطرق.

وتم الزج بعشرات من المثقفين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعرب في المسكوبية، والقائمة طويلة، وتضم مثلاً القائد الشيوعي محمود الأطرش المغربي (جزائري الأصل)، والكاتب نجاتي صدقي، ورائد الدراسات الفلكلورية الفلسطينية توفيق كنعان (لبناني الأصل)، والمؤرخ والسياسي اكرم زعيتر، والقانوني حنا عصفور، والنقابي ميشيل متري، والعلامة عجاج نويهض، واللبناني حسن ملك، والمفكر الاشتراكي جبرا نقولا، والقاص خليل بيدس..وغيرهم.

وفي عام 1948، وقعت المسكوبية ضمن ما اصبح يعرف بالقدس الغربية، وهو القسم من القدس الذي احتلته إسرائيل، وفي عام 1967 احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين، ومن بين ذلك القسم الشرقي من القدس، وتحولت المسكوبية إلى أحد اشهر مراكز التحقيق الإسرائيلية، التي استقبلت أعدادًا لا يمكن حصرها من الفلسطينيين والفلسطينيات.

وفي زنازين المسكوبية سقط كثيرون، بسبب التحقيق والتعذيب القاسيين، واكتسبت معتقل المسكوبية لدى الفلسطينيين، اسم المسلخ، وما زال كذلك. وبإضافة إلى السجن، فإن مركز الشرطة الإسرائيلية ودوائر الأمن الأخرى، كالمخابرات، تقع في المسكوبية، التي شكل فقدانها للروس مثار غصة لهم لم تنته. وتم الزج بالأملاك الروسية في فلسطين، في أتون الحرب الباردة، وتسلمت الأديرة ما عرف بالكنيسة البيضاء، التي انشقت عن النظام الشيوعي، والكنيسة الام التي أضحت توصف بالحمراء.

وقتل أعداد من الرهبان والراهبات في الأديرة الروسية، على يد مجهولين، والتقديرات انهم سقطوا، على أيدي جماعات يهودية متطرفة، أو تمت تصفيتهم من قبل المخابرات الإسرائيلية، لشكوك حول تجندهم في المخابرات السوفياتية مرهوبة الجانب آنذاك. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وإعادة روسيا، علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل، التي كانت قطعت في أعقاب حرب حزيران (يونيو) 1967، بدأت روسيا حملة لاستعادة أملاكها في فلسطين، وحققت إنجازات في ذلك، وسط صعوبات وإشكاليات معقدة، لكن مسألة المسكوبية ظلت مستعصية، على الرغم من الإعلان بين الفترة والأخرى عن وجود مفاوضات مع إسرائيل لاستعادتها، مع تشكيك المراقبين بنجاح الامر.

وتؤشر الأخبار التي تتحدث عن قرب تخلي إسرائيل عن المسكوبية لأصحابها، لتعود لهم بعد اكثر نحو 150 عامًا على تشييدها، عن الدور الروسي الجديد المتعاظم في الأراضي المقدسة، والذي أصبح ملموسًا اكثر من أي وقت مضى. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، الذين تلقوا اكثر من إشارات ود من قبل الروس، خلال السنوات الـ 15 الأخيرة، فإن إغلاق سجن المسكوبية، الذي يبدو لهم الآن وكأنه أمرًا مستحيلاً، سيكون بمثابة عيد حقيقي.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2008/4/321059.htm

Advertisements

إجراءات

معلومات

9 تعليقات

4 09 2008
محمد محفوظ جابر

الصورة المرفقة مع الموضوع ليست المسكوبية وليست في شارع يافا يرجى التقيق

4 09 2008
hnda

الاخ محمد،
كلامك صحيح الصورة لكنيسة روسية في سفح جبل الزيتون بالقدس.
اذا كان لديك صور للمسكوبية ارجو ارسالها
شكرا لاهتمامك

4 09 2008
محمد محفوظ جابر

ان اغلاق سجن المسكوبية دون محاسبة الجلادين السفاحين الذين ارتكبوا جرائم التعذيب ضد ابناء الشعب الفلسطيني دون حساب هو جريمة لاتغتفر لذلك يجب اطلاق حملة لمحاكمة اولئك المجرمين

4 09 2008
محمد محفوظ جابر

آسف ياعزيزي لا امتلك الصورة ولكني اعرف السجن ولن انساه وسوف ابحث عنها

4 09 2008
hnda

السجن لم يغلق ولم اتمكن من التصوير بسبب المحاذير الامنية
شكرا لك

5 09 2008
محمد محفوظ جابر

تحياتي لك
يوجد موقع “القدس الشريف” فيه صور من المسكوبية ولا يوجد السجن ارجو ان يكون مفيدا .

5 09 2008
hnda

شكرا اخ محمد سابحث عن الموقع وامل خيرا

21 11 2008
غير معروف

صباح الخير

3 03 2010
معتز

حسبى الله و نعم الوكيل عايزين ايه من فلسطين ….امتى يظهر المهدى المنتظر و يريحنا م العذاب اللى احنا فيه ؟؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: