60 عاما على اكتشاف مخطوطات البحر الميت

2 01 2008

يعتبر محمد حمّاد، الشاهد الوحيد الباقي على قيد الحياة، على قصة اكتشاف مخطوطات البحر الميت في خربة قمران المطلة على البحر الميت، وهو الاكتشاف الأثرى الذي اعتبر واحدا من أهم الاكتشافات الأثرية من القرن العشرين، الذي من شأنه أن يعيد النظر في تاريخ البشرية المعروف، أو على الأقل فيما يتعلق بما يعرف الآن بالشرق العربي: أرض الديانات والرسل والملائكة..!، حسب التقديرات المتفائلة لذلك الكشف، الذي ما زال يثير الجدل حتى الآن.

وتقدم المخطوطات صورة عن مجتمع طائفة الاسينيين الاشتراكية التي عاشت في قمران، ومناطق أخرى في صحراء البحر الميت تم العثور فيها على المخطوطات، مثل خربة مرد.
وفي الذكرى الستين لاكتشاف المخطوطات في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، بدأت دولة الكيان الصهيوني احتفالات على طريقتها بالمخطوطات التي آلت إلى سيطرتها الكاملة بعد احتلالها لما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967.

وقبل ستين عاما تمكن حماد، مع رفيقه محمد الذيب، الذي توفي قبل سنوات في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، من العثور على المخطوطات التي ما زالت محل دراسة في أنحاء مختلفة من العالم، وسط اتهامات من باحثين مستقلين للدولة العبرية باحتكار ما لديها من مخطوطات والتلكؤ في الكشف عن مضامينها كاملة.

وفي حديث مع مؤسسة فلسطين للثقافة، يشعر حماد بالأسى الآن، أكثر من أي وقت مضى، لما يسميه اللامبالاة بشأن المخطوطات التي تضع حكومة الاحتلال يدها عليها، من قبل العالم العربي، ومن وسائل إعلامه، وهو الذي يستقبل بانتظام باحثين وصحافيين وإعلاميين أجانب ما زالت تشكل قصة المخطوطات محفزا للكتابة أو صنع أفلاما تسجيلية عنها.

وبعد مرور ستين عاما، أصبح حماد عجوزا، وهو الذي يشار إليه مع رفيقه محمد الذيب، في الكتب التي تحدثت عن هذه المخطوطات والتي تجاوزت الثلاثة آلاف دراسة بمختلف اللغات، بالولدين البدويين اللذين عثرا على المجموعة الأولى من المخطوطات التي أطلقت حملة بحث واسعة في قمران، المرتفع الجبلي الأخاذ الذي يقع البحر الميت عند أقدامه.
ما زال حماد، يحمل في روحه جذوة ذلك الصبي الراعي الذي قادته مع رفيقه الذيب إلى قمران عام 1947م، والكشف عن المخطوطات المثيرة .

وبعد الاحتلال عام 1967م، تحولت قمران، إلى معلم سياحي هام تحت السيطرة الصهيونية، ووضع المحتلون الجدد سيطرتهم على المتحف الفلسطيني بالقدس المعروف باسم (متحف روكفلر)، ونقلوا مخطوطات البحر الميت، وأثار أخرى هامة من هذا المتحف إلى متحف الكتاب في القدس الغربية، علما بان متحف روكفلر في القدس الشرقية ما زال تحت سيطرة الاحتلال أيضا.

وأسست سلطة الآثار الصهيونية في عام 1990، لجنة من العلماء لنشر نصوص المخطوطات برئاسة البروفيسور إيمانويل توف، من الجامعة العبرية بالقدس، وضمت في صفوفها العشرات من العلماء من مختلف أنحاء العالم، وأعلنت في عام 2001، أنها أكملت عملها، وتم الاحتفال بذلك في مقر رؤساء الكيان العبري، وبحضور الرئيس الصهيوني.

ولم يمنع ذلك من أن تظل المخطوطات حتى الآن مثار جدل واسع، يبرز بين كل سنة وأخرى، خصوصا وأن حكومات الاحتلال المتعاقبة متهمة من قبل البعض بعرقلة الكشف بشكل كامل عن مضمون المخطوطات.

وفي حين اعتبر باحثون ذلك، محاولة لإخفاء حقائق جديدة عن فترة نزول الكتاب المقدس والديانة المسيحية والتاريخ اليهودي في فلسطين، كان باحثون صهاينة يبررون ذلك بأن العمل في المخطوطات لم ينته بعد.

وعشية اتفاق أوسلو عام 1993، أطلقت حكومة الاحتلال حملة بحث واسعة في صحراء البحر الميت عن مخطوطات جديدة، وأسمت الحملة (البحث عن الدرج) أي المخطوطة أو الملف.

ونظمت خلال السنوات الماضية معارض في مختلف أنحاء العالم، تضمنت قطعا أثرية من التي تم العثور عليها في أثناء الحفريات التي لم تتوقف حتى الآن في خربة قمران، ومن بينها معرض مستمر في واشنطن منذ عدة سنوات.

وإذا كانت المخطوطات ما زالت تثير جدلا خصوصا حول ما يمكن أن تقدمه من إعادة النظر في تاريخ الأديان المعروف، فإنه غاب في حومة هذا الجدل الذي لا ينتهي حتى يبدأ، الظروف التي عاشها أفراد طائفة الاسينيين أصحاب المخطوطات في مجتمعهم الاشتراكي في تلك المنطقة المقفرة على ضفاف أخفض بحيرة في العالم.

ويقدر الآن للمتابعين معرفة بعض الأدوات التي استخدمها الاسينيون الذين انقطعوا للعلم وتحصيل المعرفة والكتابة التي وصلتنا على شكل مخطوطات من الجلود أو الصفائح النحاسية وغيرها، من خلال معرض تستضيفه مكتبة الكونغرس في واشنطن.

ويهدف المعرض الذي يضم قطعا من المخطوطات والأدوات التي عثر عليها أثناء البحث في قمران والكهوف المحيطة بها، إلى زيادة فهم الزوار للفترة المضطربة التي نسخت فيها المخطوطات.

ونظم المعرض بالتعاون مع سلطة الآثار الصهيونية، وافتتح بعد أن أعد له جيدا في حزيران (يونيو) 1993، ووضع إلى الشبكة العنكبوتية في نيسان (ابريل) 1996.

وفي حين يحظى المعرض باهتمام الباحثين من مختلف دول العالم وكذلك المتابعين والمهتمين، إلا انه لا يلاقي نفس الاهتمام من الباحثين العرب لأسباب غير مفهومة، مع أن الأمر يتعلق بفترة مهمة من تاريخ المنطقة، تأثيرها ما زال طاغيا حتى الان.

ويضم المعرض الذي يكشف عن جوانب من واقع مجتمع الاسينيين، جرار فخارية، قسم منها حفظ المخطوطات وسط تلك البيداء الجافة، حتى وصلتنا بفضل محمد الذيب ومحمد حماد.

وحين عرض مراسلنا على حماد صورا لنماذج الفخاريات من معرض مكتبة الكونغرس استطاع التعرف على بعضها والتأكيد على أنه عثر عليها في خربة قمران.

ولفتت انتباه حماد بشكل خاص الجرار، وهي ذات شكل أسطواني، ولم تكن معروفة في أي مكان آخر غير قمران، ولم تكشف الحفريات الأثرية عن جرار مثلها، ويعتقد العلماء أنه صنعت محليا من قبل الاسينيين في قمران.
وعثر على أدوات فخارية متعددة مثل الدوارق والقوارير الصغيرة والأواني والأطباق والسلطانيات والمزهريات، مما جعل العلماء يصفون ما عثر عليه في هذا المجال بأنه كنز أثري، ويميلون إلى الاعتقاد بأن قمران ربما كانت مركزا إقليميا متقدما لصناعة الفخار.

ويضم المعرض المثير منسوجات، عثر عليها في أحد كهوف قمران في ربيع (نيسان) 1949، وأثار وجود بعض هذه المنسوجات مخفية مع المخطوطات، التساؤلات لدى العلماء إذا كان الاسينيون استخدموها ليس فقط في اللباس وإنما أيضا ضمن تقاليد أخرى مثل طقوس الدفن.

وعثر أيضا على قطع أقمشة، غطيت بها الجرار، ونسجت بطريقة معينة دقيقة، وكذلك على سيور جلدية متعددة الأشكال، ومتعددة الاستخدام.

ومن الأدوات المعروضة قطع خشبية نادرة، وسهلت بعض السلطانيات، والصناديق، وإطارات المرايا، المصنوعة من الخشب على الدارسين الوقوف على أساليب مهنة النجارة القديمة.

ويتبين من خلال المعرض نوعية الأمشاط التي استخدمها الاسينيون، التي صممت لتصفيف الشعر بطريقة تضمن أيضا تنظيفه من أي أشياء غريبة، وتشبه شكل هذه الأمشاط مثيلاتها التي كانت شائعة في العالم العربي خصوصا في الأرياف حتى سنوات خلت.

وعثر على مصابيح في قمران، تشبه الأنواع التي عثر عليها في مواقع أخرى مثل ما يعرف بالحي اليهودي بالقدس القديمة، ويطلق على هذا النوع من المصابيح اسم (مصباح هيدريان) التي تعود لفترة الإمبراطور الروماني هيدريان، المؤثر في تاريخ القدس.

وعثر في أحد المصابيح على ألياف من النخيل شكلت فتيلته، وكأنه معد حديثا للإيقاد، ومن سعف النخيل صنع الاسينيون سلالا وحبالا، مستفيدين من تقنية الضفر الشائعة في العصر الروماني، وربما المستمر حتى الآن.

ويعتقد بأنه في أوقات الشدة تم استخدام الحصر المصنوعة من النخيل في تغليف بقايا الموتى، لإعادة دفنهم في منطقة مضطربة شهدت تمردات وثورات عديدة. 

ومن المعروضات زوج صندل ظريف، يعتقد أنه من نوع كان شائعا في تلك الفترة، لأنه وجد مثله في مواقع أخرى في فلسطين مثل قلعة مسعدة.

ونعل الصندل مصنوع من ثلاث طبقات من الجلد، وشكله لا يختلف كثيرا عن أنواع ما زالت مستخدمة حتى الآن.

ويتضمن المعرض نماذج من عملات معدنية وفضية، وبعضها غير معروف إنه استخدم في قمران، مما جعل العلماء يعتقدون بأنه عندما كان ينضم أعضاء جدد لطائفة الاسينيين كانوا يسلمون ما معهم من نقود، التي تودع في خزينة عامة، وبعض الأموال عثر عليها تحت الأبواب، وهي ممارسة شائعة في العصور القديمة.

ويثير المعرض من جديد الألغاز عن طائفة الاسينيين التي قدمها العلماء كطائفة دينية متقشفة يعيش أفرادها بشكل جماعي، يأكلون الطعام المعد من مطبخ الطائفة، ويعملون في نسخ المخطوطات في قاعة المكتبة.

وحسب بعض التقديرات فان الأدوات التي عثر عليها في الموقع ربما تناقض نظرية التقشف عن حياة الاسينيين، ولكن تقديرات أخرى ترى انه لم يكن بإمكان أفراد الطائفة العيش كجماعة منبوذة دينيا منقطعة للكتابة والتأليف دون أن يكون لديها احتياطا ماليا وفيرا.

وبمناسبة الذكرى الستين لاكتشاف المخطوطات، تعود التكهنات والأسئلة لتثار من جديد، حول طائفة الاسينيين، بينما قررت سلطة الآثار الصهيونية تشكيل لجنة دولية، لحفظ المخطوطات، بأنسب طرق الترقيم والحفظ، مكونة من عشرة خبراء عالميين، من مختلف ميادين التصوير الفوتوغرافي، والتكنولوجيات الرقمية، وإدارة مشاريع قواعد البيانات.

وبهذه المناسبة الهامة، عقد في القدس، مؤتمرا في الفترة ما بين 4-7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، حول هذه المواضيع، ونشرت سلطة الآثار الصهيونية نتائج الحفريات في قمران خلال الأعوام 1993-2004، مع الخرائط والصور.

ومقابل هذا الاهتمام الصهيوني، فإن النظر للمخطوطات من قبل أصحابها الأصليين الفلسطينيين والعرب، ما زال يكتنفه عدم الاهتمام والغفلة، منذ أن تم الكشف عنها، في الأرض الفلسطينية.

ولم تبادر أية جهة فلسطينية، خلال المفاوضات الطويلة مع الصهاينة، الى المطالبة بالمخطوطات، وكذلك لم تفعل الحكومة الأردنية، التي كانت القدس والمتحف الفلسطيني تحت سيطرتها لدى وقوع الاحتلال عام 1967، ووضع الاحتلال يدها على المخطوطات.

http://www.thaqafa.org/Main/default.aspx?xyz=BOgLkxlDHteZpYqykRlUuI1kx%2fVDUOFoUGywCJ7jZIi4zCLW%2fd90D6jJpNhH6lF7jS00vcM1LAAlbOQXwZEqvEV085FokWRmYFM%2fTS0%2fDeSY%2bRWzIbxCuAZh0EDGOUoSKXGkVga0AMg%3d

Advertisements

إجراءات

Information

36 تعليق

17 03 2008
مصعب

هل ما نأخذه في مدارسنا صحيح عن المخطوطات وعن ما بداخلها
وعن سفر اخنوخ وسفر عزرا اريد جواباً رجاءً
وشكراً لكم ولجميع القائمين على هذا الموقع

17 03 2008
hnda

الاخ العزيز
تتضمن المخطوطات اسفارا من العهد القديم وغيرها من وثائق تخص طائفة الاسينيين
وعموما اعتقد بانها تحتاج الى وجهة نظرة ثالثة مستقلة وعملية ومحايدة بين وجهة النظر الاسرائيلية المنحازة، ووجهة النظر العربية التي تعتمد على السماع..وليس على البحث الحقيقي الميداني

23 07 2008
sami

لقد بحثت في تاريخ الإسينيين وعقيدتهم ومخطوطاتهم المترجمة للإنكليزية, ووصلت إلى أن المركز الرئيسي لهم كان دمشق وما أصبح لاحقا يسمى الجامع الأموي. وأقرب عقيدة دينية حية لإتجاه الإسينيين الديني هي عقيدة التوحيد (الدروز).

23 07 2008
hnda

راي يستحق النقاش والمتابعة
احييك على جهودك والى الامام

23 07 2008
sami

الإسيين! من هم؟

بقلم: ابن زاهدي

في عام 1947 أضاع أحد الرعاة الفلسطينيين عنزة من عنزاته وذهب للبحث عنها, وفي طريقه مر بقرب المغارات المنتشرة على إحدى التلال الواقعة قرب خربة قمران شمال غربي البحر الميت, وعن طريق الصدفة قذف بحجر صغير في إحدى تلك المغارات فاصطدم الحجر بخابة فخارية وكسرها , فسمع الراعي صدى تكسر الفخار مما أثار اهتمامه وجعله يدخل المغارة ويجد بداخلها مجموعة من الأواني الفخارية تحتوي على ملفات قديمة من الجلود وأوراق البردي مكتوب عليها بأحرف غريبة لم يرها من قبل , فذهب الراعي وأخبر صديق له وعادوا ليبحثوا عن مزيد من تلك الخوابي ظناً منهم انهم سيجدون كنزاًً مخبأ فيها, ولكنهم لم يجدوا سوى مخطوطات لا قيمة لها بالنسبة لهم, ولكنها لا تقدر بثمن في الأوساط العلمية . وعندما انتشر الخبر قامت السلطات الأردنية بنقل المخطوطات إلى متحف الآثار في القدس الشرقية ووضعها في خزانة مقفلة دون أن تعيرها أي اهتمام يذكر, إلى أن عرف بها رجل دين فرنسي (Father R Du Voux) وبض الباحثين الأوروبيين وبدأوا بترجمة بعضها والبحث عما تبقى منها في المغائر المنتشرة حول البحر الميت , واستمر البحث والتنقيب حتى عام 1957. ولكنه مازال هناك مخطوطة مفقودة وإسمها (Heguh) ,هذه المخطوطة تكرر ذكرها في عدة أماكن في الخطوطات التي عثر عليها ومازالت مفقودة, ويعتقد الباحثون بأنها تتمتع بأهمية خاصة عند للإسيين حيث أنه يتحتم على كل فرد منهم تعلمها والتقيد بها.

وفي عام 1967 احتلت إسرائيل القدس ونقلت على الفور هذه المخطوطات إلى متحف الآثار الإسرائيلي في القدس الغربية وهي الآن معروضة هناك. ويصل عدد هذه المخطوطات إلى قرابة 800 مخطوطة.

وبعد التدقيق لمعرفة عمر هذه المخطوطات , اتضح بأنها تعود إلى الفترة ما بين 200 قبل الميلاد و 70 بعد الميلاد عندما اجتاح الجيش الروماني تلك المنطقة وقتل وشرد أهلها. ويعتقد بأن سكان المنطقة كانوا على علم مسبق بقدوم الرومان واستطاعوا إخفاء تلك المخطوطات في الكهوف المجاورة والرحيل قبل أن يصل الجيش الروماني إليهم. ويذكر المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسفوس الذي عاش تلك الفترة بأن سكان قمران قد رحلوا بإتجاه اربيلا ( إربد) الواقعة في الشمال قرب حوران شرقي نهر الأردن.

إن أكثر هذه المخطوطات مكتوبة باللغتين العبرية والآرامية ومخطوطة واحدة باللغة اليونانية, وتتضمن نصوص من التوراة , قسم منها يختلف عن النصوص الموجودة في التوراة المعروف حالياً, وملخص حول ما جاء في العهد القديم (التوراة) لا يوجد له مثيل في النسخ المعروفة , كما عثر فيها على نصوص موجودة في العهد الجديد ( الإنجيل) كتبت قبل ميلاد السيد المسيح بأكثر من قرن مما سبب بلبلة في الأوساط الكنسية وسبب في تأخير ترجمة المخطوطات , وقانون مفصل لتنظيم حياة المجتمع الإسيني فريد من نوعه ولا وجود له أولما يشابهه في أي مجتمع آخر في المنطقة أو خارج المنطقة أطلق عليه الباحثون (Manual of Diciplin) ويشبه إلى حد كبير قانون البعدة عند الموحين الدروز, ومخطوطة أخرى تتحدث عن حرب قادمة لم تحدث بعد بين أبناء الظلام وأبناء النور, سيرسل الله فيها ملائكته لتحارب إلى جانب أبناء النور, وينتصر فيها النور على الظلام ويستتب السلام والعدل في الأرض…., وعثر على مخطوطة مكتوبة على لوح نحاسي باللغة اليونانية يتحدث كاتبها عن كنز كبير مخبأ في مكان مجهول, ويعتقد الباحثون بأن هذا الكنز هو أموال الهيكل اليهودي التي أخفيت قبل تدميره على يد الرومان, يضاف إلى ذلك عدد كبير من المستندات والرسائل الشخصية.

وبعد البحث والتدقيق يجمع علماء الآثار والتاريخ على أن هذه المخطوطات تعود إلى مجموعة من النساك تدعى الإسيين كانت تسكن خربة قمران في تلك الفترة, وهذه الحركة الدينية بدأت تظهر في القدس في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد بين عدة حركات أخرى أطلق عليهم إسم مشترك بالرغم من التباين الفكري بينهم ( هاشميم , الإسميين ) لأنهم جميعاً كانوا يتجنبون قول كلمة الله و يكتفون بقول (هاشم , الإسم ) عندما يريدون ذكر كلمة الله, وكانوا مناهضين للفساد الخلقي والإنحراف الديني الذي كان سائداً بين الصدوقيين والفارسيين الذين كانوا يسيطرون آنذاك على أمور الدين والدنيا مما سبب في ابعادهم عن القدس والمدن الكبيرة الأخرى باتجاه المناطق الصحراوية , ويروي المؤرخون بأنه بعد هجوم الجيش الروماني وتدمير الهيكل, هربت هذه القبائل الهاشمية إلى الصحراء شرقي وجنوبي البحر الميت , وعبر شاطئ سيناء إلى مصر, والميسورين منهم استطاعوا الوصول إلى عصيون جبر (العقبة) وركوب البحر الأحمر باتجاه الجزيرة العربية واليمن وإثيوبيا, أما الإسيين فيقال بأنهم هربوا في الإتجاه الشمالي وانتهت آثارهم في كتب التاريخ بعد عبورهم اربيلا في ديكابوليس ( منطقة المدن العشر التي أنشأها الإسكندر المقدوني لجنوده وعائلاتهم ) قرب حوران. وسبب رحيل الإسيين في هذا الإتجاه الشمالي عكس الفئات الأخرى له تفسيره الجغرافي والتاريخي, فآخر منطقة سكنية معروفة للإسيين جنوباً كانت خربة قمران, وفي مناطق يهودا والسامرة كانوا ملاحقين ومضطهدين ولم يكن لهم تواجد يذكر بسبب العداوة القوية بينهم وبين الفارسيين والصدوقيين , ولكن عدد من المؤرخين يذكر بأنهم كانوا يسكنون في الجليل ومناطق أخرى من شمال فلسطين, كما أن الإنجيل يروي قصة شاؤول ( القديس بولص) عندما ذهب من أورشليم إلى دمشق لمحاربة الإسيين وتحريض الرومان ضدهم, وفي أماكن أخرى من الإنجيل يذكر بأنه ذهب إلى دمشق لمحاربة المسيحيين . رحلة القديس بولس إلى دمشق لمحاربة الإسيين أو (المسيحيين) كانت في عام 34 ميلادي, فلماذا أختار دمشق ولم يذهب لمحاربة الإسيين في قمران الأقرب إليه؟ وفي أحد المخطوطات يروي كاتبها كيف أن المعلم اضطر إلى الهروب واللجوء إلى أرض دمشق عندما كان الإشرار يبحثون عنه لإنزال الهلاك به, من هو هذا المعلم غير معروف “ومن المحتمل بأن يكون المقصود هو يسوع الناصري” الذي كان هارباً من الرومان عندما كان طفلاً . هذا يدل بشكل قاطع على أن المركز الأصلي والأساسي للإسيين كان في دمشق وليس في قمران. حدث آخر يؤكد ذلك وهو عندما ذبح النبي يحيى (يوحنا) الإسيني بتحريض من الفارسيين في فلسطين, لم يدفن في فلسطين, لماذا ؟ بل هربت جثته سراً إلى دمشق ودفنت في المكان الذي يطلق عليه الآن الجامع الأموي. الجامع الأموي يقال بأنه كان ديراً مسيحيا قبل الإستيلاء عليه وتحويله إلى جامع. الدين الإسلامي يحرم الإستيلاء أو الإعتداء على المقدسات النصرانية واليهودية, فلماذا إذاً استولى عليه المسلمون وحولوه إلى جامع؟ ألجواب هو أن هذا الدير لم يكن لأتباع يسوع الناصري المعترف برسالته في القرآن, بل كان المركز الرئيسي للإسيين الغير معترف بعقيدتهم في القرآن. ومما يؤكد ذلك هو العثور على مخطوطات اسينية عام 1896 في أحد الصومعات الموجودة في باحة الجامع الأموي. حدث آخر مهم, وهو عندما وصل الجيش الإسلامي إلى القبائل الغسانية المسيحية في حوران التي استقبلته بالترحاب وتحالفت معه, أحرق كتبها الدينية وأعادها محروقة إليها بعد انتهائه من فتح دمشق, وهناك رواية غير مؤكدة بأن خالد ابن الوليد طلب من القائد الغساني “واسمه الحارث ” بأن يعلن إسلامه, فغضب الحارث ورفض, فاستل خالد سيفه وقطع رأس الحارث . ومعروف كذلك بأن المسيحيون الأوائل وبعد صلب يسوع الناصري انقسموا إلى فئتين , فئة أولى اعتبرت بأن يسوع الناصري هو المسيح المنتظر وأطلق عليهم اسم النصارى, وفئة أخرى اعتبرت بأن المسيح الحقيقي أقوى من أن يوضع على الصليب, وحتى إذا صلب فهو أقوى من أن يتأوه ويشتكي من الآلام عندما سمع يقول ” أبتي لاما شبقتني” ومعناها “أبتي لماذا تخليت عني”, هذه الفئة اعتبرت أن يوحنا المعمدان ( النبي يحيى ) هو المسيح الحقيقي الذي سيعود من جديد لخلاص البشرية, وكانوا معروفين بأتباع يوحنا, ومن المرجح بأنهم هم من حملوا اسم “المسيحيون” قبل وصول الإسلام, لكونهم مازالوا ينتظرون عودة المسيح المخلص, والقرآن اعترف بالنصارى وبرسالة يسوع الناصري, ولم يذكر المسيحية. كل هذا يعني بأن المسيحية آنذاك كانت تختلف عن النصرانية. وربما المسيحية والإسينية مقصود بها نفس العقيدة. وهنا يبرز سؤال جديد لكي يطرح نفسه, لماذا يطلق على النصارى الآن في الشرق إسم “المسيحيون” ؟ هذا يعود إلى أن الإسلام منع المسيحية واعتبرها وثنية, وخير أتباعها بين اعتناق الإسلام أو الموت, فالقسم الأعظم منهم اعتنق الإسلام, وقسم فضل الذهاب إلى النصرانية لأنها غير ممنوعة وبقي يحمل التسمية القديمة “المسيحية” , وقسم آخر اعتنق الإسلام ظاهراً واحتفض بعقيدته باطناً لأنها لا تتعارض مع الدين الجديد الذي يرفضها وهي لا ترفضه.

ولو ألقينا نظرة على سكان منطقة حوران الآن لوجدنا بأن المناطق السهلية منها يقطنها أكثرية سنية وأقلية مسيحية , بينما المناطق الجبلية الوعرة يقطنها أكثرية درزية وأقلية مسيحية, هذا التوزع الديني يؤيد الفكرة السابقة, حيث أن المناطق الجبلية كانت صعبة على الجيوش الغازية لإخضاعها, وملاذ أكثر أمناً للفئات المطاردة أو المحضورة.

المسيحية كانت كذلك واسعة الإنتشار في تونس ومصر فلماذا اختفت كلياً في تونس ولم يبق منها إلا القليل في مصر, وجميع من بقي في مصر هم من أتباع النصرانية؟ والآثار والمقابر المسيحية ما زالت حتى الآن موجودة في تونس . ولماذا انطلقت ثورة المعز الفاطمية من تونس واستقرت في مصر؟ هذا موضوع آخر يحتاج إلى شرح معمق سأعود إليه في كتابات لاحقة.

من أين أتى اسم جماعة قمران ( إسيين Essene )؟ فهو ليس عبري وليس يوناني, ولو بحثنا في اللهجات السائدة آنذاك قي المنطقة, وأخذنا مفرد كلمة إسيين التي هي إسي , لوجدنا كلمة آرامية( سريانية ) مازالت تستخدم في العربية إلى يومنا هذا تتطابق مع نمط الحياة التي كان يعيشها سكان قمران, وهذه الكلمة هي كلمة ” قس ,أو قسيس ” ومعناها ناسك أو راهب, وكلمة قسيس هي التحوير اليوناني لكلمة “قسي” بزيادة حرف ال”س”على آخر الكلمات , ومن المحتمل بأن اسم الجماعة الحقيقي هو ” قسيين ” أي متنسكين نسبة إلى نمط الحياة الذي اختاروه . وبما أن جميع المصادر التاريخية التي تحدثت عن الإسيين مترجمة عن اللغة اليونانية , واليونانية لا تحتوي على حرف القاف “ق”, إذاً تحرفت التسمية إلى ” إسيين”. هذه مجرد نظرية, وإذا صحت فهذا يعني بأن التسمية تعني الجماعات التي اختارت الرهبنة والتنسك ومن ثم شملت من اتبع تعاليمهم في فلسطين بسبب جهل الفلسطينيين لمعنى الكلمة الحقيقي . فرضية أخرى وهي أن التسمية مشتقة من الكلمة الآرامية ” أساس ” وتحمل نفس المعنى بالعربية, وهذه التسمية ” أساسين, أي واضعي الأسس” أختارها لاحقاً النزاريون الإسماعيليون أتباع حسن الصباح بعد أن انشقوا عن الدولة الفاطمية, ثم حورها المؤرخون المسلمون عمداً لتصبح “حشاشين” وذلك لتشويه صورة النزاريين.

والإسيين كانوا يتميزون عن غيرهم على أن مذهبهم شديد السرية , ويؤمنون بانتقال الروح من جسد لآخر, والأتقياء منهم لا يتزوجون ويعيشون حياة بسيطة متواضعة, يبتعدون عن المدن, ويعملون في الزراعة والرعي ولا يتعاملون بالتجارة لأنها في رأيهم تحرض الإنسان علىالغش والكذب والنفاق, ولا يعيرون أهمية للمال والحياة الدنيا. ولكنهم ينكبون ليلهم ونهارهم على طلب العلم والمعرفة وعبادة الله, وكانوا يؤمنون بأن أرواحهم هي سجينة في أجسادهم ولا يمكن تحريرها من سجنها إلا عن طريق العلم والمعرفة والطهارة الكلية, ونتيجة لتضلعهم في معرفة العلوم بشتى أنواعها اشتهروا بمهارتهم في تحضير الأدوية من النباتات والأحجار, وبقدرتهم على إشفاء المرضى, وقراءة النجوم, والتنبؤ بما سيأتي قبل حدوثه. وهذا ما كتبه عنهم المؤرخ الإسكندراني ( فيلو ) الذي عاش بين 30 قبل الميلاد و 40 بعد الميلاد:

إنهم لا يقدمون قرابين حية, ويتجنبون السكن في المدن, ويفضلون العيش في القرى الصغيرة ظناً منهم بأن الحياة في المدينة لاتتناسب مع طريقة حياتهم التي تتطلع إلى الطهارة الجسدية والروحية. فهم لا يجمعون ذهب ولا فضة, ولا يمتلكون أراضي واسعة مكتفون بما يكفي حاجتهم للعيش. لا يطمعون بالرفاهيات والممتلكات, ليس بسبب سوء حظهم أو عجزهم, بل بسبب قناعتهم. لا يجهزون أنفسهم بالأسلحة, ولا يمتلكون عبيد, ويكرهون العبودية. يتجنبون التجارة والعمل بها إيماناً منهم بأن التجارة تحرض الإنسان وتغريه باتجاه النفاق والغش . وبالنسبة للفلسفة فهم يعرفونها ولكنهم يتجنبون الجدل لأجل الجدل فقط ومتحمسون جداً للحق والعدل. يحترمون عطلة يوم السبت ويرفعون هذا اليوم فوق أيام الإسبوع الأخرى. لديهم قوانين إجتماعية خاصة بهم يتحتم على الجميع تعلمها والتقيد بها, إلى جانب قوانين أخرى للعبادة والقضاء والتمييز بين ماهو صحيح وما هو خطأ. وهذه القوانين ليست كتابات فقط, بل إنهم يطبقونها في منتهى الدقة والغبطة وكأنها ولدت معهم. وعندهم شرائعهم في محبة الله ومحبة الأخلاق الحميدة ومحبة الإنسان للإنسان. يؤمنون بأن الله هو المسبب لكل شيئ وجميع ما يحدث أو يقوم به الإنسان هو بمشيئة الله . يحبون التقوى والطهارة ويرفعونها فوق كل شيئ آخر كالغنى والجاه والمتعة. يلتزمون بالصمت والتواضع ويحترمون القوانين والشرائع. بسيطون في مظاهرهم. بسيطون في حياتهم دون أي تذمر, يتشاركون في كل شيئ, وعندهم صندوق مال واحد يضعون فيه إنتاجهم من المال ليستخدم في مصلحة الجماعة, ولا يهملون المرضى الذين لا يستطيعون إعالة أنفسهم, ومن صندوق المال يقدمون الدواء والعلاج لكل من يحتاجه. ويظهرون احترام كبير للمسنين, إنهم يغمرونهم بالإحترام والعناية. إنهم فعلاً مولعون بالطهارة والتقوى ويعتبرونها رياضة لأرواحهم وأجسادهم , ويعتقدون بأنها الطريق الوحيد والصحيح للوصول إلى الحرية الكاملة.

الإسيين يعيشون في المدن الصغيرة وأكثرهم يعيش في القرى, وفي بعضها يشكلون مجموعات كبيرة, ليست مبنية على أساس العرق أو النسب بل على أساس الإستقامة والصدق في المسلك والعمل والمعاملة ومحبة الآخرين. فلا يوجد بينهم أطفال ولا شباب, كلهم في سن ناضج , قد علمتهم السنين كيف يتحكمون و يسيطرون على نزواتهم الجسدية. ليس عندهم أي ملكية خاصة, لا بيوت ولا حقول ولا عبيد ولا قطعان ولا أي شيئ يدل على الثراء. يعيشون كالأخوة, يأكلون معاً , وكل ما يقومون به هو لإرضاء الله ولمصلحة الجماعة. يعملون في مهن مختلفة, ويقبلون على عملهم بحماس شديد وغبطة أشد. يعملون من بزوغ الشمس حتى غروبها دون ملل أو تواني, فالعمل عندهم كالرياضة عند الرومان, يعتبرونه ضروري للروح وللجسد على السواء, وأفضل بكثير من التمارين الرياضية, لأنه يلازمهم في كل الأعمار ويتناسب مع قدراتهم الجسدية. فهم يعملون بالزراعة والرعي وتربية النحل والأعمال اليدوية على مختلف أنواعها. ولا تفاوت في مستوى معيشتهم, نفس المائدة ونفس الصحون. جميعهم يحبون البساطة ويكرهون الترف لأنه يفسد الجسد والروح. فهم يتشاركون في طعامهم ولبسهم. ما يملكه أحدهم فهو ملك للآخرين كذلك. ويرتدون جميعهم عباءة رخيصة وسميكة في الشتاء, وثوب رخيص وخفيف في الصيف. وقد امتنعوا عن الزواج لأنهم يرون فيه عقبة في طريق نمط معيشتهم, ويرون بأن المرأة أنانية وغيورة, محترفة بجذب الأنظار إليها وماهرة في التمثيل ولعب الأدوار لإغراء الرجل وإيقاعه في شباكها. فهي تفعل كل ما في وسعها لإستقطاب إنتباه الرجال والسيطرة عليهم وتسييرهم في طريق الضلال. وعندما تلد الأطفال تصبح متعجرفة ومتكبرة ومنتفخة بالعظمة وفاجرة وتستخدم أساليب تؤدي إلى هدم الروابط الحميدة بين الأخوة, والرجل لا حول له ولا قوة, فإما أن يخضع لسلطة زوجته أو يجبر على الخضوع بسبب أولاده, ويتغاضى أو يقصر في واجباته تجاه الجماعة , ويتخلى عن حريته ويصبح عبداً.

هذه هي الترجمة الحرفية لما كتبه فيلو. ويجب الإشارة هنا إلى أن فيلو عاش في الإسكندرية بعيداً عن مناطق سكن الإسيين, واحتكاكه بهم كان عن طريق الإسيين الذين جاءوا إلى الإسكندرية لطلب العلم. أما فلافيوس يوسفوس ( 37 ـ 100 ميلادي )المؤرخ اليهودي الذي عاش قريباً من الإسيين والتقى بهم وزارهم وقضى سنة كاملة قربهم في دير قمران فهو يقول:

الإسيون هم فئة يهودية, ولكنهم يختلفون عن اليهود الآخرين, فهم ملتحمون بين بعضهم بروابط عاطفية ومحبة متبادلة, ويجمعهم هدف واحد هو النزاهة والطهارة, يرفضون الملذات لأنها شيطانية, ويرون في السيطرة على النفس ومقاومة الرغبات فضيلة. يتجنبون الزواج ولكنهم يتبنون أبناء الآخرين في أعمار مبكرة لتعليمهم. ولا يمنعون الزواج ولكنهم مقتنعون بأن النساء متلاعبات وغير قادرات على الإلتزام برجل واحد. فهم يحتقرون الثراء, وعندما يلتحقون بالجماعة يتنازلون عن أملاكهم الخاصة ويجعلونها جزء من أملاك الجماعة المشتركة. ملكية واحدة للجميع . فلا يوجد بينهم فقراء, كما أنه لا يوجد بينهم أغنياء. والزيت المقدس الذي يستعمله اليهود الآخرون للطهارة في المعبد يعتبرونه نجساً وغير طاهر, وإذا لامس هذا الزيت جسد أحدهم أسرع إلى الإغتسال وتنظيف جسده. فهم يحافظون على أجسادهم نظيفة, ويرتدون أثواب بيضاء. في أمورهم الإدارية ينتخب المسؤولون بالتصويت ( القرعة ) , ولكن لا يوجد عندهم مكاتب مخصصة لهؤولاء المسؤولين, فهم يعملون في الحقول بين الآخرين. والإسيين لا يسكنون في مكان واحد, بل موجودون في أماكن مختلفة. في كل قرية أو مدينة يكونون مجموعات تلتف حول بعضها. يستقبلون الزائرين من أماكن أخرى وكأنهم أخوة لهم حتى وإن كانوا لا يعرفونهم من قبل, لذلك فهم لا يحملون معهم طعاماً أثناء السفر لأن بيوت جماعتهم على الطريق وحيث يصلون مفتوحة لهم. ولكنهم يتسلحون ضد قطاع الطرق. وهم لا يتخلون عن ثوبهم أو حذائهم قبل أن يتلف. ولا يبيعون أو يشترون بين بعضهم. إنهم يعطون بعضهم ويأخذون من بعضهم دون شعور بأنهم سيتقاضون أو سيدفعون أي شيئ بالمقابل. قبل شروق الشمس يقفون متجهين بوجوههم نحو الشرق ويرددون صلوات ورثوها عن أجدادهم . يعملون حتى منتصف النهار ثم يعودون ويلبسون ثوبهم الأبيض ويذهبون إلى بركة الماء المخصصة للطهارة, وبعد الإستحمام يدخلون إلى صالة كبيرة لا يسمح لأحد غيرهم بالدخول إليها ويتناولون الطعام المكون من نوع واحد وصحن واحد ورغيف خبز لكل رجل. يأكلون في صمت , وبعد ذلك يخلعون ثيابهم البيضاء ويرتدون ثياب مخصصة للعمل ويعودون إلى أشغالهم حتى غروب الشمس. في المساء يتبعون نفس التقاليد قبل العشاء. وخلال تناول طعامهم يجلسون برزانة وصمت تام يثير الدهشة لدى من يراهم. أكلهم وشربهم ليس بالكثير وليس بالقليل, حيث أنه يكفي حاجتهم دون أن يملأ معدتهم. ولا يمس أحد منهم طعامه قبل أن يتلو كبيرهم بعض التسابيح بصوت خافت ,وبعد انتهائه يسمح لهم بالبدء في تناول الطعام, ولا يغادر أحدهم المائدة قبل أن يتلو كبيرهم تسابيح حمد لله ويأذن لهم بالخروج. ينظرون إلى المتعة الجسدية وكأنها إثم. ولا يقدمون على عمل قبل استشارة معلميهم. ولكن شيئين وحيدين مسموح لهم بالقيام بهم دون استشارة أحد, أن يساعدوا من هو بحاجة للمساعدة , وأن يقدموا الماء والطعام لمن هو بحاجة لهما. وهم حريصون جداً في السيطرة على غضبهم ولا يسمحون له بالظهور. وصادقون إلى حد كبير, ومنصفون في التحكيم ويقضون بين الناس بالحق. يرفضون بأن يقسموا يميناً, لأن كل كلمة ينطقون بها يجب أن تكون صدق وبمثابة يمين. وهم طلاب مثابرون في طلب العلم والمعرفة, ولا يكتفون بقراءة التوراة, بل ينكبون على دراسة العلوم الأخرى, فهم خبراء بالأمراض وما يشفيها. من الجذور والنباتات ومن الأحجار المختلفة يصنعون دواء. وهؤولاء الذين يريدون الإنضمام إلى جماعتهم لا يسمح لهم بالإلتحاق الفور, ويتحتم عليهم الإنتظار خارج الجماعة مدة سنة كاملة , وخلال هذه السنة يعطونهم مجرفة وثوب يستخدمونه عند الإستحمام وثوب آخر أبيض. وبعد مرور سنة كاملة على التحاق الشخص الجديد, يجتمع أعضاء الجماعة وينظرون في أمره, فإذا كان حسن السلوك قربوه منهم, ولكنه مازال تحت التجربة, فلا يسمح له بالدخول إلى الإجتماعات السرية لمدة سنتين, وبعد مضي ثلاث سنوات من الإمتحان, تجتمع الجماعة من جديد للبت في أمره والسماح له بالإنظمام إلى الجماعة كعضو كامل. وعندها يجب عليه أن يقسم يميناً بإن يكون صادقاً في كل ما يقول ويفعل, ويتجنب الكذب والسرقة, وأن لا يخفي إسراره عن أخوته في الجماعة, وبأن لا يبوح بأي سر من أسرار الجماعة للغرباء , حتى تحت ألم التعذيب و الموت, وبأن لايظهر الكتب والمخطوطات التي تخص الجماعة للغرباء أو في حضورهم, وأن لا يبوح بأي كلمة منها وخاصة أسماء الملائكة. إسم ولي الحق (أو صانع الحق) يأتي بعد اسم الله, ومرتبته عالية جدأ عندهم. ,إذا أهان أوشتم أحدهم ولي الحق يحكمون عليه بالموت, والأعضاء اللذين يرتكبون أخطاء كبيرة يطردون من الجماعة دون رجعة. وما يتعلق بالقضاء والقانون فهم يحكمون بإنصاف وعدل دون تحيز أو تمييز, وأحكامهم ثابتة لا رجوع فيها. أما بالنسبة ليوم السبت, فهم يحترمونه ولا يقومون بأي عمل خلاله , حتى أنهم لا يذهبون للعبادة, وهم دائماً يعطون الأولوية لقرار الجماعة, ويبدون احترام كبير لأقوال المسنين ويعتبرون طاعتهم واجب. وهم يتكونون من أربع فئات حسب أعمارهم وفترة انتمائهم للجماعة, فالأعضاء الجدد مرتبتهم أخفض بكثير من مرتبة القدماء, وإذا لامس أحد الأعضاء الجدد بالخطأ أحد الأعضاء القدامى أسرع القديم لتطهير جسده وكأنه قد لامس إنساناً غريباً. لا يخافون من الخطر ويحتقرون الآلام وينتصرون عليها بقوة إيمانهم. ويستقبلون الموت إذا جاءهم بفخر وعزة نفس وكأنه أفضل من الحياة. لقد كانوا يموتون بإعتزاز تحت التعذيب المبرح على يد الرومان. فهم يعتقدون بأن أرواحهم لا تموت والأجساد فقط هي التي تموت. ويعتقدون كذلك بأن الروح هي سجينة في الجسد والموت يأتي ليحررها. كما أنهم يعتقدون بأنه يوجد مكان وراء البحار تجتمع فيه الأرواح الطاهرة, وهذا المكان مخصص للأرواح الطاهرة حيث ستبقى فيه إلى الأبد. أما أرواح الشريرين فتذهب إلى مكان مظلم تهزه العواصف والعذاب الأبدي. بعض الإسيين أصبحوا مشهورين بقدرتهم على قراءة المستقبل ومعرفة ما سيحدث قبل حدوثه. ( انتهى المقطع الأول )

ويقول يوسفوس في مقطع آخر:

الإسيون يؤمنون بأن الروح لا تموت, ومن الضروري أن تجتهد لكي تبلغ درجة عالية من الطهارة والصفاء قبل أن تتحرر من الجسد . فهم يرسلون قرابين إلى المعبد ولكنهم لا يقدمون قرابين بأنفسهم , وعاداتهم في تقديم القرابين تختلف عن عادات الآخرين, ولهذا السبب يتجنبون الدخول إلى المعبد في أورشليم. وإذا أرادوا تقديم قرابين فإنهم يقدمونها بين بعضهم وعلى طريقتهم. ويمكن القول عن هؤولاء الناس بأنهم قديسين, نذروا كل حياتهم للطهارة وللعمل بالزراعة. (انتهت الترجمة)

بعد سماع ما قاله فيلو ويوسفوس نجد بأنهم لايختلفون كثيراً في وصفهم للإسيين, ولكنه يصعب التحديد من خلال وصفهم عن أي فئة من الإسيين يتحدثون. هل هم يصفون جماعة الرهبان الذين سكنوا خربة قمران, أم أنهم يصفون المجتمع الإسيني ككل الذي كان يسكن في المدن والقرى المختلفة, أم يخلطون بينهم؟ فالإسيون في المدن والقرى كانوا يملكون بيوتاً ويستقبلون الناس فيها ومن المرجح بأنهم كانوا يتزوجون وينجبون أطفالاً. يوسفوس يقول بأنهم كانوا يتبنون أبناء الآخرين في سن مبكرة لتعليمهم. فمن هم هؤولاء الآخرين الذين يتنازلون عن أبناءهم أو يرسلونهم إلى جماعة من الرهبان في صحراء قاحلة كخربة قمران؟ لا يمكن بأن يكونوا من اليهود الفارسيين والصدوقيين أو الرومان الذين يكرهون الإسيين . بل على الأغلب هم من العائلات الإسينية التي تعيش في المدن والقرى.

يوسفوس يهودي وكان يسكن في منطقة يهودا وهو يصفهم بأنهم يهود ولكنهم يختلفون عن اليهود الآخرين. قمران تقع في منطقة يهودا ومن الطبيعي أن يكون قسم من سكانها يهود ولكن ليس كلهم, لأن قسم كبير من المخطوطات التي تركوها مكتوبة باللغة الآرامية, لغة المنطقة الممتدة من حوران إلى حلب. وما أورده يوسفوس على أنهم يهود يمكن أن ينطبق أكثر على الإسيين الذين كانوا يعيشون في المدن والقرى خارج قمران في فلسطين .

فيلو كان يعيش في الإسكندرية بعيداً عنهم , لذا نجد وصفه لهم أكثر مثالية, ولكن المؤرخين يتفقان على نقاط رئيسية عدة, مما يجعلنا نعتقد بأن الإسيين ونمط معيشتهم كانوا معروفين في ذلك الوقت, وحياتهم وعاداتهم لم تكن سرية كعقيدتهم. وبما أن عقيدتهم وطقوسهم الدينية كانت سرية للغاية , فأرى بأنه من المستبعد أن يكونوا قد أفصحوا عنها للمؤرخين, وما كتبه المؤرخين في هذا المجال يحتمل بأن يكون تحليلات واستنتاجات شخصية بنوها على ما استطاعوا رؤيته أو سماعه. لذا يجب مقارنة ما كتبوه مع ما جاء في المخطوطات للحكم على مدى صحتها. وبما أن جميع المصادر العلمية والتاريخية من تلك الفترة قد أتلفت وأحرقت بعد الفتح الإسلامي, ولم يبقى منها إلا ما استطاع الوصول إلى أوروبا مع اليهود والرومان واليونانون, ومعظمهم من الإسكندرية وفلسطين , نرى بأن الحديث عن الإسيين اقتصر في معظمه على جماعة قمران وأتباعهم في فلسطين. ولكننا إذا قرأنا ما جاء في الإنجيل وما جاء في مخطوطات البحر الميت إلى جانب ما كتبه فيلو ويوسفوس وبليني الروماني لتأكد لنا بأن المركز والتجمع الحقيقي للإسيين كان في دمشق والمنطقة الآرامية, ودير قمران لم يكن سوى مدرسة دينية وربما مركز فرعي للجماعة في فلسطين . وبما أن يوحنا المعمدان الذي عمد المسيحيين الأوائل كان إسيني, ويسوع الناصري الذي يعتقد بأنه اختبأ عند الإسيين بين سن الثانية عشرة وسن الثلاثين هرباً من الرومان والفارسيين, وتتلمذ على أيديهم, ثم عاد لينشر دعوته بين الفارسيين والصدوقيين باللغة الآرامية وليس اللغة العبرية, إضافة إلى وجود نصوص في مخطوطات قمران كتبت قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين تتطابق مع نصوص جاءت في الإنجيل منقولة عن لسان السيد المسيح. كل هذا يوحي بعلاقة قوية بين المسيحيين الأوائل والإسيين, ومن المحتمل بأن المسيحية القديمة والإسينية هي نفس العقيدة, والإسينية كان المقصود بها النساك منهم.

والعثور على نسخ عن مخطوطات قمران في دمشق تعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي , وأخرى قرب القاهرة في مصر يعود تاريخ كتابتها إلى العصر الفاطمي يدل على أن الإسيين لم ينتهوا بعد نزوحهم من قمران ومن المرجح بأنهم انتحلوا أسماء أخرى للحفاظ على حياتهم واستمرار عقيدتهم. كما أن ذلك يدل على أن أحفاد الإسيين كانوا يعيشون في القاهرة في الفترة الفاطمية. كما أن وجود معلومات في النسخ المصرية عن مخطوطات أخرى مخبأة في دمشق يدفعنا للعودة إلى دمشق والحركة الباطنية التي كانت قوية جدأً هناك حتى القرن الثالث عشر الميلادي, حيث تم القضاء عليها بمجزرة دموية بشعة على يد المماليك, وبقيت جثث الباطنيين ورؤوسهم بالآلاف معلقة على أسوار المدينة عدة شهور حتى اختنقت المدينة وضواحيها برائحة الجثث المتعفنة, ويروي أحد التجار الذين كانوا في طريقهم إلى دمشق على أنهم وضعوا لثاماً فوق أنوفهم عندما اقتربوا من المدينة ولم يدخلوها بسبب الرائحة القوية المنبعثة من الجثث المعلقة على أسوارها( مصدر: تاريخ الحروب الصليبية ).

أما بالنسبة لعلاقة الإسيين بالمعبد اليهودي في أورشليم, فهناك تلميح واضح من يوسفوس على أنهم كانوا يتجنبون الدخول إليه, ولا يقدمون القرابين فيه, كما أنهم كانوا يعتبرون الزيت المستخدم للطهارة في المعبد نجساً. وهذا يفسره ما جاء في مخطوطات قمران حول العداء الشديد الذي كان بينهم وبين الفارسيين . وفي إحدى المخطوطات يسرد كاتبها قصة اعتقال الرئيس الروحي للجماعة على يد الفارسيين ووضعه في السجن وتعذيبه حتى الموت. وأعتقد بأن هذه اللغة العدائية في المخطوطات ضد الفارسيين تفسر لنا الأسباب وراء التأخر وعدم الإستمرار في ترجمة ونشر المخطوطات. فالترجمات الموجودة الآن تعود غالبيتها إلى الخمسينات والستينات قبل استيلاء إسرائيل على المخطوطات. يضاف إلى ذلك أن المخطوطات تحتوي على نصوص موجودة الآن في الإنجيل مما وضع الكنيسة المسيحية في حرج كبير, لأن هذه النصوص كتبت قبل ميلاد المسيح عليه السلام بأكثر من مئة عام. فكيف لها أن تكون موجودة قبل مجئ السيد المسيح وهي في نفس الوقت من أقوال السيد المسيح. كما أنه يوجد نصوص توراتية غير موجودة في كتاب التوراة المعروف حالياً, ونصوص أخرى مختلفة عما يقابلها في التوراة المعروف. لهذا يمكننا الفهم بأنه هناك إتفاق غير معلن بين الباحثين اليهود والباحثين المسيحيين على السواء, بتوخي الحذر في الترجمة وعدم ترجمة ونشر كل ما جاء في المخطوطات.

ولتفسير كل هذه الضبابية والتناقضات يتحتم علينا الرجوع إلى حدثين هامين ومتشابهين في تاريخ اليهودية والمسيحية على السواء علهما يلقيان بعض الضوء على هذا الغموض:

الحدث الأول كان في عام 70 ميلادي بعد هدم الهيكل وطرد اليهود من أورشليم على يد الرومان, حيث قام تيتوس الذي احتل أورشليم السماح لحاخام يهودي من الفارسيين يدعى يوحنان بن زاكاي بتأسيس مدرسة دينية جديدة في مدينة جامينا لتعليم الدين اليهودي, وهذه المدرسة كانت تحت إشراف ومراقبة الرومان, حيث منعت فيها جميع المخطوطات والكتب الدينية التي تتعارض مع المصالح الرومانية, وكل ما تبقى حتى الآن من الدين اليهودي هو ما صدر عن تلك المدرسة. ويجدر بالذكر هنا أن أقدم كتب دينيه يهودية ما زالت موجودة حتى الآن وتعتبرها الطائفه اليهودية كمرجع لها تعود إلى القرن الثامن الميلادي.

أما الحدث الثاني فكان عام 325 ميلادي, حين قام الإمبراطور الروماني قسطنطين بعمل مماثل , حيث أنه دعى إلى عقد اجتماع عام لجميع الكنائس في مدينة Necaea تحت رعايته , وفي ذلك الإجتماع تم الإعتراف بشرعية الكنيسة الرومية التي كان الإمبراطور نفسه قد ساعد على تأسيسها من قبل, وتبنى الإجتماع فكرة الثالوث المقدس الذي جعل من يسوع إبن الله, وتم الإعتراف بأربعة أناجيل من أصل سبعة, وأقر في الإجتماع على أن الكنيسة الرومية هي كنيسة الدولة الرومانية, وسمح للكنائس التي وافقت على قرارات Necaea بالبقاء والإستمرار تحت مظلة الكنيسة الرومية. أما الكنائس الأخرى التي لم توافق على قرارات Necaea وعلى رأسها الكنيسة العريانيه ( Arian , Arianism) فقد منعت داخل حدود الدولة الرومانية, واحرقت الأناجيل الثلاثة التي لم يعترف بها الإجتماع, وحكم بالموت على كل من يضبط عنده نسخ منها. أما الكنيسة العريانية فقد كانت أقوى من الكنيسة الرومية, وأتخذت من الإسكندرية مركزاً لها, ولم يستطع الرومان القضاء على نفوذها إلا في نهاية القرن الرابع الميلادي بحملة عسكرية دموية أعتقل فيها بطريارك الإسكندرية العرياني ونفي, ووضع مكانه بطريارك من الروم , وطرد العريانيون من المدينة ومنعوا من دخولها.

إذاً, ما هو موجود الآن من العهدين القديم والجديد, هو فقط ما سمح له الرومان بالبقاء على قيد الحياة. لهذا السبب تعتبر مخطوطات البحر الميت على قدر كبير من الأهمية, لأن القسم الأكبر منها كتب قبل ميلاد السيد المسيح, وبعضها كتب أثناء فترة حياته, وبقيت محفوظة دون أن تصلها أيدي الرومان والفارسيين, فهي تحتوي على نصوص توراتية غير معروفة من قبل, وأخرى تختلف عما هو معروف, كما أنها تعطي صورة حقيقية لتلك الفترة المهمة في تاريخ اليهودية والمسيحية على السواء, وتضع إشارات استفهام حول أمور أخرى ما زالت تنتظر تفسيراً لها.

24 07 2008
hnda

شكرا لك لهذه المعلومات القيمة
وامل ان تتابع بحثك في هذا الموضوع

24 07 2008
sami

قانون البعدة!

بقلم: ابن زاهدي

وحيد من نوعه في العالم! هل هو درزي فاطمي كما هو معتقد حتى الآن؟ أم أن له جذور أخرى أعمق من الفترة الفاطمية والدعوة التوحيدية؟ وإذا كانت جذور هذا القانون تمتد إلى ما قبل حمزة ابن علي والعصرالفاطمي, فهل تتبعها جذور الموحدين والمذهب التوحيدي كذلك؟

لقد تصفحت عن طريق الصدفة مقالاً في إحدى المجلات العلمية يتناول بعض التنقيبات الأثرية في مكان يدعى خربة قمران قرب الشاطئ الشمالي الغربي للبحر الميت فأثار ذلك اهتمامي ودفعني إلى البحث والتعمق في الموضوع ,ليس لأنني مهتم بالحفريات , بل لاهتمامي بالناس الذين سكنوا هذه الخربة قبل ما يزيد على ألفين ومئتي عام. وبعد بحث طويل توصلت إلى قناعة بأن قانون البعدة الذي يمارسه مشايخ الطائفة الدرزية اليوم لتنظيم الحياة الروحية والإجتماعية للطائفة هو أقدم بكثير من الدعوة التوحيدية التي يقال بأنها بدأت في عهد الحاكم بأمرالله جل ذكره وأغلقت في عهد المقتنى بهاءالدين قدس الله سره .

خربة قمران تقع قرب الزاوية الشمالية الغربية للبحر الميت وكان يسكنها ما بين الفترة الممتدة من 200 قبل الميلاد إلى 70 بعد الميلاد جماعة متدينة تدعى حسب التسمية اليونانية القديمة ” الإسيين Essene” وحسب ما ورد عنهم في كتب التاريخ القديم فإنهم كانوا جميعاً من المتنسكين الرهبان على الطريقة الفيثاغورثية, الذين اختاروا الإبتعادعن الحياة الدنيوية والتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى. ويعتقد المؤرخون بأن ألإسيين رحلوا من قمران قبل وصول الجيش الروماني إليها بعد خراب القدس عام 70 ميلادي , ويقال بأن وجهة رحيلهم كانت بإتجاه منطقة اربيلا ( إربد) شرق الأردن ومنذ ذلك الحين لم يرد ذكرهم في التاريخ مما يوحي بأنهم غيروا اسمهم واعتنقوا السرية في عقيدتهم.

قبل إكتشاف مخطوطات البحر الميت عام 1947 عثر الباحثون في نهاية القرن التاسع عشر في دمشق على وثائق ومخطوطات باللغتين الآرامية والعبرية تعود إلى الإسيين, وهذه المخطوطات القت الضوء على وجود مخطوطات أخرى قرب القاهرة في مصر , وعندما عثر على المخطوطات المصرية التي يعود تاريخ كتابتها الىأواخر القرن التاسع و بداية القرن العاشر الميلادي( العصر الفاطمي) وجد بينها القانون الخاص بتنظيم المجتمع الإسيني ومن خلال هذه الوثائق المصرية اتضح بأن المجتمع الإسيني كان مجتمعاً ديموقراطياً لدرجة أنه ما من مجتمع ديموقراطي في وقتنا الحاضر استطاع أن يصل إلى المستوى الذي وصل إليه الإسيين قبل ألفي عام. لقد كانت جميع قراراتهم تؤخذ عن طريق التصويت العام تحت إشراف القادة الروحيين.

وبعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت في خربة قمران تبين أن المخطوطات التي عثر عليها سابقاً في دمشق ومصر ما هي إلا نسخ عن مخطوطات خربة قمران, والقانون الذي عثر عليه في مصر وبعد ذلك في قمران يدل على تركيز المجتمع الإسيني القوي على الطهارة والصدق ومحبة الأخوان وتجنب الإختلاط بغير الإسيين إضافة إلى تركيزهم الخاص على العدالة الإجتماعية والإقتصادية. وهنا سأحاول قدر الإمكان تقديم ترجمة حرفية لما جاء في مخطوطات الإسيين القانونية والتي تتعلق بشكل خاص بقانون البعدة الذي لا يوجد له مثيل في عالم اليوم إلا عند الدروز.

لا يسعني في هذا المقال أن أقدم للقارئ صورة مفصلة عن تاريخ وحياة هذه الجماعة من العباد الأتقياء لأن ذلك يستلزم صفحات عديدة وسأكتفي الآن بتقديم هذه الترجمة الحرفية للقانون الذي كان ينظم حياتهم اليومية قبل أكثر من ألفي عام, لأن هذا النوع من القوانين غير مألوف في التاريخ البشري ولا يوجد له مثيل أو شبيه إلا عند الموحدون الدروز, هل هي مجرد صدفة أم هناك علاقة فكرية أو روحية أو بشرية بين الفئتين ؟ الجواب أتركه للقارئ الكريم .

الترجمة

1. تبعاً لقرار الجماعة من الأفراد والقادة الروحيين من أصحاب الميثاق(Heguh) وبدون تمييز, وتبعاً لقرار الأكثرية من أبناء الجماعة الذين يتمسكون بالميثاق المقدس, وإستناداً إلى قرارهم, فإن جميع أولياء الأمور الذين توكل إليهم أمور الإدارة والتحكيم والقضاء والأوقاف يجب إنتخابهم عن طريق (القرعةLott)التصويت من بين من التزموا وتمسكوا بإخلاص بميثاق الجماعة.

2. قانون الحضرة(الإجتماعCovenent)وطريقة الإنتخاب:

كل شخص يجلس تبعاً لدرجته. أولاً رجال الدين وثانياً المتقدمين في السن وأخيراً عامة الناس. يجلسون حسب درجاتهم وبالتساوي ويفصحون عن آرائهم ويشاركون في الحديث والتحكيم وأي قضية تهم الجماعة ككل. كل فرد يجب أن يشارك في الرأي. ولا يجوز لأحد أن يبدأ بالكلام قبل أن يأتي دوره والجميع يجب أن تتاح لهم الفرصة للكلام. وخلال الحضرة لا يحق لأحد بأن يتطرق لأي موضوع خارج عن مصلحة الجماعة. وكل من يريد الكلام يجب أن يقف ويقول بأنه يريد الكلام , وعندما يسمح له بالكلام يمكنه أن يبدأ. ومن خلال هذه الإنتخابات يتم إختيار هيئتين: هيئة عليا مكونة من ثلاثة قادة روحيين وإثنين آخرين لمساعدتهم . والهيئة الثانية مكونة من عشرة أشخاص يتسلمون القضايا الإدارية للجماعة وعلى رأسهم المسؤول عن الأوقاف والقضايا المالية وآخر مسؤول عن تفقد أحوال الناس ومراقبة إتباع القوانين والسماع إلى شكاوى الناس. ولكنه ليس واضحاً إذا كان هذين الإثنين ينتسبون إلى الهيئة الأولى أو إلى الهيئة الثانية ويعتقد بأنهم هم نفس الشخصين المساعدين (في اللجنة الأولى) للقيادة الروحية المكونة من ثلاثة حكماء في أمور الدين والدنيا, توكل إليهم مسؤولية قيادة اللجنة الثانية.

3. القانون العام للجماعة:

وهذه هي القوانين التي يجب إتباعها في تقصي الحقائق والحكم بين أفراد الجماعة بدون تمييز, وبدون زيادة أو نقصان تبعاً لما هو منصوص ومتفق عليه.

ـ إذا وجد بين الجماعة شخص يكذب عن قصد بخصوص أمور مالية يجب إبعاده عن الحضرة لمدة سنة كاملة وحرمانه من ربع حصته من الطعام.

ـ ومن يتكلم مع أخونه بتعجرف وإستعلاء أو إشمئزاز أو عصبية أو يحاول بأن يقدم نفسه عن الآخرين خلافاً لدرجته بين الجماعة, أو يحاول إتباع القوانين على مزاجه يجب إبعاده سنة كاملة, وإذا لم يتحسن مسلكه يجب إبعاده عن الحضرة حتى يتحسن سلوكه.

ـ ومن يذكر جهراً اسم الذي هو أعلى من كل شيئ(لفظ الجلالة) يجب إبعاده ” لمدة غير واضحة بسبب تلف المخطوطات”.

ـ ومن يستخدم الكلام البذيء عند ذكر الخالق بسبب الخوف من عقاب صعب أو أي سبب آخر وهو على اطلاع على النصوص المقدسة أو ممن يمارسون في صلوات الحضرة يجب إبعاده نهائياً دون رجعة.

ـ ومن يشتم أو يتكلم بسوء عن القيادة الروحية أو عن الأولياء الوارد ذكرهم في النصوص المقدسة أثناء إجتماع الحضرة يجب إبعاده سنة كاملة, أما إذا فعل ذلك خارج الحضرة ودون وجود الجماعة فيكفي إبعاده ستة أشهر.

ـ ومن يكذب عمداً يجب إبعاده ستة أشهر.

ـ وكل من يتكلم بالباطل عن جاره أو أحد أفراد الجماعة يجب إبعاده سنة كاملة.

ـ ومن يتعمد الإهمال ويسبب مضرة أخيه الإنسان يجب إبعاده ثلاثة أشهر. وإذا سبب إهماله مضرة المصلحة العامة يجب إبعاده ستون يوماً وعليه أن يدفع الضرر إذا كانت إمكانياته تسمح بذلك.

ـ ومن يحمل حقداً على إخيه من الجماعة أو يحاول الإنتقام لأي سبب كان يجب إبعاده ستة أشهر.

ـ وكل من يتفوه بالكلام البذيء يبعد ثلاثة أشهر.

ـ ومن يقاطع أخيه في الكلام يبعد عشرة أيام.

ـ ومن ينام أثناء الحضرة يبعد ثلاثين يوماً, وكذلك الشخص الذي يغادر الحضرة بدون سبب مقنع أو إذن أكثر من ثلاث مرات يبعد لمدة عشرة أيام, وإذا رفض الإنصياع لرئيس الحضرة يبعد ثلاثين يوماً.

ـ من يظهر عارياً أمام الآخرين بدون سبب صحي يبعد ستة أشهر.

ـ ومن يبصق أثناء الحضرة يبعد ثلاثين يوماً.

ـ ومن يخرج يده من وراء ثوبه بحيث يظهر جزء من جسمه عارياً يبعد ثلاثين يوماً.

ـ ومن يستخدم يديه للتعبير عن أفكاره يبعد عشرة أيام.

ـ ومن يتكلم بالباطل عن أحد أعضاء الحضرة يبعد سنة كاملة, ومن يتكلم بالباطل عن الحضرة بكاملها يبعد نهائياً وبدون رجعة.

ـ ومن يذهب ويقلقل عن الحضرة أو عما يدور في الحضرة يبعد نهائياً ولا يسمح له بالعودة, أما إذا كانت القلقلة بخصوص أحد أفراد الحضرة فيجب إبعاده ستة أشهر.

ـ والشخص الذي يدب الشك في نفسه عن حقيقة الحق وصدق الرسالة إلى حد يدفعه إلى خيانة الجماعة والمضي في طريق الغرور والكبرياء فلا مكان له في الطائفة. وإذا تخلى عن ضلاله وأراد العودة إلى الجماعة فيجب أن يبقى بعيداً عن قلب الحضرة مدة سنتين كاملتين , في السنة الأولى يجلس وراء الجميع كمستمع ولا يحق له الإشتراك في أسرار الطهارة, أما في السنة الثانية وبعد دراسة وضعه ومسلكه من قبل الجماعة يمكنه التقدم في الدرجة بحيث أنه يستطيع المشاركة في الحضرة ولكنه يبقى ممنوعاً عليه لمس الكتب المقدسة أو الإطلاع على سر الجماعة. وفي نهاية سنتين كاملتين يجب على الحضرة بأن تجتمع وتبت في أمره عن طريق التصويت, وإذا أقرت الأكثرية بقبوله في الحضرة يمكنه أن يعود كمبتدئ.

ـ وأي شخص من أفراد الجماعة يتفق مع الغرباء على إنزال الضرر بكيان الجماعة يطرد نهائياً ولا مكان له بين الجماعة, ولا مكان كذلك لكل من يتعامل معه أو يكلمه أو يزوره أو يستقبله.

عودة إلى المخطوطات الدمشقية والمصرية

هذا القانون لم يكن واضحاً تماماً في المخطوطات التي عثر عليها في دمشق في نهاية القرن التاسع عشر. أما النص الكامل فقد عثر عليه في المخطوطات التي وجدت بعد ذلك في مصر. وفي عام 1947 عثر على نفس القانون في مخطوطات خربة قمران قرب البحر الميت.

المخطوطات الدمشقية يعود تاريخها إلى حقب تاريخية مختلفة, بعضها يعود إلى فترة ما قبل الفتح الإسلامي. أما المخطوطات المصرية فيعود تارخ كتابتها الى النصف الثاني من القرن التاسع وبداية القرن العاشر الميلادي ( بداية العصر الفاطمي). ومخطوطات البحر الميت تعود إلى بداية القرن الأول قبل الميلاد مما يدل على أن الإسيين لم يضمحلوا بعد عام 70 ميلادي كما اعتقد المؤرخون اليونان واليهود سابقاً. والأرجح بأنهم قد تحولوا إلى جماعة منعزلة بسبب الإضطهاد الديني الذي ساد المنطقة خلال الألف الأولى بعد الميلاد.

ما هي علاقة قانون البعدة عند الإسيين سابقاً وقانون البعدة عند الطائفة الدرزية اليوم لا أستطيع أن أحكم عليه ولكن الحقيقة التي لا يمكن التهرب منها هي أن هذا النوع من القوانين لم يسبق أن وجد سابقاً سوى عند الإسيين, وليس موجودا حالياً سوى عند الدروز. فالباحثون الغربيون “وأكثرهم من اليهود” يفععلون كل ما بوسعهم لإلصاق الهوية التلمودية بالإسيين بالرغم من أن الإسيين في مخطوطاتهم يشنون حرب شعواء على التلموديين وينتقدون بشكل لاذع اليهود الفارسيين والصدوقيين ويرفضون الدخول إلى الهيكل اليهودي وتقديم القرابين فيه كما كان دارجاً في ذلك الوقت, وهناك ما يكفي من الدلائل في مخطوطاتهم على انتماء آرامي لهم أقوى من الإنتماء العبري, كما أن اسمهم هو آرامي وليس عبري, ويوحنا المعمدان كان يعيش فيى الصحراء على مقربة من خربة قمران ويعتقد بأنه كان واحد منهم, كما أنني شخصياً أعتقد بأن يسوع الناصري عاش بينهم, ليس في قمران ولكن في منطقة دمشق, وتتلمذ على أيديهم بين سن الثانية عشرة وسن الثلاثين حيث بدأ دعوته باللغة الآرامية وليس باللغة العبرية لغة أمه, وفي المخطوطات القمرانية نصوص عديدة جاءت على لسان السيد المسيح بالرغم من أن هذه النصوص كانت قد كتبت قبل ميلاد المسيح بمئة عام.

وبما أنني لست على اطلاع كاف بتفاصيل قانون البعدة المعمول به حالياً عند الموحدين الدروز, قررت ترجمة هذا القانون الإسيني إلى العربية ونشره آملاً أن يثير إهتمام من هم على إطلاع أكثر مني بالقانون المعمول به حالياً للمقارنة والبحث, ليس فقط في هذا القانون , بل في موضوع الإسيين من مختلف الجوانب.

25 07 2008
hnda

بحث ممتع ارجو ان يفيد القراء
شكرا لك

26 07 2008
Hamzah

لقد لفت نظري في البحث الذي كتبه ابن زاهدي الكلمة المكتوبة باللاتينية (Heguh) , هذه التسمية واردة عند الموحدون الدروز (الحُجّه) والمقصود فيها (العقد , أو المعاهدة ) التي كتبها على نفسه كل مؤمن بينه وبين ربه منذ بداية الكون , وهذه الحُجّه سيجدها كل إنسان أمامه يوم القيامة حيث سيحاسب على أعماله على مر الأجيال التي مرت بها رحلة روحه الدنيوية.
درزي غير متدين

26 07 2008
hnda

انا سعيد بهذا النقاش والمعلومات الجديدة
شكرا لك ايها الاخ

27 07 2008
sami

قانون قبول المبتدئين عند الإسيين

بقلم: ابن زاهدي

في المرة الماضية تطرقت إلى قانون ” البعدة ” عند الإسيين, والقانون الذي تطرقت إليه سابقاً كان القانون العام الذي يتحتم على كل فرد من أبناء الجماعة معرفته والتقيد به. ولكنه إلى جانب القانون العام كانت هناك قوانين وتعليمات متفرعة عنه ومتخصصة بمجالات معينة من حياة المجتمع أو الفرد. فقسم من هذه القوانين الفرعية كان مخصصاً للقضاة وآخر برجال الدين أوالمسؤولين الإداريين. وهنا سأتطرق إلى أحد هذه القوانين وهو قانون قبول المبتدئين الذين يريدون الإلتحاق بالحضرة وحضور إجتماعاتها.

النص الأصلي لهذا القانون موجود في مخطوطات البحر الميت (Dead sea scrolls, Rules and Rites of the community of the Covenant) ويعود إلى بداية المئة الأولى أو نهاية المئة الثانية قبل ميلاد المسيح , وموجود على عدة نسخات مكتوبة باللغة الآرامية والعبرية واليونانية القديمة وسأحاول بقدر الإمكان ترجمته عن الترجمة الإنكليزية ترجمة حرفية مع مراعاة المضمون الكامل والمعنى للنص الأصلي.

قانون القبول يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء تطبق على ثلاثة مراحل.

المرحلة الأولى: (نص مترجم)

أي شخص يريد عن خيار كامل الإلتحاق بالجماعة , التي اختارت السير على طريق الحق , الذي رسمه لها من هو أرفع من كل شيئ ( المقصود هو, الله). هذا الشخص, يفصح عن رغبته لمن هو مسؤول عن أمور الجماعة, والمسؤول بدوره, يتوجب عليه أن يتأكد من صدق النية عند المبتدئ, وأن يستقصي الحقائق عن مسلكه العام وسيرته وأعماله, وإذا تبين له بأن الشخص الجديد صادق النية ويستحق التقرب من الجماعة فيجب على المسؤول أن يقدمه أمام الجماعة, وأن ينوره في أسس الحق واستقامة المسلك والطهارة وتجنب كل ما يدنس روحه وقلبه وجسده , ويعلمه قوانين وشرائع الجماعة. وبعد امتثاله ووقوفه أمام الجماعة والإفصاح عن رغبته على مسمع من الجميع, يتوجب على الجماعة أن تناقش موضوع طلبه, وإذا وجدوا بأنه يستحق التقريب منهم قربوه, وإذا وجدوا بأنه لا يستحق أبعدوه.

(تعليق): إننا نرى هنا بأن الشخص الجديد يجب أولاً أن يفصح عن رغبته إلى المسؤول من الجماعة, والمسؤول يتوجب عليه تقصي الحقائق حول هذا الشخص, وبعد إقتناع المسؤول بحسن نيته وسيرته يتم تقديمه ليقف شخصياً أمام الجماعة ويفصح عن رغبته على مسمع من الجميع, وبعدها يتوجب على الجماعة مناقشة قضيته “ليس واضحاً هنا إذا كان النقاش سيتم بحضور أو بعدم حضور الشخص المعني”.

وإذا قررت الجماعة قبوله يجب عليه أن يبقى بعض الوقت تحت التجربة “هذه الفترة تختلف من شخص إلى آخر وتعتمد على سلوك الشخص العام ومثابرته على التقوى والإستقامة”. وقبل أن يسمح له بشكل فعلي التقرب من الجماعة, يجب أن يجتمعوا من جديد ويناقشوا طلبه وسيرته من جديد ويبتوا في أمر قبوله أو إبقائه تحت التجربة.

المرحلة الثانية:(نص مترجم)

وإذا أجمع رأي الأكثرية على السماح له بالتقرب من الجماعة فلا يحق له لمس كل ما هو طاهر عندهم حتى يمضي على وجوده قربهم مدة سنة كاملة, خلالها يتم إمتحانه قلباً وروحاً. وإذا تأكد لهم بأنه صادق النية في أقواله وأفعاله وبعد مضي سنة كاملة يجب على الجماعة أن تجتمع وتناقش أمره من جديد بالنظر لمسلكه العام وأفعاله وتقيده بالشرائع والقوانين, وإذا أجمع الرأي على أنه يستحق التقرب أكثر من صلب الجماعة, وبالتنسيق مع أصحاب المعرفة والحكمة على رأس الجماعة, تقوم الجماعة بالتصويت, وإذا كان خيار الأكثرية يسمح له بالإقتراب من صلب الحضرة فيجب السماح له بالإقتراب.

(تعليق) خلال هذه المرحلة التي تلي فترة التجربة لا يسمح للمبتدئ بلمس المقدسات ومن المرجح كذلك بأنه لا يشترك في الإجتماعات الروحية المهمة, ومسلكه الروحي والإجتماعي كان تحت رقابة الجماعة طوال سنة كاملة للتأكد من صدق نيته وإخلاصه, وبعد مضي عام كامل يتوجب على الجماعة بأن تجتمع وتناقش أمره من جديد وتتخذ قرارها عن طريق التصويت الجماعي. وإذا أجمع الاكثرية على تقريبه يمكنه أن يتقرب أكثر من صلب الحضرة. ولكن هذه المرة يبدو أن رأي الأكثرية لا يكفي, فرأي القادة وموافقتهم ضروري قبل أن تتم القرعة.

المرحلة الثالثة: (نص مترجم)

وإذا أقرت الجماعة بأكثريتها تقريبه منها , يجب عليه أن يضع ما يخصه من ممتلكات وما ينتجه من شغله تحت يد المسؤول عن الشؤون المالية للجماعة. وهذه الممتلكات وما ينتجه من عمله تبقى محفوظة على حسابه دون أن تختلط بأملاك أو أموال الجماعة , ولا يحق له بأن يشارك في أسرار الجماعة ولا في طعامها ولا بأن يلمس الكتب المقدسة حتى ينهي سنة كاملة. وبعد أن يكون قد أمضى سنتين كاملتين على مقربة من الجماعة, تجتمع الحضرة من جديد وتناقش أمره ثم تقوم بالتصويت. وإذا قررت الأكثرية قبوله في صلب الجماعة , عندها يصبح واحد منهم , وملكه وماله يندمج مع مال وأملاك الجماعة, ويعطى مكانته ودرجته في الحضرة.

(تعليق) مما سبق نستطيع أن نفهم بأن أي مبتدئ لا يحق له بأن يصبح عضواً كاملاً في الجماعة قبل أن يمضي على الأقل سنتين كاملتين يضاف إليها فترة التجربة. وبعد السنة الأولى يجب عليه أن يضع ملكه وماله تحت يد المسؤول عن الأوقاف. ولكن ملكه وماله يبقى على حسابه دون أن يختلط بمال وأملاك الجماعة حتى يتم قبوله النهائي. وإذا غير رأيه وترك الجماعة أو قررت الجماعة عدم قبوله, فأمواله وأملاكه وكل إنتاجه يرجع له دون أن يختلط بأموال وأملاك الجماعة. هذا يدل على أن أموال وأملاك الجماعة كانت مشتركة.

ومن جهة أخرى نقرأ ما كتبه المؤرخ فلافيوس يوسفوس عن هذا الموضوع فهو يقول:

هؤولاء الناس (الإسيين) يكرهون الغنى . وكل ما يملكون فهو للجميع. ولا يمكنك أن تجد بينهم من يملك أقل أو أكثر من الآخرين. وعاداتهم تملي عليهم بأن كل من ينتسب إليهم يجب أن يتخلى عن أملاكه لمصلحة الجماعة. لأن أملاكهم وأموالهم وطعامهم وكل ما يفعلون لمصلحة الجميع وكأنهم عائلة واحدة. لم أصادف بينهم محتاجاً واحداً ولا من يظهر عليه الغنى أكثر من الآخرين. ولا يسكنون في مكان واحد. بل تجدهم في جميع المدن والقرى. وإذا جاء إليهم أي شخص من طائفتهم من المدن الأخرى يفتحون له أبوابهم ويدخل إلى بيوتهم وكأنه يدخل إلى بيته. وإنهم يفعلون ذلك حتى مع أبناء طائفتهم اللذين لا يعرفونهم من قبل. وعندما يتحدثون مع بعض يتحدثون وكأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن بعيد. كما أنهم لا يشترون من بعض ولا يبيعون لبعض بل يتبادلون الأشياء بينهم. فأحدهم يعطي للآخر ما يحتاج الآخر إليه ويأخذ منه ما هو بحاجة إليه.

( تعليق) إن ما كتبه يوسيفوس عنهم ينطبق إلى حد كبير مع ما جاء في مخطوطات البحر الميت. ولكن يوسفوس يقول بأن الإسيين كانوا يسكنون في جميع المدن والقرى بين الجماعات الأخرى. وطريقة استقبالهم لبعض لا توحي بالملكية المشتركة أكثر من أنها توحي بالضيافة السخية وشعورهم بالمسؤولية تجاه بعضهم البعض. وهذا يعني بأن الجماعة التي كانت تسكن في قمران وكتبت مخطوطات البحر الميت كانت جماعة دينية بحتة, ومن المرجح بأن قمران كانت مركزاً للعبادة ومدرسة دينية أكثر من كونها قرية أو مدينة يسكنها عامة الناس, مما يفسر الإختلاف البسيط بين ما جاء في قانون الجماعة وما كتبه المؤرخ.وهنا يمكن الإستنتاج بأن المجتمع الإسيني لم يكن محصوراً في قمران, بل كان منتشراً في المدن والقرى, وكانوا يملكون بيوتاً خاصة بهم على خلاف الملكية المشتركة في قمران . لكن جميع المصادر توحي بأن الإسيين أينما تواجدوا كانوا يتحملون مسؤولية بعضهم البعض ويتقاسمون ما لديهم ولا يطمحون إلى الثراء ولا يسمحون لأحد بينهم بأن يعيش في فقر . كما أن العبودية كانت ممنوعة عندهم والمساواة والعدالة الإجتماعية كانت عناصر رئيسية في حياتهم اليومية. ووصفهم المؤرخ اليوناني الإسكندراني فيلو بأنهم: كانوا يطبقونها في حياتهم اليومية وبشكل تلقائي وطبيعي وكأنها قد ولدت معهم.

طقوس استقبال المبتدئ داخل الحضرة: (نص مترجم)

وعند قبول الشخص الجديد في صلب الجماعة, يقف الجميع وعلى رأسهم الرئيس ومساعدوه والمتقدمون سناً ويرددون على مسمع من الجميع: إن جميع اللذين يسيرون على طريق الجماعة يجب أن يدخلوا إلى بيت صاحب الحق (سبحانه وتعالى) ملتزمون بما أملاه (الرب) عليهم دون تردد أو إنحراف أو تراجع عن اتباع طريق الحق بسبب إضطهاد أو تهديد أو خوف أو تعذيب أو أي سبب آخر قد يفرضه إبليس عليهم. والأتقياء وأصحاب الرأي والمعرفة سيرددون حمداً لمن هو أعلى من كل شيئ وتمجيداً لقدرته وعدله وحقانيته, وجميع الأخوة الجدد سيرددون وراءهم آمين…آمين.

وفي مقطع آخر:

أي شجص يسير بإتجاه الجماعة سيصل إلى بيت الحق ومجمع الأتقياء الذين اختاروا طريقهم بأنفسهم. وقبل أن يدخل يجب عليه أن يقطع على نفسه وعداً لا تراجع فيه بأن يتبع قانون الذي هو أعلى من كل شيئ(الرب) ويتقيد بكل ما كشفه (سبحانه وتعالى) من أسرار لأبناء الصديق من أبناء النور, ويسير متواضعاً على طريق الجماعة التي اختارت أن تسيربتواضع على طريق الحق كواحد منهم دون خوف أو تردد أو تراجع يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة ما دام إبليس طليقاً بين البشر.

(تعليق) في هذا المقطع نرى بأن كل من يريد الإلتحاق بالجماعة يجب أن يقطع على نفسه وعداً. هل هذا يعني بأنه ملزم أن يقسم يميناً أم أنه سيطلق وعداً أمام الجماعة, فالأمر غير واضح. ولكن المؤرخ يوسفوس يقول في الموضوع نفسه بعد معيشة سنة كاملة مع الإسيين: أنهم لا يقسمون يميناً, لأنهم يعتقدون بأن من يحتاج إلى أن يقسم يمين لإثبات صدقيته غير جدير بأن يكون واحد منهم, كما أنهم لا يذكرون كلمة الله على لسانهم, وعندما يأتي ذكر الله في حديثهم يكتفون بأن يصفوه بصفات مختلفة متعارف عليها عندهم.

وفي مقطع آخر من المخطوطات يتحدث كاتبها عن وجود جماعتين ( بيتين ): بيت أبناء الصديق لتوحيد القدسية العليا وبيت الجماعة الذين يسيرون على طريق الحق.

وفي مقطع آخر :

يجب إقامة مجلس للجماعة مبني على الحق والصدق كشجرة أبدية, بيت مقدس لجماعة القدسية الرفيعة والمعرفة والحكمة, وبيت للحق والصدق والطهارة لتقوية العهد والإجتهاد على طريق الحق.

وفي مقاطع أخرى تتردد ثلاث تسميات مختلفة: الشعب والجماعة وأبناء الصديق. مما يوحي بأن تنظيم المجتمع الإسيني الديني كان مكون على الأقل من مجموعتين أوثلاث. المجموعة الأولى هي مجموعة العلماء ( أبناء الصديق ), والثانية هي مجموعة الملتزمين بالعهد أو الميثاق ( الجماعة ), ومن المحتمل بأن الثالثة هي عامة الناس ( الشعب ).

وبناء على قرار أبناء الصديق الذين يتحملون مسؤولية الحفاظ على العهد, وبناء على قرار الأكثرية من الجماعة الذين يتمسكون بطريق الإستقامة والنزاهة. بناء على قرارهم وحكمهم يتم البت في أمور الملكية والقضاء.

هنا لم يرد ذكر الفريق الثالث (الشعب) مما يدل على أن موضوع البت في أمور الملكية والقضاء كانت من خصوصيات “العلماء” و”الجماعة” دون مشاركة العامة.

وفي مقطع آخرمكتوب بالعبرية يتكلم الكاتب عن ثلاث مجموعات:هاعام( العامة) واللاويون ( المرشدون) وأبناء الصديق. ويصفهم بالشكل التالي:

العامة الذين يسيرون على طريق التردد ويطلبون الشفاء, واللاويون الذين يسيرون معهم ويرشدونهم, وأبناء الصديق الذين هم خيرة الجماعة بدعوة من هاشم (الإسم), سيقفون بحزم مرفوعي الرؤوس حتى نهاية الأيام.

في هذا المقطع يتكلم الكاتب عن هاعام (عامة الناس ) الذين يسيرون على طريق التردد, مما يوحي بأن المقصود هنا هو الناس الذين لم يلتزموا بميثاق الجماعة وما زالوا مترددين ولكنهم يسيرون على طريقها. والكاتب يلمح كذلك إلى اللاويين الذين يسيرون معهم ويرشدونهم. واللاويون معروفون من مصادر تاريخية أخرى بأنهم كانوا يتجولون في المدن والقرى ويعظون الناس وينشدون القصائد الدينية. وأشهر مجموعة منهم كانت تدعى هامرعيريم ( المرعيين) الذين كانوا يعيشون في منطقة الجليل. واخيراً يتطرق الكاتب إلى أبناء الصديق الذين تلقوا صوت أو دعوة هاشم (الإسم, الرب).

إن كلمة هاشم معناها الإسم والمقصود بها هو اسم الله . وهذه التسمية لله “هاشم” كانت تستخدم من قبل ثلاث جماعات عرفت بمعارضتها القوية للفارسيين والصدوقيين الذين كانوا يسيطرون على الحياة السياسية والدينية في أورشليم. وبالرغم من التباين الواسع بين هذه الجماعات أطلق عليهم تسمية مشتركة ” هاشميم ” ( الاسميين, أو الهاشميين) لأن لفظ كلمة الله كان غير محبذ في تقاليدهم الدينية , وأكبر هذه الجماعات كانت جماعة القرائين Karaites , والثانية البوثيين أو البثينيين أتباع Butheius, والثالثة الإسيين Essene الذين اختاروا السرية المطلقة في مذهبهم, وتبنوا مبدأ إنتقال الروح, ومارسوا حياة التنسك والرهبنة على خلاف المجموعات الأخرى.

ويقول المؤرخ فلافيوس يوسفوس: أن جماعة الإسيين تختلف عن الآخرين حيث أنهم لا يقسمون يميناً, ولا يحبذون من يقسم يميناً, لأن في نظرهم الإنسان الصادق لا يحتاج لأن يقسم يمين, والمفروض أن يكون كلامه وفعله وتفكيره صادقاً, أما إذا اجتمع ضده إثنان من أفراد الجماعة ونقضا أقواله فيطلب منه أن يختار بين أن يقسم اليمين أو أن يتراجع عن قوله. كماأنهم انتحلوا بعض العادات الغريبة التي كان يمارسها أتباع فيثاغورس في طريقة عيشهم.

وهنا استعرض ما قاله أيامبليس، كاتب سيرة حياة فيثاغورس للمقارنة: “إن فيثاغورس أنشأ درجات مختلفة بين أتباعه، طبقاً لمواهبهم ، وهكذا فإن الأسرار الرفيعة لحكمته أفصح عنها فقط لأولئك القادرين على تلقيها. حتى أن طرق الحياة لم تكن الطرق ذاتها لجميع أتباعه، لقد أمر بعضهم بجعل ملكية كل ما يقتنون بشكل مشترك، غير أنه كان هناك حلقة خارجية من أولئك الذين أبقوا على ممتلكاتهم الخاصة. وكان هناك شكلان من أشكال الفلسفة الفيثاغورثية، تتطابق مع الطبقتين اللتين شكلتا من الذين يشتركون فيهما. تشكلت الطبقة الأولى من أولئك الذين تضلعوا وكانوا الأكثر تدريباً في حكمته، وتشكلت الطبقة الثانية من الذين سمعوا ملخصاً عن الأشياء المدركة بالحواس والموجودة في فلسفته بدون شرح كامل لها”.

وبعد المقارنة مع قوانين الجماعة الإسينية نرى بأن الشبه كبير بين النظام الإسيني والفيثاغورثي مما يبعث على القناعة بأن الإسيين كانوا إحدى تلك الفئات التي جاء ذكرهم في العهد القديم واتهموا بالكفر والهرطقة بسبب تبنيهم عادات الكفار “Hakittim” الهيلينيين , وهنا يجدر بالذكر أن فيثاغورث أسس مدرسته في كراتون عام 560 قبل الميلاد , قبل الإسيين بأربع مائة عام.

إن الهدف هنا ليس البحث عن جذور الطوائف أو الشعوب, وإنما هو إلقاء الضوء على نهج فكري وديني وإجتماعي تجاهله التاريخ فقط لأنه كان نهج حق, ولأنه تعارض وتناقض مع آراء وأفكار من كتبوا هذا التاريخ. وبما أن هذا النهج المنسي يتشابه إلى حد كبير مع النهج التوحيدي الذي تتبعه طائفة عربية مسلمة( الدروز) بالرغم من الفاصل الزمني الطويل بينهما , وجدت من الضروري فتح الباب وإلقاء الضوء على زاوية أعتقد بأنها جديرة بلفت الإنتباه إليها, والبحث فيها, من قبل أبنائنا بعد كل هذا الضياع والإحساس بالغربة في مدارس وكتب التاريخ التي تجاهلت تاريخنا الفاطمي الإسلامي وما قبل الإسلامي.

28 07 2008
hnda

مداخلاتك تضيف الكثير لكن لماذا لا تكتب باسمك الصريح
ان الكتابة باسم مستعار يقلل من مصداقية الكاتب لدى القراء

28 07 2008
sami

شكراً لهذه الملاحظة, إسمي الحقيقي هو سامي , والإسم الذي أنشر تحته بحوثي وكتاباتي هو ليس مستعاراً , لقد عشت معه منذ طفولتي وأحبه كثيراً. زاهدي هو اسم والدتي رحمها الله , والجميع كان يطلق عليّ ابن زاهدي منذ صغري فقررت الإستمرار عليه تكريماً لها واستمراراً لما تعودت عليه منذ نعومة أظافري.

29 07 2008
hnda

زين ما فعلت يا ابن زاهدي
انا ايضا فعلت شيئا مشابها وان لم يكن بمثل خطوتك الثورية
فاسميت مدونتي على اسم جدتي التي لا اعرفها والتي شردت من قريتها وتوفيت بعد اشهر من النكبة في مخيم للاجئين في اريحا
مات هندة شهيدة الخيانة العربية وتخاذل القيادات التقليدية الفلسطينية وسفالة المجتمع الدولي

31 07 2008
Hamzah

لقد عرضت ما كتبه ابن زاهدي على بعض رجال الدين للإطلاع على رأيهم بموضوع قانون البعدة وقانون القبول عند الإسينيين ومدى تقاربهم من قانون البعدة وقانون القبول عند الموحدون الدروز فكانت ردة فعلهم مزيج من الغيض والإستغراب في البداية لأنهم ظنوا بأن كاتب المقالات قد تطرق لنصوص دينية سرية لا يحق لأحد نشرها ولا يحق لأحد الإطلاع عليها سوى بعض الشيوخ المختصين, ولكن بعد تدقيقهم بالمقالات أقتنعوا بأنها ليست نصوص درزية ولكن التشابه بين قانون البعدة الدرزي والإسيني كبير جداً, أما ما يتعلق بقانون القبول فالتشابه موجود ولكنه أقل. ولكنهم أصروا على أن مذهب الدروز التوحيدي هو مذهب إسلامي فاطمي بدأ في عام ١٠١٧ ميلادي في مصر وأغلقت الدعوة إليه بعد قرنين من ظهوره , وعندما الحيت بالسؤال ” هل هناك أي صلة من أي نوع بين مذهب التوحيد والمذهب الإسيني؟ ” كان جوابهم ” جميع عباد الله أخوة طالما هم يقدسون إله واحد وملتزمون بقانون إلهي واحد, فالرب واحد , وقانونه واحد لجميع خلقه, ولا غرابة إذا وُجد تشابه بين المذاهب والأديان طالما هي من مصدر واحد”. لم أصل إلى جواب مقنع منهم وسأبقى أتابع هذا الموضوع , وحبذا لو نشرتم المزيد حوله وشكرا

31 07 2008
hnda

احييك ايها الاخ الكريم
ان ما فعلته هو جزء من النهج العلمي في البحث
وانا انتظر مساهماتك القيمة للاستفادة منها

4 08 2008
Hamzah

لاشك بأنه يوجد رباط قوي بين المسيحيون الأوائل والإسينيين , وهؤلاء المسيحيون الأوائل كانو محارَبين بشراسة من قبل الرومان والكنيسة الرومية وجميع الكنائس الأخرى التي التفت حول الكنيسة الرومية , ولو تفحصنا المناطق التي تواجد فيها هؤلاء المسيحيون الأوائل لوجدناها اليوم تتميز بأغلبية مسلمة كفلسطين وسوريا ومصر وتونس مما يؤشر على أن المسيحيون الأوائل أو الإسينيون المناهضين للرومان وكنيستهم قد انخرطوا في الإسلام في بداية انتشاره, وهذا يفسره السقوط السريع لهذه المناطق بيد المسلمين والتفاف شعوب هذه المناطق حول الفتح الإسلامي ضد البيزنطيين. وهنا أتذكر ما قاله الزعيم الروحي لمسيحيي مدينة دمشق عندما فتح ابواب المدينة للجيش الإسلامي وخاطب أتباعه قائلاًً ” لقد جاء أخوتنا العرب لإنقاذنا من ظلم الروم”. ومن المعروف كذلك هو التحاق القبائل الغسانية وقبائل المناذرة المسيحية بجيش خالد ابن الوليد عندما كان في طريقه إلى دمشق, والشئ نفسه حدث في مصر وشمال إفريقيا وصولاً إلى الأندلس التي كانت تتبع المذهب المسيحي العرياني Arianism الذي كان مركزه في الإسكندرية ,وهذا المذهب كان على رأس المعارضة للكنيسة الرومية. يضاف إلى ذلك الرهبان المسيحيون الذين كانوا يعيشون في جبل حراء قرب مكة أثناء نزول القرآن على سيدنا محمد , هؤلاء الرهبان كانوا مبعدين أوهاربين من الكنيسة الرومية وينتمون إلى مذاهب مسيحية محضورة. كل هذا يوحي بأن المسيحيون الأوائل أو الإسينيون قد انخطروا بالإسلام , وهناك مؤشرات كذلك على أن بعضهم ثار على الخلافة الإسلامية عندما انحرفت عن تعاليم الإسلام أيام الأمويين والعباسيين.

17 08 2008
hnda

الاخ العزيز:
اعتقد ان الانخراط في الاسلام كما تسميه لم يكن بالسرعة التي تتحدث عنها وانما استمر قرونا
وفي فلسطين مثلا، فان المسلمين لم يشكلوا الاغلبية خلال القرون الاولى للحكم الاسلامي فيها حتى اللغة العربية لم تكن هي السائدة وانما الارامية

21 10 2008
Ghassan

هذا صحيح بأن التحول من المسيحية للإسلام قد استغرق قروناً , ولكن تحالف المسيحية (التوحيديه) المعارضة للكنيسة (الثالوثية الرومية) مع الإسلام كان مبكراً جداً , والسبب هو القمع والظلم الذي مارسه الروم البيزنطيون ضد الكنيسة العريانية والكنائس الأخرى التي رفضت فكرة الثالوث المقدس ومقررات مجمع نيسيا الكنسي عام ٣٢٥ ميلادي . ولم يتم مزج المسيحيون التوحيديون مزجاً كاملاً بالإسلام إلا بعد سقوط الدولة الفاطمية . أما ما يتعلق باللغة العربية وإنتشارها , فاللهجات التي سبقتها في بلاد الشام كانت الآرامية والكنعانية وهي قريبة جداً من العربية حيث كان من السهل المزج بينهم, واللغة العربية الحالية هي مزيج جميع اللهجات السامية مع مراعاة لثقل اللهجة العربية كونها لغة القرآن الكريم .

21 10 2008
hnda

اهلا بك وشكرا لمساهمتك، وان كان لا بد من الاشارة بان جميع الحكومات التي تتالت على هذا الشرق مارست القمع والاقصاء الديني، وقمع الاخر، ولم يشذ عن ذلك الفاطميون، ولنا في الحاكم بامر الله مثلا، وهو الذي هدم الكنائس المسيحية في الاراضي المقدسة، التي كانت الغلبة فيها للارثوذكسية، ولم يحدث انقطاع حاد بينها وبين الامبراطورية البيزنطية، الا خلال فترة الحروب الصليبية.
ولم ير الحكام المسلمون في شعوبنا، الا مجرد رعايا، ووقودا للحروب لزيادة مساحة اراضي الحكام الاقطاعيين، وارستقراطية قريش في البداية،ثم باقي الارستقراطيات التي تتالت، وخلال كل ذلك فان الظلم على المسييحيين كان مضاعفا وتم التعامل معهم كمواطني درجة عاشرة، مع قائمة طويلة من الممنوعات، وهذا كان سببا رئيسا للتحول الى الاسلام، وانتقال المسيحي صاحب الارض، من مواطن درجة عاشرة، الى مواطن اخر بدرجة مقموع لديه حقوقا في التملك والبناء وركوب الحمار ووجهه الى الامام، وعدم النزول عن دابته اذا مر بجانب مسلم.
اما ما جرى في مجمع نيقيا وتداعياته لهو حديث يطول، وكذلك الامر حول اللغة

22 10 2008
Ghassan

أخي الحبيب , الحاكم بأمرالله كان من نوع خاص , تختلف الآراء فيه بين الجنون والعبقرية دون وسط بينهما. لقد كان قاسياً على الجميع بما في ذلك أهل بيته ووزرائه وحتى نفسه, ووالدة الحاكم كانت مسيحية عريانية وكان لها تأثير كبير عليه لأن والده كان قد توفي قبل أن يبلغ الحاكم سن الثانية عشرة , وتولى الخلافة وهو طفلاً , محاطاً بالمكائد والدسائس والمؤامرات من أقرب الناس إليه, حتى أنه كان لا يأكل الطعام إلا من يد والدته , ويعتقد بأنه قتل بمؤامرة وراءها أخته ست الملك. كل ذلك أثر على شخصية الحاكم وجعله قاسياً كما كان , ولكنه كان صارماً مع الحق ,حتى أنه قبل المثول أمام القاضي كمتَّهم عندما أشتكى عليه أحد التجار المتضررين , وقََبِل الإدانة والحكم ودفع تعويض للتاجر على خسارته. هذا هو الحاكم , شخصية مثيرة للجدل ومن نوع خاص , ومن المحتمل بأنه أحس بوجود تعاطف عند بعض كنائس الشرق مع الحملات الصليبية مما دفعه إلى الجموح في معاقبتهم . ولكن المؤرخون يجمعون على أن الحاكم بأمر الله كان أول خليفة مسلم يعلن حرية الأديان والعقيدة والمذاهب وله خطبة مشهورة في ذلك.

22 10 2008
hnda

اشكرك على اضاءتك المفيدة
ساتفق معك في ان الحاكم بامر الله شخصية مثيرة للجدل

25 10 2008
Ghassan

منقول عن المقريزي:

وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة
( القيامة) عادتهم في كل سنة بتجمل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج فسأل الحاكم ختكين الضيف العضدي أحد قواده عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة فقال هذه بيعة تعظمها النصارى ويحج إليها من جميع البلاد وتأتيها الملوك وتحمل إليها الأموال العظيمة والثياب والستور والفرش والقناديل والصلبان المصوغة من الذهب والفضة والأواني من ذلك وبها من ذلك شيء عظيم‏.‏

فإذا كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة ونصبت الصلبان وعلقت القناديل في المذبح تحايلوا في إيصال النار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء‏.‏

فأنكر الحاكم ذلك وتقدم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء فكتب إلى أحمد بن يعقوب الداعي أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها ففعل ذلك‏.‏

26 10 2008
hnda

احي مثابرتك وسعة اطلاعك، وهذا النص يؤكد اننا منذ سقيقة بني ساعدة امة تبحث عن هويتها.
لقد خرج “النصارى من مصر” ايضا الى فلسطين ليشاركوا في بناء قبة الصخرة، ويرمموا قنوات الماء التي تحمل المياه الى القدس، وليهندسوا الكثير من العمارة المملوكية والفاطمية والايوبية.
تحية لك وللمقريزي

26 10 2008
Ghassan

لكي لا يخرج موضوع النقاش كثيراً عن الموضوع الرئيسي وهو موضوعالإسينيين , أريد أن أعقب ببضع كلمات مختصرة: الديانة السائدة في مصر وشمال إفريقيا قبل وصول الإسلام كانت المسيحية التوحيدية (العريانية) , وكانت قد لاقت الأمرّين من التنكيل والإضطهاد على يد الرومان والبيزنطيين بدفع من الكنائس الثالوثية وعلى رأسها الرومية(الأرثوذكسية والكاثوليكية اليوم). الكنيسة القبطية كانت وما زالت من الكنائس التي أيدت الإتجاه الثالوثي الرومي وجزء مهم من الحملة التي شُنت ضد الكنيسة التوحيدية(العريانية) في معقلها الرئيسي مصر. المسيحيون الموحدون (العريانيون) رحبوا بوصول الإسلام للتخلص من ظلم الروم ومع الوقت اعتنقوا الإسلام , ولكنهم لم يستطيعوا التخلص من ذاكرتهم والتنكيل الذي حل بأسلافهم , وإنطلاقاً من ذلك يمكننا القول بأن التمييز الذي لاقاه الأقباط وسائر النصارى في الشرق بعد دخول الإسلام وانقلاب الموازين كان امتداداً للصراع المسيحي النصراني(التوحيدي-الثالوثي) الذي كان دائراً قبل دخول الإسلام .

26 10 2008
hnda

وجه نظر قابلة للنقاش ومزيد من التقصي
احترم كثيرا مشاركاتك

18 05 2009
نيشان

هناك بحوث يهودية كبيرة حول مخطوطات قمران جارية على أعلى المستويات الداخلية والعالمية ، منها معاهد التخنيون البالغة علميا وايضا الرمبام، التي تعود للفكر التوراتي “الزوهار” وموسى بن ميمون القرطبي، هذه الأبحاث تؤشر بصورة واضحة على عقيدة الدروز وإنتسابها لهذه الفرقة ، لكن المذهب أو الدين الدرزي منذ الف عام ، لكن البحوث في الجينات الدرزية DNA تعطي صورة مختلفة عن تاريخ الدروز الحالي ، المحققون اوقفوا البحث لعدم قبول مشايخ الدروز هذا النوع من البحوث ومشاركتهم بهكذا تحقيق الذي نسف التاريخ الدرزي الحالي ويرجعهم إلى عشرة الاف سنة إلى الوراء أي أنهم السبط اليهودي الأول المعروف بالكوهانيم وهذا ما أوقف التحقيق والبحث وفرض واقع غير ثابت …يمكنكم رؤية البحث بالغة الإنكليزية بدخولكم لموقع رمبام الإسرائيلي والبحث عن العنوان

16 06 2009
غير معروف

ان الدروز كطائفة انشقت عن العلويين وتعاليمهم اختلفت عن تعاليم العلويين ومعتقداتهم وهذا يدعو القول الى ان التوحيد كان ولا يزال خطا ثابتا واحدا ضل الناس عنه الا انه بقي موجود من قبل اليهود وحتى الاسلام الى وقتنا الحالي
فالموحدون من بداية خلق الله للخلق كانو موجودين كفر وعقيدة ولا يزالون حتى الان
وهم اعلم من اليهود بتوراتهم المحرفة ومن النصارى بكتابهم ومن المسلمين الذين الان هم على دينهم بقرانهم
وهذا الكلام للباحثين عن الحقيقة فقط

23 06 2009
ابن زاهدي

للرد على الأخ نيشان أضيف هذا المقال الذي نشرته سابقاً . علينا أن لا نخلط بين أصل العقيدة كفكر ينتقل بين البشر وبين الأصل العرقي للدروز, فأغلبية الدروز في بلاد الشام من أصول عربية وآرامية.

دروز أو موحدون أو الاثنين معاً! من أين جاءت التسمية؟

ابن زاهدي

لقد أصبحت صفحات (الأنترنت) مصدر رئيسي للبحث عن المعلومات لأبنائنا وبناتنا. ومن خلال تصفحي لعدد كبير من هذه المواقع وجدت بأن هناك عدد كبير منها ينشر معلومات خاطئة أو غير كاملة وفي بعض المواقع العربية والسلفية نجد معلومات مغرضة وتحريضية وتكفيرية تمهد للمكائد والفتنة, لذا قررت تقديم بعض ما استطعت إليه سبيلا من المعلومات الموثقة تاريخياً وعلمياً وديموغرافياً, وسأبدأها بتقصي الأسماء التي تطلق على الموحدين الدروز.

الدروز

حتى الآن مازال الاعتقاد السائد هو أن اسم الدروز جاء من الداعية الفارسي محمد ابن إسماعيل الدرزي والملقب بنشتكين الدرزي (الملعون أصلا عند الدروز), ولكن الدرزي ليس كنية نشتكين, بل هو لقب يَِِنسُبُ نشتكين إلى شئ ما كان له صلة بشخصيته من مكان أو مهنة أو ما شابه ذلك. وبعد البحث توصلت إلى أن اسم الدروز جاء من الكلمة اليونانية القديمة drous ومعناها طالب العلم أو المعرفة, والكلمة دخلت اللغة العربية ومازالت تستخدم بمعنى يشبه المعنى اليوناني (دروس, جمع درس), ونشتكين لقب بالدرزي لأنه كان ينتمي إلى جماعة أو مدرسة لها علاقة بالفلسفة اليونانية, والدروز هم إحدى الجماعات التي لها علاقة وطيدة بفلسفة اليونان, وهنا يمكن القول بأن الدروز والدرزي قد استمدوا هذا اللقب بسبب صلتهم بالفلسفة اليونانية ويبقى السؤال من استمد اسمه من الآخر. فأنا أرجح بأن نشتكين كان قد لقب بالدرزي بسبب انتسابه للدروز في مطلع الدعوة, والدروز استمدوا لقبهم من الفكر اليوناني الذي هو المحور الأساسي الذي ميزهم عن الفئات الدينية الأخرى. ولو افترضنا العكس, أي أن الدروز استمدوا اسمهم من نشتكين, فهذا يعني بأن نشتكين كان ينتمي إلى جماعة لها علاقة بالفلسفة اليونانية في بلاد فارس قبل مجيئه إلى مصر وهذا مستبعد لأن اللغة اليونانية لم تكن سائدة في بلاد فارس على عكس بلاد الشام التي بقيت تستخدم اللغة اليونانية حتى أواخر القرن الثامن الميلادي. وهنا أريد أن ألفت الانتباه إلى أن هناك عقيدة أخرى استمدت اسمها من نفس الكلمة اليونانية وهم الدرويدز druids مما حدا ببعض الباحثين الأوربيون للاعتقاد بأن الدروز هم من بقايا الدرويدز وهذا غير صحيح.

من أين أتت تسمية الموحدون.

لقد بحثت في تاريخ الدروز الفاطمي وما سبقه وصولاً لعهد الفراعنة, وتوصلت إلى قناعة بأن لقب الموحدون يعود إلى أصول الدروز قبل ظهور الإسلام وبالتحديد إلى المسيحية القديمة. فمعظم العشائر الدرزية المعروفة اليوم يمكن تتبع سلالتها إلى قبائل عربية وآرامية ومصرية وشمال إفريقية كانت تعتنق المسيحية قبل وصول الإسلام إليها. وهنا أقدم ملخص قصير جداًعن مصدر التسمية:

بعد مجمع نيقيا الكنسي عام ٣٢٥ميلادي تحت إشراف الإمبراطور الروماني قسطنطين أُقرّت نظرية الثالوث المقدس(الأب والابن والروح القدس) وتم الاعتراف بأربع أناجيل من أصل سبعة (أو ثمانية)وأحرقت الأناجيل الأخرى , وتأسست الكنيسة الرومية وأُقرّ بأنها الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية .

بعد نقيا انقسمت المسيحية إلى معسكرين, معسكر المعارضين لنقيا الذي ضم جميع التيارات المعارضة للكنيسة الرومية وكان على رأسه الكنيسة العريانية ومركزها الإسكندرية . ومعسكر المؤيدين للكنيسة الرومية(النصارى) الذي ضم جميع التيارات المؤيدة لنقيا وقراراتها وكان مركزه القسطنطينية. وللتمييز بين التيارين أطلق المعارضون على أتباع التيار الرومي (الثالوثيون) نسبة لاعتقادهم بثالوثية الخالق, وأطلقوا على أنفسهم (الموحدون) نسبة لاعتقادهم بوحدانية الخالق.

حارب الرومان التيارات التوحيدية بشراسة ووحشية واستطاعوا القضاء على نفوذهم السياسي في شمال إفريقيا وشرق البحر المتوسط بعد سقوط دولة الفاندال العريانية منتصف القرن الخامس الميلادي, أما في أوروبا فاستمروا حتى نهاية القرن السادس الميلادي حيث قضت عليهم حملة عسكرية نظمها بابا روما وأجبروا على اعتناق المذهب الكاثوليكي.

عند ظهور الإسلام أسرعت القبائل التوحيدية للتحالف مع الدين الجديد لطرد الرومان والتخلص من ظلمهم وهذا يفسر لماذا فتحت دمشق ومصر وشمال إفريقيا أبوابها بدون حرب للجيوش العربية , ولكن الفاتحين الجدد وبعد أن استقر أمرهم نكثوا عهودهم للموحدين وأجبروهم على اعتناق الإسلام بحجة أن القرآن يعترف فقط بعقيدة النصارى ولا يعترف بعقيدتهم, فهم لا يعتبرون من أهل الكتاب . معظم ذلك حدث في العصر الأموي مما دفع الموحدين للتعاطف مع الفرق الشيعية المعارضة لحكم الأمويين ومن بعدهم العباسيين. وعندما ضعفت الدولة العباسية في الشرق بدأت القبائل المضطهدة بالتمرد والتفوا حول الداعية الإسماعيلي عبد الله المهدي وأسسوا الدولة الفاطمية في شمل إفريقيا , وبعد خلافات عشائرية بينهم انقسموا إلى قسمين , قسم اعتنق المذهب المالكي السني وأسس دولة الموحدين السنّية في غرب المغرب وتحالف مع الأمويين في الأندلس , والقسم الآخر استمر في الولاء للدولة الفاطمية وركز حكمه في مصر والحجاز وشرق البحر المتوسط, وبما أن الفاطميون كانوا ينتمون للشيعة الفاطمية ويستمدون شرعيتهم من انتمائهم لأهل بيت الرسول لم تبرز بينهم تسمية التوحيد إلا في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي حيث أن أم الحاكم كانت من أصل مسيحي عرياني والحاكم نفسه كان متأثرا بعقيدة أمه إلى جانب ورعه بالإسلام والفلسفة اليونانية ففسح المجال لبروز الفكر التوحيدي الذي حمله الدروز بعد غياب الحاكم. وللوصول إلى هذا الاستنتاج تتبعت بعض القبائل التي ينحدر منها الدروز قبل وصول الإسلام .

قبائل المناذرة مثلا والتي ينحدر منها عدد من العشائر الدرزية لم تكن جميعها من أتباع التيار التوحيدي , فالقبائل التي كانت تسكن شرق بلاد الشام وبلاد فارس كانت أكثرها من أتباع المبدأ النسطوري الذي يؤمن بوحدانية الله وثنائية المسيح, أي أن الجسد هو جسد بشر والروح فقط هي لاهوتية , وعندما تنفصل الروح عن الجسد كلٌ يعود إلى مصدره, الروح إلى الله والجسد إلى التراب, وهذا المبدأ مازال السائد في عقيدة الدروز.

أما قبائل الغساسنة التي ينحدر منها بعض من عشائر جبل الدروز(حوران) فكان غالبيتهم ينتمون للمذهب المونوفيزي (اليعقوبي) الذي يؤمن بوحدانية الله وبأن المسيح له طبيعة واحدة وهي إلهية فقط , وبعضهم الآخر كان ينتمي للكنيسة الرومية البيزنطية التي تؤمن بالطبيعة الثلاثية. وهذا التوزع المذهبي كان ينطبق كذلك على المنطقة الآرامية بين حلب ودمشق وأجزاء من فلسطين والساحل السوري التي كانت تخضع للنفوذ البيزنطي.

أما مصر وشمال إفريقية وأجزاء من فلسطين فكانت المسيحية السائدة هي المسيحية العريانية التي رفضت قبول فكرة الثالوث المقدس واعتقدت بوحدانية الله وفصلت بين الله والمسيح والروح القدس (الكلمة) واعتبرت المسيح من مخلوقات الله وليس ابنا له. إلى جانب الكنيسة العريانية كان الرومان يدعمون ويقوون الكنيسة الرومية , وقبل وصول الإسلام كانت الكنيسة العريانية محضورة , ومسموح فقط للكنيسة الرومية والكنيسة القبطية بممارسة شعائرهم الدينية.

المناذرة لم يكونوا مضطهدين دينيا من قبل الفرس , ولكنهم انضموا إلى الجيش الإسلامي منذ البداية لأسباب قومية وسياسية بعد خلافهم مع ملك الفرس ومعركة ذي قار الشهيرة.

أما الغساسنة فوقفوا إلى جانب الرومان في معركة اليرموك , وفي منتصف المعركة انقلب قسم منهم على الرومان والتحق بجيوش العرب المسلمين. بعض المؤرخين يعزي هذا الانقلاب لأسباب قومية, وأنا أرجحه لأسباب دينية, لأن العقيدة اليعقوبية التوحيدية كانت مضطهدة من قبل الثالوثيون الروم المدعومين من الدولة البيزنطية.

أما دمشق المسيحية فقد فتحت أبوابها مرحبة بوصول المسلمين, وخرج رئيس أساقفتها مخاطبا الناس:( لقد جاء أبناء عمومتنا العرب لنصرتنا وتخليصنا من ظلم الروم) , وكلمة الروم كان يقصد بها كنيسة الروم , ولو كان يقصد السلطة السياسية لاستخدم كلمة الرومان بدل كلمة الروم, هذا يدل كذلك على أن مسيحيي دمشق آنذاك كانوا ينتمون في غالبيتهم للتيار التوحيدي الرافض لعقيدة الروم الثالوثية. ومعروف عن دمشق منذ القرن الأول قبل الميلاد بأنها كانت مركزا روحيا للإسينيين اللذين مهدوا الطريق للدعوة المسيحية, ولمعرفة المزيد عن الإسينيين يمكن الرجوع إلى مقال نشرته سابقا في موقع بانياس وموقع جولان للتنمية.

وفي مصر وشمال إفريقيا وصولا للأندلس كانت القبائل ترحب بالمسلمين وتلتحق بجيوشهم لنفس السبب الذي أفصح به رئيس أساقفة دمشق. وهنا لا أجد دوافع قومية لهذا الترحيب لأن غالبية تلك القبائل لم تكن عربية.

إذاً , المسيحيون الموحدون على اختلاف مذاهبهم رحبوا بدخول الإسلام للتخلص من ظلم الروم ولأنهم وجدوا فيه دين عدل ومساواة لا يختلف مع جوهر عقيدتهم ( وهنا أريد أن أنوه إلى أن الرهبان الذين كانوا يعيشون في جبل حرّاء في فترة نزول القرآن على سيدنا محمد كانوا من أتباع المذاهب التوحيدية). والخلاف بدأ يبرز في نهاية العهد الراشدي وبداية العهد الأموي حيث راح الدعاة المسلمون يستقطبون الناس إلى الإسلام , ولكي يتم لهم ذلك بسرعة أصدروا الفتاوى التكفيرية بأن هذه الطوائف ليست من أهل الكتاب ولا تجوز عليها الجزية كالنصارى واليهود ويجب إدخالهم في دين الإسلام طوعا أو قسرا. بعضهم اعتنق الإسلام طوعا وبعضهم لجأ للطوائف النصرانية التي صنفها المسلمون من أهل الكتاب وفرض عليها الجزية, والباقي لم يجد ما يمنعه من مزج عقيدته بالدين الجديد طالما أنهما لا يتناقضان.

بعد استلام معاوية زمام الخلافة, رأى قسم كبير من المسلمين بأن الإسلام بدأ ينحرف عن خطه المستقيم , فانقسم المسلمون إلى ثلاث طوائف سياسية متحاربة , السُنّة أتباع معاوية , والشيعة أتباع علي , والخوارج الذين خرجوا على الاثنين معا. الدروز نشأوا في حوزة الشيعة الفاطمية الإسماعيلية نسبة لفاطمة الزهراء والإمام إسماعيل ابن جعفر الصادق, ولكن من يتتبع تطور دعوة الدروز يرى بأنها لم تكن على وفاق دائم مع الدعوة الإسماعيلية حيث أنها نحت منحا فلسفي جدلي يعتمد على تحكيم العقل أكثر من اعتمادها على النصوص الحرفية للقرآن , ووقفت موقف الحياد من الحديث النبوي, كما أنها جمعت بين الرسائل السماوية الثلاث , التوراة والمسيحية والإسلام , واعتبرتهم رسالة واحدة نزلت في أوقات مختلفة لتكمل بعضها البعض, وأضافت على ذلك فلسفة فيثاغورس وإفلاطون وافلوطونيوس ممزوجة بنفحات من الحكمة الفارسية والهندية والصينية , وجعلت من التقمص محور رئيسي لتفسير هذا النحو الديني الفلسفي الجديد الذي يعتمد على العقل أكثر من اعتماده على النص. هذا النهج الروحي أحدث جدل واسع و لم يلق تأييد كبير في الأوساط الإسماعيلية وأثار حفيظة الأوساط السنّية التي اعتبرته خروج على الإسلام , واختفى مذهب الدروز من مصر وشمال إفريقية بعد اختفاء مؤسسه الحاكم بأمر الله الفاطمي , ولكنه لقي بعض التأييد في بلاد الشام , ولو تفحصنا القبائل التي تقبلت دعوة التوحيد لوجدنا بأن معضمها كان يعتنق المسيحية التوحيدية قبل الإسلام , ولا يمكنك أن تجد أحدا ينحدر من قبائل كانت وثنية.

إذاً , فالرباط العشائري موجود والتشابه العقائدي موجود والاسم واحد , وهذا يكفي للقول بأن جذور التسمية تعود إلى المسيحية القديمة.

9 03 2010
رد على المعلق "غير معروف"

رد على المعلق “غير معروف”
الأصول العرقية للعلويين في معظمها كنعانية شمالية وبعضها كنعانية جنوبية تعود إلى السبي الآشوري عام ٧٢٠ قبل الميلاد. أما أصول الدروز العرقية فتعود إلى عدة جذور أهمها القبائل العربية التي هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب إلى الحيرة وبلاد الشام كالمناذرة والغساسنة , والقبائل الآرامية التي كانت ومازالت تسكن منطقة حلب ودمشق كالحمدانيين وغيرهم.
والجيوش التي جاء بها اسكندر المقدوني واستقرت في منطقة ديكابوليس ( المدن العشر) التي ما زالت مواطن لغالبية الدروز حتى اليوم.
والجيوش الفاطمية التي جاءت من مصر وشمال افريقيا وسيطرت على معظم بلاد الشام , وهذه الجيوش كان لها محورين رئيسيين ,
1 – كتائب المغاربة وعلى رأسهم قبيلة كتامة (قطامة) وموطنها الأصلي جبال الأوراس والساحل الجزرئري ,
2 – كتائب المشارقة وكانوا خليط من الأسرى الأتراك والفرس الذي سقطوا في الأسر في عهد العزيز بالله والحاكم بأمرالله أثناء حروبهم مع العباسيين والبيزنطيين وتحولوا إلى عنصر فعال في الجيش الفاطمي لمهارتهم في الفروسية ورمي السهام , وما زالت بقايا المشارقة موجودة في جبل لبنان وتتمثل بالتيار اليزبكي (الأرسلاني).
أما ما يتعلق بالروابط العقائدية الدينية بين العلويين والدروز فهي لا تتعدى كونهم ينتمون معاً إلى التيار الإسلامي الشيعي , وجوهر العقيدة الإسلامية هو واحد وإن اختلف تفسيرها بين المذاهب , وأقرب المذاهب الإسلامية للدروز هي المذاهب الاسماعيلية ( النزاري والبوهرا ,…).

24 08 2010
الدروز والعلويون

رد على المعلقين السابقين حول الدروز والعلويون:
الطائفتين تنتميان إلى مذهب الشيعة , والعلويون أقدم في عقيدتهم حيث أنهم من أوائل المذاهب الشيعية , أما الدروز فينتمون إلى التيار الإسماعيلي الفاطمي ويعتبرون من أواخر الطوائف الشيعية.
الطائفتين يؤمنون بأن للسور القرآنية والتوراة والإنجيل معاني باطنية (تأويلية).
الطائفتين يؤمنون بظهور الله عز وجل في صورة بشر ولكن بطرق مختلفة .
– العلويون يعتقدون بحلول الروح الإلهية في علي ابن ابي طالب عن طريق التقمص وبناء على ذلك فإن علي هو الله.
– الدروز يعتقدون بأن الله سبحانه وتعالى تجلى في صورة الحاكم بأمرالله الفاطمي على فترات , والتجلي يعني استخدام جسد الحاكم كمرآة لإظهار صورة اللاهوت , وبعد غياب اللاهوت يعود الحاكم حاكم ويستتر اللاهوت . إذاً الحاكم ليس إله ولكنه مقدس لأن الله اختار جسده كمرآة يتجلى من خلالها للبشرية.
– العلويون يعتقدون بتناسخ الأرواح , أي أن الروح بعد الموت تنتقل إلى مخلوق جديد , والتناسخ يعني بأن الروح يمكن أن تنتقل من إنسان إلى إنسان ومن انسان إلى حيوان ومن حيوان إلى إنسان .
– الدروز يعتقدون بالتقمص فقط وهو أن أرواح البشر تنتقل فقط إلى مولود بشري .
– العلويون يسمحون بالإباحية المشروطة بين الرجال والنساء ويحللون أموال وأعراض من هو غير علوي, ويحللون الخمر في المناسبات.
– الدروز لا يسمحون بأي صورة من الإباحية , ويحرمون الخمر, ولا يسمحون بالزواج بأكثر من واحدة , ويحرمون أموال وأعراض الغير . ويمنعون الزواج من خارج طائفتهم.
هذه أهم الفوارق الرئيسية بين العلويين والدروز . وما بقي فهو متشابه بين بعضهم ومع الطوائف الإسلامية الأخرى ولو أن عقيدة الدروز تحتوي بعض من الإنجيل والتوراة والفلسفة اليونانية إلى جانب القرآن .

31 08 2010
a.sadoon

معلومات غنية ، شكرا للكاتب وللمعليقين

31 08 2010
a.sadoon

المعلقين

9 09 2010
عابر سبيل

أريد إضافة تصحيح طفيف على التعليق السابق حول الدروز والعلويون , وهو أن المذهب العلوي كان آخر مذهب انفصل عن الشيعة الإثنى عشرية بعد اختفاء الإمام الثاني عشر محمد المهدي, والمذهب الدرزي كان آخر مذهب من مذاهب الشيعة الإسماعيلية , والشيعة الإسماعيلية تلتقي مع الشيعة الإثنى عشرية في إمامة جعفر الصادق سادس الأئمة بعد علي ابن ابي طالب. الإثنى عشرية وما تفرع عنها اتبعوا إمامة موسى الكاظم الابن الثاني لجعفر الصادق , والإسماعيلية وما تفرع عنها اتبعوا إمامة إسماعيل الإبن الأكبر لجعفر الصادق . المذهب العلوي بدأ في العراق مع بداية القرن التاسع الميلادي , والمذهب الدرزي بدأ في مصر مع بداية القرن العاشر الميلادي تحت رعاية الحاكم بأمرالله الفاطمي , وهذا يجعل المذهب العلوي أقدم من المذهب الدرزي بحوالي مئة عام .

13 07 2012
غير معروف

لا اله الا الله محمد رسول الله ……… رظيت بالاسلام دينآ وبمحمد نبيآ

12 04 2017
غزاله قاسمی

خسته نباشید ممنون به خاطر این مطلب زیبا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: