الابداع في خدمة الاحتلال

2 03 2008

41.jpg

يعرف العالم اسم (غلعاد شاليط) جيدا بصفته الجندي الإسرائيلي الأسير لدى تنظيمات فلسطينية في غزة من ضمنها حركة حماس، ولكن لا أحد يعرف أديبا بهذا الاسم، إلا أن لوزارة الخارجية الإسرائيلية رأيا أخر، التي أعادت اكتشاف الأسير شاليط أدبيا، وقدمته للعالم بصفته الأدبية المفترضة، ضمن ما يعتقد أنها مساع تبذلها الوزارة الإسرائيلية لتحسين صورة إسرائيل، وهذه المرة من خلال الأبواب الثقافية.وعندما تمكنت ثلاثة فصائل فلسطينية من اسر شاليط في حزيران (يونيو) 2006، سارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية بنشر صورا للجندي الأسير بملابسه المدنية، وبدا كأنه فتى صغيرا، ضمن ما يعتقد انه أيضا استخدام إسرائيلي لتأثيرات وانطباعات الصورة في ذهن المتلقي، وحتى عندما سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية، في وقت لاحق بنشر صورا لشاليط وهو يرتدي ملابس عسكرية، كان ذلك في إطار مشاهد عائلية مؤثرة، ثم عندما بدأت تنشر صورا فردية لشاليط بملابسه العسكرية، كان واضحا تماما أنها منتقاة، وتظهر اكثر البراءة في وجهه.ومع استمرار قضية شاليط، وعدم نجاح الحكومة الإسرائيلية في حلها، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبعدة لغات، من بينها العربية، قصة للأطفال، قالت بان شاليط نفسه كتبها عندما كان عمره 11 عاما، وذلك عام 1997، وحملت القصة عنوان (عندما التقت السمكة الصغيرة وسمكة القرش أولا).وقدمت وزارة الخارجية الإسرائيلية للقصة التي قالت أن شاليط كتبها بأنها قصة رمزية “تتحدث عن لقاء بين سمكة صغيرة وسمكة القرش تقرران خلاله أن تكونا صديقتين بالرغم من التوتر والعداء الطبيعي القائم بينهما”.وأضافت الوزارة “إن هذه القصة تتناول الطموحات الإنسانية الأساسية للصداقة والسلام والأمل في تحقيقها. إن الشبان في القصة هم الذين يجرؤون على تغيير العالم. وتدل القصة على مدى ترسيخ قيم السلام في قلوب الأطفال الإسرائيليين”.والإشارة الأخيرة حول ما تسميه قيم السلام الراسخة في قلوب الأطفال الإسرائيليين، لا شك انه يستدعي للأذهان، تلك الصور التي نشرت خلال حرب تموز (يوليو) 2006، على لبنان، لأطفال إسرائيليين، يخطون رسائل على الصواريخ الإسرائيلية قبل إطلاقها على الأراضي اللبنانية، حاملة الدمار والقتل وليس السلام.وتدور أحداث القصة المنسوبة إلى شاليط، في المحيط الهاديء، وليس في البحر المتوسط غير الهاديء أبدا، ويعتقد انه ما زال على مواعيد جديدة مع حروب مقبلة.  وتتحدث القصة عن سمكة قرش أرادت أن تفترس سمكة صغيرة، التي ولت هاربة، ولكنها توقفت فجأة وسالت سمكة القرش “لماذا تريدين أن تفترسيني؟ يمكن أن نلعب معا”. وهو ما حدث طوال النهار، حتى عادت سمكة القرش إلى منزلها وروت لامها ما حدث، فلم توافق امها على ما حدث، وكذلك فعلت السمكة الصغيرة ولكن أمها قالت لها “القرش هو الحيوان الذي افترس أباك وأخاك. لا تلعبي مع هذا الحيوان!”.والتقت السمكتان، بعد عام من اللقاء الأول، بسبب معارضة الكبار، ولعبتا خفية عن عائلتيهما، وبعد شهور، ذهبت السمكتان إلى أم السمكة الصغيرة وتحدثتا معها، وهكذا أيضا فعلتا مع أم سمكة القرش. لفرض وجه نظر السمكتين الصديقتين، رغم ان الاولى صغيرة والثانية مفترسة، وينهي شاليط قصته بالقول “ومنذ ذلك اليوم تعيش اسماك القرش والأسماك الصغيرة بسلام”.وتكملة القصة هي عند المتلقي، الذي أرادت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إيصال رسالة من خلال هذه القصة بان شاليط “الأديب” و”المحب للسلام” مثل “باقي الأطفال الإسرائيليين” والمؤمن بتعايش “الأسماك الصغيرة مع اسماك القرش”، ما زال محتجزا لدى “المنظمات الإرهابية”.ولا تقتصر جهود وزارة الخارجية الإسرائيلية الثقافية، على اكتشاف وإعداد ونشر قصة شاليط عندما كان طفلا، ولكنها هي التي نجحت في ما يمكن تسميته “تحييد” إن لم يكن انحياز منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، إلى إسرائيل، التي تعتبر وفقا للقوانين الدولية، دولة احتلال، وان كل ما تفعله في الأراضي المحتلة من تدمير للإرث الثقافي الفلسطيني، هو غير شرعي وغير قانوني، وهو ما كانت اليونسكو ما تعلنه دوما، وتوجه انتقادات لاذعة لإسرائيل بهذا الشان، إلا أن الأمر تغير في ظل عهد الياباني كويشيرو ماتسورا مدير عام اليونسكو، صاحب المواقف المنحازة بوضوح إلى إسرائيل، وخلال الحملة الأكاديمية التي شهدتها بريطانيا لمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، تدخل ماتسورا واصدر بيانا في باريس بتاريخ 22 حزيران (يونيو) 2007، أعرب فيه، وفقا للترجمة العربية الرسمية للبيان “عن قلقه إزاء الاقتراح الرسمي الصادر بتاريخ 30 أيار/مايو 2007 عن اتحاد الجامعات والكليات البريطانية بمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية”. وصرّح ماتسورا بأنه “في حالات النزاع، ينبغي الإمساك بجميع الفرص الإيجابية، أينما أمكن ومهما تفاوت شأنها، بهدف تعزيز آفاق السلام والحوار. كما أن التبادل الحرّ للأفكار والمعرفة، الذي يقع في جوهر أي نشاط فكري، إنما يشكل قوام العمل الأكاديمي والمؤسسات الجامعية”.واضاف “يُعنى الجامعيون بجمع ومعالجة ونشر المعلومات، وهي مهام ضرورية لبناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة وديمقراطية. ونحن بحاجة لصون الطابع العالمي للبحث والتبادل والتعلّم، ودعم مجمل الأنشطة الأكاديمية المشتركة التي تعزز تقاسم التجارب والخبرات”.   وقال “إذا كنا جادّين حقًا في مسعانا لتلبية الحاجة إلى السلام المستدام، والديمقراطية والتنمية، أرى أنه تقع علينا مسؤولية أخلاقية في تقاسم المعرفة وتشجيع التفاهم. ولا يشكل التعاون الجامعي الدولي نوعًا من أنواع الترف وإنما ضرورة قائمة بذاتها. فلذا، علينا مواصلة دعم جميع الجهود المبذولة ضمن المجتمعات المدنية لتغذية الصلات والروابط في جوّ من الاحترام والتفاهم المتبادل، وهو ما يميّز العلاقات السلمية”.ووصل ماتسورا إلى إسرائيل، في الأسبوع الأول من شهر شباط (فبراير) الجاري، في أول زيارة رسمية له لإسرائيل، تسبقه حملة إعلامية ترحيبية به، من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية، باعتباره “يبدي تعاملا منصفا وودودا تجاه إسرائيل وجد تعبيرًا له في تصريحين هامين أدلى بهما مؤخرا. فقد ندد ماتسورا بالمقاطعة الأكاديمية البريطانية لإسرائيل واستنكر إنكار المحرقة النازية في المؤتمر الذي عقده الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في طهران”. وليس ذلك فقط فحسب وزارة الخارجية الإسرائيلية فان منظمة اليونسكو بقيادة ماتسورا تبنت “توجها بنّاءً في قضية باب المغاربة”، والمقصود الحفريات التي تجريها إسرائيل بجانب أحد أبواب الحرم القدسي الشريف، والتي أثارت غضبا عربيا وإسلاميا، باعتبارها تهدد اساسات هذا الحرم، ورغم أن الأعمال الإسرائيلية في تلك المنطقة مخالفة للقوانين الدولية التي تحظر على سلطة الاحتلال إجراء حفريات في الأراضي التي تحتلها، إلا أن اليونسكو تغاضت عن ذلك، واعتبرت في تقرير لها عن تلك الحفريات بأنها لا تهدد اساسات الحرم القدسي.وتحمل إسرائيل أيضا تقديرا لليونسكو ومديرها العام لان هذه المنظمة الدولية اختيرت “لتكون الهيئة المسؤولة من قبل الأمم المتحدة عن نشر القيم الكونية المتعلقة بذكرى الهولوكوست”.وتفاخرت إسرائيل، وهي تستقبل مدير عام اليونسكو، بأنها دولة “داعمة” لنشاطات هذه المنظمة الدولية، وليست دولة متلقية الدعم، مما يشعرها بالزهو على معظم الدول العربية التي “تستجدي” أموال المانحين والمنظمات الدولية ومن بينها اليونسكو. والتقى ماتسورا، خلال زيارته أولا وزيرة الخارجية الإسرائيلية تيسبي ليفني، ووقع الاثنان على مذكرة التفاهم التي تنظم العلاقات بين إسرائيل والمنظمة. ووفقا لوزارة الخارجية الإسرائيلية، فان مذكرة التفاهم هذه حددت “المواضيع ذات الأهمية المشتركة لإسرائيل واليونسكو”, وهي كما فصلتها الوزارة: تعزيز دراسات المحرقة النازية في الدول الأعضاء في اليونسكو، والمساهمة في تطوير جهاز التعليم في دول جنوب الصحراء الكبرى، وتطوير شبكة مدارس تابعة لليونسكو، وتطوير مراكز علمية في المناطق النائية في إفريقيا من خلال مركز التعاون الدولي (مشاف) التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية إضافة إلى مواضيع أخرى. والتقى مدير عام اليونسكو، أيضا بمسؤولين إسرائيليين عديدين مثل وزير العلوم والثقافة، ووزيرة التربية والتعليم، ومدير مؤسسة ياد فاشيم الخاصة بالهلوكوست ورئيس بلدية تل أبيب.وبالإضافة إلى هذا النوع من النشاط، مثل المتعلق بقصة شاليط، أو ما يمكن تسميته “الاختراقات” مثل المتعلق باليونسكو ومديرها العام، فان وزارة الخارجية الإسرائيلية، تدرس تعيين أدباء وفنانين مشهورين في مناصب “سفراء الثقافة”، والسبب كما قالت مصادر في الوزارة الإسرائيلية “محاولة لتحسين صورة إسرائيل في العالم”.وانبثق هذا الاقتراح من مكتب وزيرة الخارجية ليفني، والذي يتضمن تشكيل لجنة وزارية مستقلة لوضع معايير اختيار سفراء الثقافة الإسرائيليين، والشروط التي بموجبها منح لقب “سفير الثقافة”.وقال مصدر في الوزارة الإسرائيلية في محاولة لترويج الاقتراح وسط المبدعين الإسرائيليين بان ما اسماها المبادرة الجديدة ستساعد دولة إسرائيل والفنانين، الأولى ستستفيد بتحسين صورتها من خلال الفنانين والمبدعين والكتاب، وهؤلاء أيضا سيستفيدون مزيدا من الترويج لأعمالهم في بلدان العالم المختلفة التي سيزورونها بصفتهم سفراء للثقافة الإسرائيلية.وترددت أسماء مرشحة لمثل هذه المناصب من الكتاب والفنانين والراقصين والنحاتين والموسيقيين، ومن بين هذه الأسماء الروائي الإسرائيلي المعروف عالميا عاموس عوز.وربما من باب الصدفة، انه بعد اقل من أسبوع من الحديث عن عوز كأبرز مرشح لتولي منصب سفير الثقافة الإسرائيلية، فاز بجائزة استورياس الأسبانية، التي تعتبر أنها تضاهي جائزة نوبل.وحاز عوز على الجائزة التي ترعاها العائلة المالكة الأسبانية، لينضم إلى سلسة طويلة، من شخصيات عالمية حازت عليها مثل: نائب الرئيس الأميركي السابق آل جور، وقائد سيارة الفورمولا وان مايكل شوماخر، وحصل عليها أيضا الإسرائيلي افنير شليف مدير مؤسسة ياد فاشيم، وخلال حفل تسلم عوز للجائزة كان ضيوف الشرف مجموعة من اليهود قدموا على انهم من الناجين من الهلوكوست،  من بينهم رجل الأعمال دافيد عزرئيلي الذي قال بأنه فقد عائلته في بولندا على يد النازيين.وترغب وزارة الخارجية الإسرائيلية، في استغلال شهرة بعض الإسرائيليين، في الخارج مثل عاموس عوز، لتحسين صورة دولة يعتبرها كثيرون في هذا العالم دولة عدوانية، يصعب الدفاع عن سياستها، لذا فان الوزارة الإسرائيلية تريد أن تحقق هدفها عن طريق الثقافة، وليس عبر دروب الدبلوماسية والسياسة.http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&issueno=10684&article=460470&feature=1

الإعلانات