سعار الأختام لتأويل تاريخ القدس التوراتي

23 03 2008

64.jpg

يتعاظم دور الأختام القديمة، في علم الآثار التوراتي، مع تركيز علماء الآثار الإسرائيليين، على ما يقولون أنها أختام قديمة عثروا عليها خلال حفريات تجري في مدينة القدس ومحيطها. وأعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية، العثور على ختم يحمل اسم ” رفائيهو شالم “، خلال التنقيبات التي تجري جنوب أسوار القدس القديمة، في بلدة سلوان، التي يطلق عليها علماء الآثار التوراتي اسم مدينة داود. وتخوض سلطة الآثار الإسرائيلية، تنافسا غير معلن، مع أثريين إسرائيليين، من خارجها يجهدون للعثور على أي شيء من اجل إثبات نظريات توراتية قديمة تتعلق بفلسطين واليهود، ومملكة داود.

وأصدرت هذه السلطة بيانا حماسيا أعلنت فيه اكتشاف الختم، التي قالت انه يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو ما يعني انه خلافا لما كان يجري في القرن التاسع قبل الميلاد، حيث لم تظهر أسماء المرسلين على الرسائل والبضائع، بدأ الموظفون والتجار، في القرن الثامن قبل الميلاد بإضافة أسمائهم إلى الأختام. وقالت السلطة، انه في الحفريات التي تشرف عليها، جنوب سور القدس، بالتعاون مع سلطة المحميات الطبيعية والحدائق وجمعية “إلعاد”، وهذه الأخيرة جمعية استيطانية متخصصة في توسيع الاستيطان اليهودي بالقدس، تم اكتشاف “أدوات مختلفة، ومن ضمنها ختم كامل يحمل الاسم “رفائيهو (بن) شلم” وقطع من ختم رسمي”.

وأشارت السلطة، إلى أن المشرفين على الحفريات هما البروفيسور روني رايخ من جامعة حيفا، وإيلي شوكرون من سلطة الآثار الإسرائيلية. وتحدثت سلطة الآثار الإسرائيلية، بتفصيل اكثر عن هذه الحفريات التي جرت بالقرب من عين سلوان، التي يطلق عليها الإسرائيليون نبع الجيحون، كشفت عن تربة احتوت على كسور فخارية من العصر الحديدي الثاني (القرن الثامن قبل الميلاد).

وحسب بيان لهذه السلطة “أدى التدقيق في أكوام التراب خلال تنخيله تحت الماء إلى النتائج المتوقعة حيث تم اكتشاف قطع لثلاثة أختام رسمية (وهي قطع فخارية كانت بمثابة ختم على رسائل أو بضائع)، وكذلك ختمان حجريان قد تم اكتشافهما مؤخرًا. وتحمل جميع المكتشفات أسماء عبرية تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد”.

ومن ضمن هذه الأختام، حسب السلطة الإسرائيلية ما وصفته بأنه ختم كامل سليم يحمل الاسم العبري “رفائيهو (بن) شالم”, الذي عاش في ما وصفته مدينة داود بالقدس، مشيرة إلى أن الموظفين الرسميون، استخدموا هذه الأختام. وعلق الباحثان إيلي شوكرون والبروفيسور روني رايخ على ما كشفا عنه “إن المجموعة الكبيرة من الأختام الرسمية التي تم اكتشافها قبل سنتين، جميع مركباتها كانت رموزًا رسمية (مثل سفينة أو حيوانات مختلفة – أسماك وسحالي وطيور) ولكنها من عصر أقدم (أواخر القرن التاسع – بداية القرن الثامن قبل الميلاد). أما المكتشفات الجديدة والتي يعود تأريخها إلى فترة لاحقة من القرن الثامن فتشير إلى أن الطريقة قد تغيرت حيث بدأ الموظفون الذين استعملوا الأختام بإضافة أسمائهم إلى الأختام”.

وحسب متابعين لما يجري على ما يطلقون عليه “جبهة الآثار” المستعرة، في مجرى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث جرت العادة بالزج بعلم الآثار في هذا الصراع، بشكل غير مسبوق، ولم يحدث في أية بقعة في العالم، فان التنافس بين علماء الآثار الإسرائيليين، للعثور على أختام وتقديمها ضمن منطق توراتي سياسي، وصل ذروته الان.

وعادة ما يتبادل علماء الآثار في إسرائيل الاتهامات حول صحة ما يتوصلون إليه، ومرد ذلك أساسا التنافس والغيرة، وسعي كل منهم للاستحواذ على اكبر قدر من النجومية، خصوصا وان الصحافة الغربية وأوساط مهتمة في الرأي العام الغربي، تبدي شغفا فيما يتعلق بعلم الآثار التوراتي.

وقبل إعلان سلطة الآثار الإسرائيلية عن عثورها على الختم الجديد الذي استحوذ على اهتمام إعلامي واسع، كانت عالمة الآثار الإسرائيلية الدكتوره ايلات مزار، التي تحولت إلى نجمة إعلامية منذ سنوات، أعلنت عثورها على ختم في الحفريات التي تجري في سلوان، قالت بأنه يعود لشخص عمل خادما في الهيكل الأول، وتعرض كباقي يهود تلك الفترة للسبي إلى بابل، والختم مصنوع من الحجر الأسود، ويخص شخص اسمه (تيماح) كما تقول مزار، وتقدر أن عمره 2500 عام.

والدكتورة ايلات، التي تحظى بإعجاب كثيرين، وأيضا سخط كثيرين خصوصا من زملائها، هي حفيدة بنيامين مزار، عالم الآثار الإسرائيلي الذي بدا عمليات الحفر المثيرة للجدل خلف أسوار الحرم القدسي الشريف، بعد حزيران (يونيو) 1967 مباشرة بحثا عن هيكل سليمان، خلافا لكل القوانين الدولية التي تتعلق بالبحث عن الآثار في الأراضي المحتلة. و ربطت مزار، بين اسم تيماح، وسفر نحميا في العهد القديم، وهو أحد الأسفار الذي يتحدث عن السبي البابلي عام 586 قبل الميلاد، ويرد في هذا السفر، أسماء العائلات التي عادت من السبي. وتقول مزار بان الختم يعود لاحد أفراد العائلات التي عادت من السبي البابلي إلى القدس، وترجح بأنه تم شراء هذا الخاتم من بابل.

ولم يكن ليمر إعلان مزار عن الختم وهوية صاحبه، بدون جدل، ولكن آثار ذلك شغف آخرين من زملائها للبحث عن أختام أخرى، وهو ما حدث في إعلان سلطة الآثار الإسرائيلية عن الختم الجديد. ومن اكثر الأختام التي أثارت جدلا إسرائيليا وفي الخارج، أيضا، ذلك الذي ارتبط بما أعلنه عالم الآثار الإسرائيلي غابي بركاي، وهو من الأثريين المخلصين لمنهج مزج السياسي بالأيديولوجي في الآثار ومعتمدا التوراة كمرجع. وهو منهج ولد منذ أربعة قرون على الأقل، عندما بدأ الأثريون في الغرب حملات تنقيب واسعة في فلسطين، حاملين معول الحفر في يد، وفي الأخرى الكتاب المقدس، باحثين عن جغرافية التوراة.

وكان ذلك في أيلول (سبتمبر) 2005، عندما حمل ختما مكسورا، قال انه عثر عليه في ركام من الأتربة والنفايات، كانت دائرة الأوقاف الإسلامية قد أخرجتها قبل ثمانية أعوام، خلال أعمال الترميم في المصلى المرواني، ليقول بأنه يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد. وجاء إعلان بركاي، خلال مؤتمر عقد في القدس، يتعلق بعلم الآثار التوراتي، بحضور علماء من مختلف دول العالم.

وقف بركاي، آنذاك أمام المؤتمرين وقال انه وبعثته عثروا على ختم مكسور من الطين كتبت عليه ثلاثة أحرف عبرية قديمة، من عهد الهيكل الأول، ومصدره إسطبلات سليمان (المصلى المرواني)، مما يشير إلى أن تحت ذلك المكان الكثير مما يكشف عن تاريخ مملكة يهودا، ويحقق أخيرا حلم أجيال من الأثريين بصدق جغرافية التوراة. وأبدى الحاضرون تأثرا بالغا، خصوصا عندما عرض بركاي الختم أمامهم. وتبين من الختم، انه عبارة عن كتلة من الطين المحروق، مساحتها اقل من سنتيمتر واحد، وان الأحرف التي كتبت عليه، حسب بركاي هي (يهو).

ورغم اعتراف بركاي أمام المؤتمر، انه يجب إخضاع هذه القطعة إلى دراسة، سارع بكثير من الحماس لتفسير ما كتب على تلك القطعة قائلا “كانت هذه دعوة سلام مباشرة من ملوك عائلة داود”، وأضاف “بالإمكان وكما يبدو معرفة أمور جديدة من الأحرف الثلاثة على الختم، ولكن بسبب عدم كشفها بصورة نهائية فلن ينشر مضمونها الآن”. وأكد أن أهمية اكتشافه تكمن “بأن هذه هي المرة الأولى التي يتم العثور فيها على كتابة من عهد الهيكل الأول مصدرها المؤكد هو داخل جبل الهيكل”.

وجبل الهيكل هو التسمية الإسرائيلية للحرم القدسي الشريف، حيث تسعى جماعات يهودية إلى هدمه لإقامة ما تطلق عليه الهيكل الثالث. وساندت الدكتورة ايلات مزار ما توصل إليه بركاي، وقالت مؤكدة، وسط الانفعال والتصفيق، بأنه يعود إلى عهد الهيكل الأول، وان اسم (يهو) الذي وجد مكتوبا عليه يعود إلى شلميهو بن شبي، الذي كان وفقا لما ورد في (التاناخ) أيضا وزيرا كبيرا في مملكة (تصدكيهو) اليهودية.

ولم يعجب ذلك، أثاريون إسرائيليون، يدركون بأن ما جرى لا يخرج عن باب الدعاية، وسعي بعض الأثريين إلى الشهرة مثل بركاي ومزار، بأي ثمن، وان كان بامتطاء الكتاب المقدس. ومن هؤلاء عالم الآثار الإسرائيلي البارز مازار بن دوف، الذي عمل في حفريات القدس، منذ الاحتلال في حزيران (يونيو) 1967، ويكاد يكون على دراية بكل حجر أخرج من باطن القدس.

وقال بن دوف، خلال مناظرة بينه وبين بركاي في القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، أن هناك شبهات تزييف كبيرة فيما يتم الحديث عنه، وان الكلام عن قطعة أثرية عثر عليها في أكوام من النفايات والأتربة، وليس في مكانها الذي يقال أنها تعود إليه وهو المسجد المرواني أو إسطبلات سليمان.

وأشار بن دوف اندك إلى أن “الحديث يدور عن عمليات حفر تمت في المكان، ثم وضع الأتربة والركام في سيارات تخرج بحمولتها وترميها في مكان بعيد، ثم يأتي شخص ويقول عثرت على قطعة أثرية، وقبل أن يدرسها يعلن أنها تعود للهيكل الأول، أي علم هذا؟ وأي طريقة بحث؟ ومن يضمن ألا تكون القطعة التي يتم الحديث عنها قد زيفت. فمن غير المعقول أن يأتي اثري ويقول انه اكتشف كتابة من ثلاثة أحرف ليقدم تاريخا للقدس”. ولكن ما حدث بعدها، هو انطلاق ما يمكن تسميته سعار لهاث العثور على أختام في الحفريات الواسعة والمتشعبة، التي تجري في القدس، ومحيطها، والمتوقع أن يتطور ويكتسب أبعادا جديدة، وكل ذلك، على حساب تاريخ الأرض المقدسة، الذي يكتبه كل طرف، وفقا لأراء أيديولوجية مسبقة.

http://65.17.227.80/ElaphWeb/Reports/2008/3/314854.htm

الإعلانات




براءة على عين الكرزم

23 03 2008

63.jpg