فلسطيني والبين غاطيني

9 04 2008

من وسط الضباب الذي غطى، في هذا الأسبوع، أجزاء واسعة من تلال الهضبة الفلسطينية الوسطى، المعروفة سياسيا باسم الضفة الغربية، يمكن ملاحظة سيارة أجرة تدب على ما تبقى من شوارع فلسطينية، وهي قليلة وفرعية وثانوية، يسمح للفلسطينيين بالمرور عبرها، خط على ظهرها عبارة “فلسطيني…والبين غاطيني”، وتثير هذه العبارة، التي يشير كاتبها الى ارتباط الفلسطيني بالماسي التي تغطيه، فضول حتى الفلسطينيين أنفسهم، الذين لا تنتشر لديهم إلا بشكل جزئي ومحدود جدا، مثل هذا النوع من الشعارات والجمل التي تخط على أجسام السيارات، والتي رأى فيها عالم الاجتماع المصري الراحل سيد عويس، ذات دلالات وتعبيرات عميقة، واسماها (هتاف الصامتين)، وهو عنوان كتاب له عن ظاهرة الكتابات على السيارات في مصر.

ورغم أن الوضع الفلسطيني، يشكل تربة خصبة، بما يمور فيه من أحداث سياسية واجتماعية وصراعات داخلية، منذ اكثر من قرن على الأقل، لنمو وانتشار التعبيرات التي تكون عادة على شكل أقوال مأثورة أو حكم، أو عبارات مؤلفة، إلا أن وجود سلطة الاحتلال الإسرائيلي القاهرة في معظم الأراضي المحتلة، وقوات الأمن الفلسطينية، وسط التجمعات السكانية، تجعل أي شخص عندما يريد أن يعبر عن رأي سياسي أو اجتماعي، لا يختار أبدا مركبة تدب على الشوارع المحاصرة بأنواع مختلفة ولا حصر لها من أجهزة أمن، مثل الجيش، وحرس الحدود، والشرطة من الجانب الإسرائيلي، وأنواع أخرى من أجهزة تابعة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود.

وفي حين أن الفلسطينيين، يعبرون عن آرائهم السياسية بوضوح، وأحيانا بشكل مصحوب بالغضب، من خلال الجلسات الخاصة، والصحف، والمحطات المرئية والمسموعة، وحتى على الجدران، إلا أن استخدام المركبات للتعبير عن وضع سياسي أو اجتماعي، محفوف بمخاطر لا حصر لها، بل ان استخدام هذه المركبات للتنقل العادي، لا ينتهي في أحيان بالشكل المعتاد، وخلال سنوات الصراع، فقد سائقون وركاب حيواتهم، ويتعرض هؤلاء بشكل دائم لممارسات لفظية وجسدية، لا يمكن حصرها، تنتهك حقوقهم.

وخلال سنوات الاحتلال الطويلة، فقد الفلسطينيون، ما يمكن تسميته “شوارعهم التاريخية”، في عملية إسرائيلية ممنهجة، استهدفت كما يرى كثير من المثقفين أيضا ما يسمونه “الحيز الذهني” للفلسطينيين، فلم يعد لهؤلاء تلك الشوارع الرئيسية، التي تراكمت عليها حضارات تعاقبت على فلسطين، وربطتها بعوالم وآفاق مع الخارج، مثل الشوارع التي ربطت القدس بمدن أخرى مثل: الخليل، ونابلس، وغزة، وأريحا، وبيت لحم، وقبل ذلك وضع الاحتلال، ومنذ أيامه الأولى، في حزيران (يونيو) 1967، حدا لشارع القدس-عمان-دمشق، وفي وقت اقدم من ذلك، ومع قيام الدولة العبرية، اصبحت الطرق والمنافذ البحرية والبرية وسكك الحديد، وكانها لم تكن.

ونشأ جيل فلسطيني جديد، تم برمجة تفكيره وخياله، ضمن شوارع التفافية، بعيدة، ومتعبة، وقصية، ومعزولة عن تأثيرات الحواضر الأثرية والتاريخية، ومحطات السفر، وأشكال العمارة المتنوعة، وينابيع الماء، والأشجار، ورؤوس الجبال، والسفوح، والسهول، والوديان، والمقامات، والخانات، والقلاع، ومحطات الاستراحة، وكل ما ارتبط بذاكرة ثقافية جمعية تكونت عبر قرون طويلة.

وبعمل دؤوب ومخطط اشرف عليه كبار العلماء الإسرائيليين، تم إطلاق أسماء جديدة بالسنة المحتلين الجدد على كل هذه المواقع، قسم من هذه الأسماء تم استعارتها من العهد القديم، ولكنها لم تكن كافية، فاستوحيت أسماء اخرى من وقائع وأحداث شهدتها هذه المواقع، منذ الغزوة الصهيونية لفلسطين، أما القسم الثالث، فتم إطلاقه، ببساطة عن طريق عبرنة الأسماء العربية للاماكن.

وكل ذلك جعلت الفلسطيني الناشيء، لا يفكر إلا في حيز مكاني صغير، هو المكان الذي يسكن فيه، ويتضاءل كل يوم، بالاسيجة، والجدران، ومعه يضيق الحيز المكاني في ذهنه عندما يفكر أو يخطط للخروج، أو حتى عندما يحلم.

وعندما تمر السيارة صاحبة الجملة التي بدت مؤثرة، بشكل كبير، وربما غير متوقع، تستتبع اهتماما من السائقين، والركاب، والمشاة، وكأن هؤلاء الذين يتوجب عليهم العودة إلى منازلهم قبل حلول الظلام، ومناطقهم المسيجة، يعيدون اكتشاف وضعهم من خلال عبارة، خطها سائق سيارة، وليس كاتبا، أو شاعرا، أو صحافيا، أو سياسيا مفوها.

الإعلانات