المعهد الذي هيمن على طابع عالم التوراة اليهودي

20 03 2008

312.jpg

في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم الخميس 6 آذار (مارس)، كانت إدارة معهد (ميركاز هاراف) في غرب القدس، تستعد للاحتفال براس الشهر العبري، وهو ما تفعله كل شهر، بإطلاق المفرقعات والألعاب النارية، وفي الوقت المحدد تماما، سمع دافيد سمحون المدير التربوي للمعهد، أصواتا شبيهة بالمفرقعات، ولكنه استطاع تمييزها وقال فيما بعد “بدأت اسمع أصوات طلقات نارية، هذه ليست أصوات المفرقعات التي أعددناها للاحتفال، فاتصلت بالشرطة وأبلغتهم بوجود مخرب في المعهد”.ولم يكن هذا “المخرب” سوى علاء أبو دهيم، الذي فجر نفسه، في عملية اهتمت بها وسائل الإعلام كثيرا، ورغم انه تبين أن أبا دهيم، عمل سائقا، لدى المعهد، وعرف ما يدور فيه عن قرب، إلا انه لن يعرف أبدا، إذا كان أدرك الأهمية الرمزية، لتنفيذ عملية في مثل هذا المكان، الذي حظي، منذ سنوات طويلة، بسيطرته على طابع عالم التوراة الديني اليهودي، في إسرائيل وخارجها.وبالنسبة لليمين الديني الإسرائيلي فان عملية أبو دهيم، اكتسبت بعدا رمزيا، اكثر من أية عملية فلسطينية أخرى نفذت في أي مكان أخر، ويرتبط ذلك، إلى حد كبير، قد يصعب فهمه، بطبيعة المعهد الدينية الثقافية السياسية في التاريخ اليهودي المعاصر، الذي تأسس في حي كريات موشيه بالقدس الغربية عام 1924، من قبل الحاخام أبرا هام كوك.واعتبر هذا المعهد الذي يعني اسمه (مركز الحاخام) والمقصود كوك بعينه، المعهد الديني الصهيوني الأول، واسماه كوك (المعهد الرسمي العالمي) إشارة إلى كونه يشكل نموذجا جديدا للمعاهد الدينية اليهودية، لدى تأسيسه، والذي يعود إليه الفضل في إجراء ما يمكن تسميتها مصالحة بين اليهودية الأرثوذكسية والصهيونية، تبين لاحقا كم كانت حاسمة ومؤثرة، وإسرائيل تستعد لإحياء عيد مولدها الستين.ويدرس المعهد اليوم، بالإضافة إلى التلمود، التمريض، وعلم معرفة ارض إسرائيل، أي جغرافية التوراة، والكتابات الأدبية، والقانون، وافكار الحاخام كوك، وهو الذي يمد المناطق المختلفة في إسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة، بالحاخامات.ومن هذا المعهد يتخرج شبان، أثروا، بشكل حاسم، في كثير من تطورات الأوضاع في فلسطين، والتي يلحظها المتابعون خارجها عبر تداعيات عمليات إرهابية، تنفذ ضد فلسطينيين، ووصف هذا النوع من العمليات بالإرهابية، مصطلح متداول إسرائيليا أيضا.والحاخام كوك، هو بريطاني الأصل، وبدأ حياته العملية في موطنه الأصلي، قبل أن يهاجر إلى فلسطين، ويصبح مقربا من زعيم التيار الراديكالي في الحركة الصهيونية وهو جابتونسكي، الأب الروحي لسيل من الزعامات التي لعبت أدوارا لافتة على مسرح الشرق الأوسط، مثل مناحيم بيغن، واسحق شامير، وبنيامين نتنياهو، وارئيل شارون، وايهود اولمرت.وخلال هذه الفترة من حياته، فان الأدوار التي لعبها كوك، تجاوزت كثيرا دوره كرجل دين، حيث تجند لجمع الأموال والرجال للحركة الصهيونية، وتشكيل حلقات دينية كانت نواة لما يمكن تسميتها الصهيونية الدينية.وربما ليس من باب الصدفة أبدا، أن تعينه بريطانيا، بعد انتدابها على فلسطين، حاخاما لليهود الغربيين (الاشكناز)، وهو منصب مهم أتاح له، لعب أدوارا، ربما لم يكن يحلم بأنها ستستمر حتى بعد وفاته، فأسس مركزه عام 1924، الذي دشن من خلاله عملية “التصالح” بين الأرثوذكسية اليهودية، التي تؤمن بان شتات اليهود في العالم هو عقاب رباني، وانه سيستمر حتى ظهور المسيح المنتظر، والصهيونية، كحركة علمانية طموحة لبناء دولة يهودية، ما زالت بعض الجماعات الأرثوذكسية، مثل ناطوري كارتا مثلا، تعتبرها مخالفة لتعاليم الرب.وذهب كوك، بعيدا في إجراء هذه المصالحة، إلى اعتبار أن تأسيس دولة إسرائيل، هو تلبية لنداء الرب، وان الحركة الصهيونية، وقادتها من اليهود العلمانيين، ينفذون وعد الرب، وبالتالي يسرعون قدوم المسيح المنتظر، وان تأسيس إسرائيل سيقرب موعد الخلاص، ومن هذا المنطلق سوغ التعاون بين المتدينين والعلمانيين، ومد الجسور بينهما بطريقة لم يكن يستطيع أحد أن يفعله بمثل هذا النجاح.ويصف اتباع كوك، مثالهم الروحي، بأنه صاحب فلسفة ورؤى، فهمت كنه ما يطلقون عليه الشعب اليهودي، الذي عمل على إحيائه في دولة خاصة به. ويرون أن تأسيس إسرائيل بعد 13 عاما من وفاته، كانت تجسيدا لصلاحية أفكاره، بل اكثر من هذا تحقيقا لتنبؤاته التي يضفى عليها في كثير من الأحيان، طابعا ميتافيزيقيا. ورأى كوك في التوراة، إجابة على كل تساؤل، مهما كان عصريا، ومستودعا لإيجاد أي حل لاية مشكلة فردية أو جماعية تجابه اليهود. ولم يكن ينقص كوك، الضليع الألمعي في الحركات الصوفية والباطنية اليهودية، لكي يقدم تنظيراته وفتاواه، فيما اسماه مرحلة جديدة من تاريخ شعب إسرائيل الذي ينبعث من جديد في أرضه، سوى تأسيس المركز لمواكبة “هذا الانبعاث”، الذي لم يكن سياسيا، بعيدا عن ما سعت إليه بريطانيا العظمى.وهدف كوك، من خلال مركزه، لتثقيف الكوادر اليهودية والصهيونية، بوجهة نظره الدينية اليهودية، وزرع فيهم “محبة التوراة ومحبة ارض إسرائيل”. وتحولت أفكار كوك إلى ما يشبه الحركة، التي لها اتباع في المدارس اليهودية، واصبح لها اذرع شبابية ونسائية، أما كوك فتحول إلى اكثر من رمز، ومركزه اصبح نبراسا في كل ما يتعلق بحياة اليهود في فلسطين الانتدابية، وفي الخارج.والطلبة الذين يتخرجون من المعهد الان، متشبعين بأفكار كوك، لا يتحولون فقط إلى زعماء روحيين لمجتمعاتهم المحلية، ولكنهم يلتزمون بطريقة معينة في الحياة، توصف حتى في إسرائيل بأنها متزمتة، لإظهار صلاحية مبادئ التوراة ووضعها موضع التنفيذ العملي. ويشكل الخريجون المتزمتون، مرجعيات، دينية في المدن والبلدات والمستوطنات الإسرائيلية (خمسة من بين القتلى الثمانية في العملية الأخيرة هم من المستوطنين)، وكذلك يخدمون في مختلف فيالق الجيش الإسرائيلي. ومن الصعب استعراض أسماء خريجين من هذا المعهد، تحولوا إلى نجوم إعلامية في إسرائيل، للأدوار التي لعبوها في مجرى الصراع الطويل، (مثل حنان بورات، رائد أول مستوطنة أنشئت بعد فترة وجيزة من سكوت مدافع حزيران، وموشيه ليفنغر رائد الاستيطان في الخليل)، ولكن من الصعب تجاهل الدور الذي لعبه تسفي يهودا كوك ابن الحاخام كوك، الذي تولى مسؤولية المعهد من بعده، في حركة الاستيطان اليهودية في الضفة الغربية بعد عام 1967، وهو دور جمع بين العمل الميداني والتنظيم، والتنظير الذي خلط السياسة بالدين، على نحو لا يمكن الوقوع على نظير له، في أية تجارب لحركات “سياسية دينية” في أية أديان أخرى كالإسلام والمسيحية مثلا. وأضفيت هالات على كوك الابن، الذي نسب إليه، تنبؤه باحتلال القدس الشرقية، قبل أيام من حدوث ذلك بالفعل، فتم نقله، من قبل طلابه، إلى الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف، الذي يطلق عليه اليهود حائط المبكى، في مشهد احتفالي لا يعرف إلى أي مدى أدرك كوك الابن تاريخيته، وخلاله أطلق عملية تهويد لم تنته حتى الان للمدينة المقدسة.وتمكن كوك الابن، من تعزيز وترسيخ دور المعهد، ليصبح مرجعا يكاد يكون وحيدا للصهيونية الدينية، ليس فقط على الصعيد التعليمي ولكن العملي، من خلال منظمات استيطانية رائدة كحركة غوش امونيم، أو عطوريت كوهنيم، ودور الأخيرة في الاستيطان بالقدس، أمر لا يمكن إلا إدراجه، ضمن حملات استيطان تاريخية أخرى شهدتها المدينة المقدسة، أثرت على مستقبلها، على المدى البعيد، كحركات الفتوحات العربية والإسلامية التي تراوحت بين مد وجزر وما زالت كذلك حتى الان، أو الحروب الصليبية التي استمرت 200 عاما، وما زالت فاعلة حتى الان ولكن بصورة سلمية في فلسطين وبلدن مجاورة، والاستيطان اليهودي المستمر، بملحمته الحالية، بنجاح مبهر منذ 40 عاما على الأقل.ويكشف كوك الابن عن أفكاره بطريقة مباشرة مثل زرع أفكار جانحة في تطرفها لدى تلاميذه كدعوته لحرب دينية شاملة، ومستمرة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق عودة المسيح المنتظر.وبعد موت كوك الابن تولى المسؤولية عن المعهد الحاخام أبراهام شابيرا، الحاخام الأكبر السابق لإسرائيل الذي وصف كوك الأب بأنه من “اعظم علماء التوراة في جيلنا”، وبعد وفاة شابيرا، المثير للجدل في العام 2007، وقد عاش اكثر من تسعين عاما،  خلفه في إدارة المعهد ابنه الحاخام يعقوب شابيرا، الذي واصل تبنيه لفتاوى والده وإصدار أخرى كالتي تحرم الاتفاقات السياسية مع الفلسطينيين.ويقول الدكتور سفيان أبو زايدة المختص بالشؤون الإسرائيلية حول ما يميز مركز الحاخام عن غيره من المعاهد الدينية اليهودية الأخرى “هناك جدل يهودي داخلي حول أمرين رئيسيين، الأول حول علاقة الدين بالدولة و الأمر الثاني وبشكل متصل هو علاقة الدولة بعملية (الخلاص) أو عودة المسيح المنتظر حسب من هو مؤمن بالديانة اليهودية، أو بكلمات أخرى هل يد البشر يجب أن تتدخل في عملية الخلاص الإلهي أم لا؟، هذا الطرح الذي يفصل بين إقامة الدولة و عملية الخلاص أو عودة المسيح قلص الفارق بين الدين والصهيونية، وشكل أساسا لفكر الحاخام أبراهام كوك الذي توفي عام 1935 ومن ثم ابنة الحاخام اسحق كوك الذي توفي عام 1980”.ويشير إلى أن الحاخام كوك تأثر ” بمواقف الحاخام يهودا ألقلعي والحاخام تسفي كالشير الذين دعيا خلال القرن التاسع عشر بضرورة الهجرة إلى فلسطين والعمل في الزراعة وإقامة المستوطنات كخطوة مساعدة أو تمهيدية للإسراع بعودة المسيح المنتظر”.ويقول أبو زايدة، وهو وزير فلسطيني سابق بان “الحاخام كوك الأب طور من هذه الأفكار حين قال بان فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين هي فكرة ربانية وأن الحركة الصهيونية ما هي إلا أداة في يد الله. ولكن الأهم من ذلك انه اعتمد تفسيرا متطرفا للتوراة حول تعالي الشعب اليهودي على الشعوب الأخرى حين اعتبر أن الروح غير اليهودية خلقت من الطرف الأنثوي للشيطان، أما الابن اسحق كوك الذي سار على هدى والدة أضاف تفسيرا أكثر تطرفا حين أجاز استخدام العنف من اجل تعزيز الوجود اليهودي في فلسطين كخطوة ضرورية للإسراع في عملية الخلاص”.ويضيف أبو زايدة “للقدس نصيب الأسد في هذا الفكر المتطرف الذي تخرج من هذه المدرسة حيث معظم أعضاء حركة عطيرات كوهنيم المتخصصة في الاستيطان بالقس العربية بشكل عام والبلدة القديمة بشكل خاص هم من خريجي واتباع هذه المدرسة، حيث يؤمنون أن المسيح المنتظر يعود فقط عندما يتعزز الوجود اليهودي بالقرب من الحرم الشريف، لهذا نجدهم على استعداد لدفع أي مبلغ مهما كان كبيرا من اجل شراء أي مساحة ارض أو مبنى قريب من سور الحرم الشريف، ويستخدمون كل الوسائل بما فيها غير الأخلاقية من اجل تعزيز الوجود اليهودي في هذا المكان المقدس”.وردا على سؤال حول تأثير هذه المدرسة أو هذا التيار على ثقافة المجتمع في إسرائيل، أجاب أبو زايدة، بان “تأثيرها كبيرا، خاصة فيما يتعلق بقضية الاستيطان حيث هم وحدهم الذين يرفعون هذه الراية، بخلاف المدارس الدينية الأخرى”. أما حول المرجعية التي يشكلها الحاخام كوك فيقول أبو زايدة بأنه ما يزال يعتبر “المرجعية الروحية والفكرية لتيار الصهيونية الدينية، ولكنة لا يعتبر مرجعية للتيارات الدينية اليهودية الأخرى التي لها مرجعياتها الخاصة بها” ولكن هذه التيارات تشكل أقلية في إسرائيل. http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&issueno=10705&article=463390&feature=1

الإعلانات