بعل اله الامطار

13 04 2008

تمثال من البرونز للاله بعل عثر عليه في اوغاريت -متحف اللوفر بباريس (صحتين)

الإعلانات




الروس يعودون إلى القدس لإستعادة دويلتهم

13 04 2008

يعتبر مبنى المسكوبية الضخم، من أوائل البنايات، التي شيدت خارج بلدة القدس القديمة، في شارع يافا، شمال شرق أسوار البلدة التاريخية، في القرن التاسع عشر، ليصبح آنذاك أحد معالم مدينة كانت تخطو بخفر نحو الحداثة. وكان المبنى حدثًا بكل المقاييس في مدينة كانت تغلق أبوابها مع غروب الشمس، خوفًا من غارات البدو وغزواتهم، وفي فترة تطور لاحقة للمدينة التي تضم بعض من اشهر البنايات الدينية داخل أسوارها، تم فتح فجوات في أسوارها تسمى الواحدة منها (خوخة) من أجل أن يدلف منها من يتأخر خارج الأسوار بعد إغلاق الأبواب، مع غياب الشمس. ويدل المبنى، على تعاظم الدور الروسي في فلسطين، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث برزت الإمبراطورية القيصرية كحامية للأرثوذكس رعايا الإمبراطورية العثمانية.

وخاضت الإمبراطورية الروسية البيضاء التي ارتبطت بوشائج ثقافية ودينية متنوعة مع الأرض المقدسة، كان لها تأثيرًا مثيرًا وكبيرًا على النهضويين العرب في بر الشام، حربًا ضد الإمبراطورية العثمانية، تحولت إلى حرب عالمية صغيرة، انضمت إليها دول مؤثرة أخرى، عرفت باسم (حرب القرم) وكان ذلك عام 1853م، واستمرت ثلاث سنوات، والسبب يبدو الان غريبًا وتافهًا، يتعلق بإختفاء النجمة الفضية من مغارة كنيسة المهد في مدينة بيت لحم، واعتبر ذلك تعديًا على حقوق الأرثوذكس في الكنيسة، لصالح اللاتين.

ومن نتائج حرب القرم، مبنى المسكوبية، الذي كان يوصف من قبل بعضهم بأنه دولة داخل دولة، إشارة إلى عظمته، ويعود إلى عام 1857، عندما بناه الروس كمجمع للمصالح الروسية، يضم نزلاً للحجاج، الذين يأتون للأراضي المقدسة، فيجدون كل شيء متوفرًا لهم من المستشفى إلى الكنيسة وحتى المحكمة والسجن، وجميعها أبنية فخمة ذات هندسة معمارية مميزة، بنيت من الحجارة المحلية.

وشكل تشييد المسكوبية، التي أخذت اسمها من وصف مسكوبي، الذي كان يطلقه المحليون الفلسطينيون على الشخص الروسي، حدثًا بكل المقاييس، وهو ما يمكن أن نستدل عليه من الشهادات التي كتبت وقت تشييده، مثل ما خطته اليزابيث فن، زوجة جيمس فن القنصل البريطاني في القدس خلال الفترة 1846-1863م. تذكر فن وهي مأخوذة، انه في شهر أيار (مايو) 1857، وصل إلى القدس مبعوث من قبل الحكومة الروسية، مشيعًا بين السكان، انه حضر لشراء ارض لإقامة مستشفى روسي، سبق وأن حصلت روسيا على الأذن ببنائه من السلطان العثماني بعد حرب القرم، وأنه احضر معه سبعة ملايين روبل لهذه الغاية.

وتعقب فن وهي مندهشة، خصوصًا وأنها عانت وزوجها من الحصول على ارض في القدس خارج الأسوار “أصبنا بالدهشة، عندما وجدنا المبعوث الروسي وخلال أسابيع قليلة قد اشترى قطعة الأرض خارج أسوار المدينة، وأنه إضافة إلى ذلك قد حصل على القسم الأكبر من ارض الميدان المجاورة التي تتحكم بالزاوية الشمالية الغربية للقدس والذي كان يعتبر منتزهًا للسكان ومكان الاستعراضات العسكرية والاحتفالات الرسمية في الأعياد الدينية والحكومية”.

وأول شيء فعله الروس إحاطة الأرض ومساحتها 32 دونمًا (الدونم ألف متر مربع) بسور حجري، ثم باشروا ببناء كاتدرائية الثالوث الأقدس ولها سبع قباب مطلية بالرصاص، وكنيسة اصغر على اسم القديس اسكندر نيفسكي (1220-1263م)، وهو من مشاهير قادة الروس، وبالنسبة إليهم هو فاتح السويد والدانمارك، وأحد القديسين في الكنيسة الروسية، ومشفى، ودار قنصلية تضم مسكن ومكتب للقنصل الروسي، ومساكن للبعثة الروسية الدينية، ونزل للحجاج الروس مجانًا يتسع لألف وخمسمئة شخص، واخر لنزول الشرفاء الروس، وثالث للنساء ويستوعب ألفي امرأة، ومقر للأسقف الروسي، ومنازل للكهنة والمعلمين والموظفين الروس.

وبقي الذهول ملازمًا لفن وهي تكتب “بقيت هذه المسألة غامضة بالنسبة إلى الجميع، فلا أحد يقدر على التصديق، بأن الحكومة التركية في اسطنبول يمكنها أن تقبل بأن تفرط بهذه الأرض ذات الأهمية الكبرى لسكان القدس والموقع العسكري الاستراتيجي المهم جدًا”. وتبيّن أن الأرض كانت هبة من السلطان العثماني، إلى القيصر الروسي، بعد توقيع اتفاق السلام بينهما في باريس عام 1856م اثر حرب القرم. وبلغت تكاليف بناء المسكوبية مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير في حسابات ذلك الوقت، ولكن للإمبراطوريات حسابات أخرى تتضاءل أمامها أي حسابات مادية، وتعاظم الوجود الروسي في فلسطين لاحقًا، حتى اصبح الروس يملكون الآن 3% من أراضي فلسطين الانتدابية.

ويقع المبنى على بعد نحو كلم واحد، اسوار البلدة القديمة، وكان تشييده إيذانًا بتأسيس ما عرف بالقدس الجديدة خارج الأسوار، وفي عام 1887م، شيد في المسكوبية نزل آخر على نفقة الجمعية الفلسطينية – الروسية الإمبراطورية، التي كان يرأسها آنذاك شقيق قيصر روسيا اسكندر الثالث. وتتوفر لنا شهادة نادرة حية لأحد أبناء القدس هو الموسيقي واصف جوهرية، الذي يشير كيف كان المقدسيون يخرجون من منازلهم الضيقة في البلدة القديمة التي تغلق أبوابها مع ساعات المساء، إلى منطقة المسكوبية لقضاء أوقات ترويحًا عن الأنفس.

وبلغته الخاصة وصف جوهرية عمارة المسكوبية التي جمعت بين الأساليب الفلسطينية التقليدية والروسية “هذه العمارة العظيمة تحتوي على عدد كبير من العمارات المتفرقة، وكل عمارة تحتوي على طابقين مخصصين لشيء خاص، وكان شكل بناؤها كما يتضح للعيان لغاية يومنا هذا هندسة عربية أي عقد صليب في غاية القوة والإتقان، وعرض الحائط لكل هذه العمارات لا يقل عن المتر والنصف وشبابيكها معمولة من الدرفات القزازية إنما مزدوجة أي من خارج الحائط، ثم درفات مثلها من داخل الحائط ليتسع الفراغ بينها ويمنع البرد بحسب الطريقة الروسية”.

ولمسات الطريقة الروسية، كما يسميها جوهرية تظهر أيضًا في الأرضيات التي وضع عليها “الخشب الكثيف، والجدير بالذكر ان هذا الخشب للأرض كان يغطى بالدهان الكثيف، دهان زيت ويعاد دهنه في كل سنة، فيصبح وكأنه بلاطة واحدة وإنما دافئة تمنع الرطوبة والبرد حسب الطريقة الروسية”. ويتذكر جوهرية الذي كتب مذكراته وهو يحتضر في بيروت بعيدًا عن القدس في سبيعنات القرن الماضي “ان جميع هذه العمارات داخلها صوبات للتدفئة تشعل فيها الحطب، وهذه الصوبات جيئت خصيصًا على النمط الروسي بحجم كبير جدًا ولا يوجد لها مثيل في أي من عمارات الدول الأخرى بالقدس”.

ويتخلل العمارات التي يضمها مبنى المسكوبية، البساتين وغابات أشجار السرو والصنوبر والزيتون، وكان يحرسها مجموعة من “العبيد الاقوياء” كما يصفهم جوهرية، مستعينين بـ “بعض الكلاب النادرة الكبيرة الحجم تقارب علو الجحش ولونها اسود حالك ذو الشعر الجعدي وهي من بلاد الروس”.

ولم يطل زهو الروس كثيرًا بدويلتهم في القدس، فبعد الحرب العالمية الاولى، وبدء الانتداب البريطاني على فلسطين، وضع البريطانيون أيديهم على أملاك الروس في فلسطين ومن بينها تلك الدرة المسكوبية، التي تحولت إلى أحد المراكز الأمنية للاحتلال الجديد، وأضحت سجنًا استقبل أفواجًا جديدة من المثقفين والسياسيين ورجال الدين المسيحيين وعلماء الدين المسلمين، ورموز الحركة الوطنية، واستخدمت مرافق أخرى منها للشرطة البريطانية والعدلية، وبعضها كمستشفى حكومي.

وبينما أصبحت روسيا إمبراطورية حمراء، يكن الغرب لها عداءً كبيرًا، فإن دويلتها في القدس، اختصرت برمز واحد هو السجن وما تزال كذلك حتى الان، إلى درجة أن كثيرين يجهلون، التاريخ المهيب لهذه القلعة. وفي العهد البريطاني، تم إعدام عشرات من المقاومين الفلسطينيين في المسكوبية، وأشهرهم مثلاً، اثنان من قادة العصابات الثورية الفلسطينية عرفا بلقبي (العرميط) و(أبو جلدة) وذاع صيت الاثنين، باعتبارهما، بالنسبة إلى الفلسطينيين ثائرين على الظلم البريطاني وتنامي نشاط الحركة الصهيونية، بينما نظر إليهما من قبل الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية كاثنين من المجرمين “الأشرار” وقطاع الطرق.

وتم الزج بعشرات من المثقفين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعرب في المسكوبية، والقائمة طويلة، وتضم مثلاً القائد الشيوعي محمود الأطرش المغربي (جزائري الأصل)، والكاتب نجاتي صدقي، ورائد الدراسات الفلكلورية الفلسطينية توفيق كنعان (لبناني الأصل)، والمؤرخ والسياسي اكرم زعيتر، والقانوني حنا عصفور، والنقابي ميشيل متري، والعلامة عجاج نويهض، واللبناني حسن ملك، والمفكر الاشتراكي جبرا نقولا، والقاص خليل بيدس..وغيرهم.

وفي عام 1948، وقعت المسكوبية ضمن ما اصبح يعرف بالقدس الغربية، وهو القسم من القدس الذي احتلته إسرائيل، وفي عام 1967 احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين، ومن بين ذلك القسم الشرقي من القدس، وتحولت المسكوبية إلى أحد اشهر مراكز التحقيق الإسرائيلية، التي استقبلت أعدادًا لا يمكن حصرها من الفلسطينيين والفلسطينيات.

وفي زنازين المسكوبية سقط كثيرون، بسبب التحقيق والتعذيب القاسيين، واكتسبت معتقل المسكوبية لدى الفلسطينيين، اسم المسلخ، وما زال كذلك. وبإضافة إلى السجن، فإن مركز الشرطة الإسرائيلية ودوائر الأمن الأخرى، كالمخابرات، تقع في المسكوبية، التي شكل فقدانها للروس مثار غصة لهم لم تنته. وتم الزج بالأملاك الروسية في فلسطين، في أتون الحرب الباردة، وتسلمت الأديرة ما عرف بالكنيسة البيضاء، التي انشقت عن النظام الشيوعي، والكنيسة الام التي أضحت توصف بالحمراء.

وقتل أعداد من الرهبان والراهبات في الأديرة الروسية، على يد مجهولين، والتقديرات انهم سقطوا، على أيدي جماعات يهودية متطرفة، أو تمت تصفيتهم من قبل المخابرات الإسرائيلية، لشكوك حول تجندهم في المخابرات السوفياتية مرهوبة الجانب آنذاك. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وإعادة روسيا، علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل، التي كانت قطعت في أعقاب حرب حزيران (يونيو) 1967، بدأت روسيا حملة لاستعادة أملاكها في فلسطين، وحققت إنجازات في ذلك، وسط صعوبات وإشكاليات معقدة، لكن مسألة المسكوبية ظلت مستعصية، على الرغم من الإعلان بين الفترة والأخرى عن وجود مفاوضات مع إسرائيل لاستعادتها، مع تشكيك المراقبين بنجاح الامر.

وتؤشر الأخبار التي تتحدث عن قرب تخلي إسرائيل عن المسكوبية لأصحابها، لتعود لهم بعد اكثر نحو 150 عامًا على تشييدها، عن الدور الروسي الجديد المتعاظم في الأراضي المقدسة، والذي أصبح ملموسًا اكثر من أي وقت مضى. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، الذين تلقوا اكثر من إشارات ود من قبل الروس، خلال السنوات الـ 15 الأخيرة، فإن إغلاق سجن المسكوبية، الذي يبدو لهم الآن وكأنه أمرًا مستحيلاً، سيكون بمثابة عيد حقيقي.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2008/4/321059.htm





وجوه من نوبا

13 04 2008





ربيع فردان الدموي (2-2)

13 04 2008

يعتقد ممدوح نوفل في شهادته عن عملية فردان بأن “العملية اعتمدت على عمل استخباري دقيق وأن مجموعاتها دخلت قلب بيروت بعدما هيأ لها عملاء الموساد المحليين ما يلزم من سيارات ومرشدين. وفعلاً عثرت مجموعات فتح على عددٍ من السيارات المدنية متروكة على شاطئ الأوزاعي، جنوب بيروت أحدها يحمل آثار دماء”.

بعد مقابلة نوفل لأبي إياد، كما جاء في الحلقة الأولى، ومعرفة الأخير بما حدث، طلب أبو إياد من مرافقيه البحث عن أبي عمار وأبي جهاد ” وبعد دقائق معدودة اتصل أبو عمار وقال: سأرسل لكم سيارة للحضور لطرفي بسرعة، وفهمنا منه أنه موجود في مكتب أبو شاكر ( إبراهيم قليلات ) قائد قوات ( المرابطون ) وأن عدة مجموعات إسرائيلية دخلت بيروت، ونجحت في اغتيال أبي يوسف النجار في منزله. بعد المكالمة الهاتفية تحرك أبو إياد، تحت حراسة مشددة، باتجاه المقر المركزي للمرابطين، الواقع في حي أبو شاكر على كورنيش المزرعة. في المقر كان قد حشد من قادة القوى والأحزاب الوطنية اللبنانية والفلسطينية يتوافدون، ويتبادلون المتوفّر من المعلومات حول ما حصل، ويجرون الاتصالات اللازمة مع الجهات المعنية في السلطة اللبنانية “.

روى نوفل للموجودين ما حدث أثناء عملية الهجوم على مقر الجبهة الديمقراطية “وسمعنا ما روي حول استشهاد أبو يوسف النجار. وأوعز أبو عمار للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالاتصال ببيوت القادة الفلسطينيين دون استثناء، وزيارتها كلها وشدّد على زيارة البيوت التي يتعذر الاتصال الهاتفي معها. وبعد دقائق قليلة أبلغ الحاضرون باغتيال كمال عدوان، وبعدها نقل خبر استشهاد كمال ناصر وفوجئ الجميع، بأن كمال ناصر هو الوحيد الذي أتيحت له فرصة استخدام سلاحه، وأنه بالفعل أطلق النار على قاتليه الإسرائيليين، علمًا أنه كان يكره حمل السلاح، ولا يحب أن يكون معه مرافقون، وكان يعتبرهم أقرب إلى السجانين يحدّون من الحركة ويقيّدون نمط الحياة العادية”.

وكانت لتلك العملية تداعياتها الأخرى، يقول نوفل “حملت قيادة م.ت.ف الحكومة اللبنانية قسطًا رئيسًا من المسؤولية عن دخول القوات الإسرائيلية قلب بيروت، ونجاحها في الوصول إلى بيوت القادة الثلاثة. ووجّهت اتهامات علنية للمكتب الثاني اللبناني وبعض رموز قيادة الجيش اللبناني، بالتواطؤ مع الإسرائيليين”.

ويضيف: “ولاحقًا شيّعت بيروت القادة الثلاثة في جنازة مهيبة شارك فيها جميع قادة الأحزاب الوطنية وبعض قادة القوى والأحزاب المارونية، وكان من ضمنهم بيار الجميل زعيم حزب الكتائب. وألقى زعماء المسلمين الذين شاركوا في الجنازة خطبًا رنانة هاجموا فيها تواطؤ السلطة اللبنانية، وطعنوا في تركيب أجهزتها ومؤسساتها المدنية والأمنية، وطالبوا بإقالة الجيش. وتحدّث بعضهم عن المقاومة الفلسطينية، وكأنها جيش المسلمين في لبنان. وكانت الجنازة فرصة مهمة، استعرضت فيها قيادة م.ت.ف أسلحتها وقدراتها العسكرية والجماهيرية بطريقة أقلقت السلطات اللبنانية، ونبّهت أجهزتها الأمنية وأرعبت بعض القوى المسيحية المتزمتة التي رأت في منظمة التحرير قوة أخلت بالتوازن الداخلي لصالح المسلمين، عامة، والسنة على وجه الخصوص. ورغم علمانية الحركة الوطنية اللبنانية، وتبوّؤ كثير من المسيحيين مراكز قيادية أولى فيها، إلا أن تخوّفات الحركة السياسية المسيحية كان لها ما يبررها في بلدٍ تنخره الطائفية الدينية والسياسية”.

ولم يكن ذلك كل شيء، فهناك نتائج مهمة أخرى أسفرت عنها عملية اغتيال القادة الثلاثة في فردان، فبعد هذه العملية، كما يقول نوفل “أصبحت قيادة م.ت.ف مجبرة على إبلاء وجودها في لبنان اهتمامًا استثنائيًا، وراحت تعطي مسألة حماية وجودها أهمية كبيرة، وبدأت تغرق تدريجيًا في الأوضاع اللبنانية الداخلية، ونسيت ما استخلصته من دروس تجربتها في الأردن”.

ويضيف “ومع كل خطوة كانت تخطوها داخل المستنقع اللبناني، كانت تبتعد أكثر فأكثر عن عملها السياسي داخل الأراضي الفلسطينية. وحلّ دون قرار، شعار الدفاع عن الوجود الفلسطيني المدني والمسلح في لبنان، مكان شعار تصعيد ونقل الكفاح المسلح إلى داخل الأراضي المحتلة. وراحت تعزز تسليح المخيمات الفلسطينية، وشجّعت القوى الوطنية اللبنانية للتدرّب على السلاح وبناء تشكيلات عسكرية خاصة بها. وعملت على تجنيد أعداد كبيرة من الشباب الوطني اللبناني، وبدأت تتدخل مباشرة في الشؤون السياسية والحزبية والاجتماعية اللبنانية. وبقي احتلال إسرائيل عام 1967 لكلّ فلسطين ولأجزاء واسعة من الأراضي العربية السورية والمصرية قائمًا وتقلصت كلفته”.

وقبل أن يتحدث نوفل بسنوات، كان الزعيم الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) قدّم شهادته عمّا حدث في ربيع فردان، في كتابه فلسطيني بلا هوية، وربط ذلك بالأجواء التي أعقبت عملية ميونخ، حيث تواصلت حرب الأشباح بين المخابرات الإسرائيلية والفلسطينيين، وبدأت كما هو معلوم بالاغتيالات وإرسال الطرود الملغومة، والتي طالت مسؤولين فلسطينيين في مختلف العواصم العربية والعالمية، وبالرد الفلسطيني بتنفيذ عمليات ناجحة طالت رجال للموساد في عواصم مختلفة أيضًا، ومن بين ما نفذه الفلسطينيون محاولتان استهدفتا مقر سفير إسرائيل في نيقوسيا، والأخرى ضد طائرة تابعة لشركة العال الإسرائيلية كانت جاثمة في مطار قبرص، كان ذلك في التاسع من نيسان (أبريل) 1973، وفي اليوم التالي كانت وحدات الكوماندوز الإسرائيلي تنزل إلى بيروت وتغتال القادة الثلاثة.

وروى أبو إياد عن علاقته الوثيقة بكمال ناصر، وكيف انه كان في مرات كثيرة يقضي الليل عنده في شقته، وأشار إلى أنه قبل العملية بعشرة أيام، وكان هو وياسر عرفات وآخرون في شقة كمال ناصر، استرعى انتباهه عدم وجود حراسة وتحدّث بين الجد والهزل، عن احتمال أن تحطّ طائرة عمودية في الأرض الخلاء مقابل المبنى وتختطف القادة الثلاثة.

وفي التاسع من نيسان (أبريل)، كان المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية يعقد جلسة له في بيروت وطالت حتى ساعة متأخرة من الليل، وقضى أبو إياد ليلته في شقة كمال ناصر، وفي اليوم التالي عرض أبو إياد على كمال ناصر أن يقضي السهرة في شقته ولكن كمال ناصر أجابه مازحًا: “أفضّل أن أموت على أن أستقبلك عندي”، وأوضح أنه يريد أن ينظّم مرثاة في الشاعر عيسى نخلة المتوفى حديثًا، وأن وجود أبو إياد سيلهيه عن تلك المهمة.

وذهب أبو إياد ليلتقي الناجين الثلاثة من عملية ميونخ الذين أطلقت السلطات الألمانية سراحهم، بعد عملية اختطاف لطائرة ألمانية، والموجودين في مبنى لا يبعد سوى عشرة أمتار عن مبنى الجبهة الديمقراطية، حيث وجد شباب هذا التنظيم مستنفرين بسبب هجومٍ سيشن عليهم من الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش، ورواية أبو إياد هنا تختلف مع رواية نوفل الذي تحدث عن هجوم متوقع من جبهة احمد جبربل، و إن كان مغزى الحدث واحدًا.

وبعد ساعات كانت وحدات الكوماندوز الإسرائيلية تنفّذ مهمتها، انتقل أبو إياد إلى منزل عرفات، الذي قصف في العملية وكان الحراس قد قاوموا المعتدين، وتابع عرفات المعركة من سطح المبنى.

وذهب أبو إياد، كما يروي، إلى المبنى الذي كان يقطنه القادة الثلاثة بعد ورود الأنباء عن اغتيالهم، وفي شقة كمال ناصر، وجده ممدّدًا على شكل صليب على الأرض بعد إصابته في وجهه بخمس عشر رصاصة على الأقل، ويعتقد أن المهاجمين لم يغفلوا عن حقيقة أن ناصر مسيحي الديانة، فمدّدوه على شكل صليب وأطلقوا النار على وجهه، ورش المهاجمون برصاصهم سريره والسرير الذي كان يأوي إليه أبو إياد في أحايين كثيرة.

ولاحظ أبو إياد أن شباك النافذة كان مفتوحًا والستائر منتزعة، الأمر الذي ربما يشير إلى أن ناصر كان حاول الفرار، ولم يتمكن من ذلك، فردّ على المهاجمين بمسدس صغير وجد بجانب جثته.

وبالنسبة إلى أبي يوسف النجار، اتضح بأن الإسرائيليين نسفوا مدخل شقته بقنبلة بلاستيكية، بينما كان قد خلد للنوم مبكرًا كما يحب، والأولاد يذاكرون دروسهم في غرفهم، وعندما تم نسف المدخل اندفع باتجاهه ابن الشهيد يوسف وكان عمره 16 عامًا، ولكن الكوماندوز المهاجمين صرخوا به سائلين عن والده، فرجع يوسف إلى غرفته ونزل من شباكها إلى الطابق الخامس، وخلال ذلك أغلق أبو يوسف النجار باب الغرفة التي يوجد فيها وطلب من زوجته أن تناوله مسدسه، و لكن الإسرائيليين اقتحموا الغرفة وأصابوه، وحاولت زوجته حمايته ووضعت نفسها بينه وبين المعتدين فتم قتل الزوجين معًا.

وفي الطابق الثاني كانت مجموعة أخرى تقتحم شقة كمال عدوان الذي كان ما زال يعمل وعندما سمع بالجلبة أمام الباب أمسك برشاشه، وقبل أن تتاح له فرصة استخدامه كانت مجموعة أخرى من الكوماندوز الإسرائيليين يدخلون من نافذة المطبخ ويصيبونه في ظهره.

واتهم أبو إياد شركاء محليين للإسرائيليين بالتواطؤ وتسهيل عملية الاغتيال، وأكد أن الجيش اللبناني والدرك والأمن العام لم يحاولوا التدخل، وقبيل الهجوم على المبنى في فردان ببضع دقائق حدث انقطاع في التيار الكهربائي وكان المهاجمون يتنقلون في بيروت بحرية ويسر مذهلتين وكذلك في الجنوب حيث شنت هجمات أخرى.

وما لبث التواطؤ الذي تحدّث عنه أبو أياد من أطراف لبنانية، أن أصبح تحالفًا علنيًا كان طرفه الأساسي وموجّهه وراعيه هي إسرائيل خلال تلك الحرب اللبنانية الطويلة والتي أسموها، بقدر من التضليل حربًا أهلية.

وفي ظروف مغايرة، اغتيل أبو اياد، ولم يعش ليشهد توقيع إعلان المبادئ بين منظمة التحرير وإسرائيل المسمى اتفاق أوسلو، وخلال وبعد تطبيق هذا الاتفاق، نسجت علاقات بين “أبطال” فردان الإسرائيليين مثل شاحاك وياسر عرفات شخصيا، الذي كان يحلو له وصف شاحاك بالصديق، ويلتقيه بشكل دوري.

أما ايهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عشية اندلاع انتفاضة الأقصى، فلم تنته مهمته بعد ربيع فردان، وانيط به إحباط عملية قادتها الفدائية الفلسطينية دلال المغربي انتقامًا لاغتيال القادة الثلاثة في فردان.

وكان ذلك يوم 11 آذار (مارس) 1978، عندما تمكنت دلال من قيادة مجموعة تسللت إلى الساحل الفلسطيني، بواسطة قاربين مطاطين، وخطف حافلة ركاب إسرائيلية، في عملية حملت اسم الشهيد كمال عدوان، وتمكن باراك من قتلها وظهر في صورة وهو يشد شعرها.

وظهر باراك وشريكه شاحاك، في عمليات اغتيال نوعية أخرى، اشهرها واكثرها تعقيدًا إغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس العاصمة 16 أبريل (نيسان) 1988، في ذكرى عملية فردان. 

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Politics/2008/4/321162.htm